أبعاد تفسيرية – معالجة الجنايات والأخطاء

سعيد بن سليمان الوائلي -

أستاذ بمعهد العلوم الشرعية -

ضمن النّظام الشرعي الذي يعنى بالحياة الإنسانية، ما يعالج الجنايات والأخطاء التي تقع من قبل فرد يعيش في نطاق اجتماعي، حيث تراعى المسؤوليات، وتحدد الأولويات، فتكون عقوبات تلك الأخطاء في النظام الإسلامي وفق حدود مشروعة وضوابط محددة أوضحتها بعض النّصوص القرآنية.

بالتأمل في الحدود الشرعية نجد أنها متنوعة حسب مقتضياتها، إذ إنّ منها ما يكون مشروعاً لصون الأنفس، ومنها ما يكون مشروعاً لصون الأعراض، ومنا ما شرع لصون أموال الآخرين؛ بما يكفل ضمان حقوق الآخرين في إطار أمني، مثالي المنطق واقعي التطبيق.

فحدّ الحرابة: مصطلح مأخوذ من الحرب وهي نقيض السلم، وقد حاربه محاربة وحرابا وتحاربوا واحتربوا وحاربوا بمعنى، وهو من الحدود التي شرعت لصون الأنفس، وحدّ الحرابة قد نصّت عليه الآية القرآنية: ]إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[ (المائدة 5: 33)، فلمّا كانت للأنفس كرامتها وحرمتها اقتضى أن يكون في الشرع حدّ للمتعدي عليها بالمحاربة التي فضعت شناعتها وعظم ضررها، وأي ضرر أعظم من تخويف الناس في أنفسهم وأرواحهم، والتعدّي على حقوقهم بما يفسد حياتهم.

وقد نصّ القرطبي وغيره من العلماء على أن لا خلاف بين أهل العلم في أن حكم هذه الآية مترتب في المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود.

ذكرت الآية تفصيلا لأنواع العقاب الذي يجازى به المحاربون، ولعل ذلك لكون المحاربة والفساد على مراتب متفاوتة ووجوه شتى: من قتل بدون أخذ مال، ومن قتل مع أخذه، وأخذه بدون قتل، ومن الإخافة بدون قتل وأخذ.

يرى كثير من المفسرين أنّ الآية قد شرعت لكل مرتبة من تلك المراتب عقوبة معينة بطريق التوزيع، حيث يكون الحكم كما يلي:

أن يقتلوا حدًّا من غير صلب إن أفردوا القتل. أو يصلبوا أي مع القتل إن جمعوا بين القتل وأخذ المال. أما قطع أيديهم فلأخذ المال وأما قطع أرجلهم فلإخافة الطريق بتفويت أمنه. وأن ينفوا من الأرض إن لم يفعلوا غير الإخافة والسعي للفساد.

استدل من قال بهذا الرأي بما ورد عن ابن عباس قال: «نزلت هذه الآية في المحارب (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) إذا عدا فقطع الطريق فقتل وأخذ المال صلب، فإن قتل ولم يأخذ مالا قتل، فإن أخذ المال ولم يقتل قطع من خلاف، فإن هرب وأعجزهم فذلك نفيه».

ويرى بعض أهل التفسير أنّ في الآية تخيير الإمام بين تلك الأحكام كلها، بحيث لا تكون مترتبة على ما يفعلون من الجرائم. قال القرطبي: « كذلك قال مالك وهو مروي عن ابن عباس وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد والضحاك والنخعي كلهم قال الإمام مخير في الحكم على المحاربين يحكم عليهم بأي الأحكام التي أوجبها الله تعالى… قال ابن عباس: ما كان في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار».

ثمّة مسائل تناولها المفسرون وهي متعلقة بهذه القضية، منها: من يُعطى حكم المحارب، وتعيين القدرة على المحاربين لتنفيذ الحكم قبل توبتهم، وكيفية التعامل معهم بعد التوبة من حيث إسقاط الحدّ وإرجاع حقوق الآخرين، وكيفية طلبهم لإقامة الحدود عليهم، وهل تكون هذه المعصية خارجة عن المعاصي ومستثناة من جملة الأدلة الشرعية بما تحملته من مبالغة الوعيد؟ وغير ذلك من مسائل متفرعة على تلك الأحكام.

يمكن لمن أراد التوسع، الرجوع إلى تفاصيل هذه المسائل في مظانها من كتب التفسير وغيرها، والله الموفق لما فيه خير.