صعود اليمين المتطرف.. تعددت الأسباب والنتيجة واحدة!

إيمان عارف -

فى مفارقة سياسية واضحة وقبل أيام من الاحتفال بالذكرى السبعين لعملية إنزال نورماندي خلال الحرب العالمية الثانية، التي مثلت بداية سقوط وهزيمة النازية والفاشية بكل ما تمثله من نزعة يمينية متطرفة أساسها العداء والعنصرية للآخر المختلف عرقيا ودينيا، بعد أن جلب هذا الفكر لشعوب أوروبا والعالم حربا عالمية قتل فيها ملايين البشر، عاد اليمين المتطرف ليطل برأسه مرة أخرى عبر صناديق الاقتراع خلال انتخابات البرلمان الاوروبي التي جرت مؤخرا، ووصفت نتائجها بأنها زلزال اجتاح القارة بعد أن استطاعت تنظيمات وأحزاب متطرفة في الدنمارك والنمسا والسويد وفنلندا وبولندا وبلجيكا واليونان والمجر وايطاليا أن توجد لنفسها مكانا داخل البرلمان الاوروبي، رغم أنها أحزاب تتبنى فكرا مناهضا لاستمرار الوحدة الاوروبية وتلعن الاندماج الاقتصادى وهيمنة اقتصاديات الدول الكبرى مثل ألمانيا على سبيل المثال.


وهو ما دفع البعض للقول إن أوروبا بعد هذه النتائج أصبحت خائفة من نفسها ومما ستسفر عنه الانتخابات التشريعية القادمة في عدد من بلدان القارة خلال الفترة القادمة. والأرقام لا تكذب، فحزب الجبهة الوطنية في فرنسا حقق فوزين متتالين على الحزب الاشتراكي الحاكم خلال فترة لا تتعدى ثلاثة اشهر، أما حزب الفنلنديين الحقيقيين فقد حصل على 20% من أصوات الناخبين وحصل حزب الشعب الدنماركي على 12%، وفي اليونان كانت مفاجأة حزب الفجر الذهبي النازي مدوية بعد أن حصل على المركز الثالث في انتخابات البرلمان الاوروبي متوعدا الجميع بنجاحات مماثلة خلال الانتخابات التشريعية المقبلة، أما حزب الحرية الهولندي فقد احتل المركز الثالث، والى جانب هذه النتائج فقد شهدت تجمعات النازيين في السويد على سبيل المثال نشاطا ملموسا خلال السنوات الاخيرة، حيث تمثلت هذه النشاطات في توزيع المنشورات وتنظيم المسيرات بهدف نشر رسالتهم السياسية.

ولعل هذا الخوف هو الدافع وراء حالة الجدل والنقاش والتساؤلات القائمة حول اسباب هذا الفوز التاريخي لليمين، وهل هو مجرد تعبير عن الرفض من قبل المواطنين الاوروبيين لسياسات الاحزاب التقليدية القائمة أي أنه نوع من التصويت العقابي لها، أم أنه يعكس بالفعل تغيرا جوهريا في فكر وعقيدة المواطنين الاوروبيين بشكل يثير مخاوف حقيقية ليس فقط على الوضع السياسي داخل هذه المجتمعات، ولكن أيضا على تماسكها الاجتماعي والثقافي أخذا في الاعتبار طبيعة هذا الفكر العنصري من ناحية وتغير التركيبة المجتمعية لعدد من دول القارة من ناحية أخرى بعد تزايد أعداد المهاجرين خاصة من المسلمين وكونهم أصبحوا جزءا لا يتجزأ من نسيج هذه المجتمعات رغم المشاكل التي يسببونها سواء عمدا او عن غير قصد.

وهنا يشير المراقبون الى أنه رغم تنوع أسباب صعود تيار اليمين المتطرف ما بين اجتماعية وثقافية، فان هناك ما يشبه الاجماع على أن صعود هذا التيار يعود اساسا للازمة الاقتصادية الحادة التي مازالت تعصف بالعديد من الدول الأوروبية، بعد أن استطاعت هذه الاحزاب أن تلعب بنجاح شديد على وتر هذه الأزمة، وما ترتب عليها من تداعيات مثل ارتفاع نسبة البطالة والمديونية وعجز الاتحاد الاوروبي عن وضع معالجات وحلول مشتركة لهذه الأزمات مجتمعة، حيث نجحت في توظيف كل ذلك في برامجها وخطابها الاعلامي لانتزاع مواقع متقدمة في اختيارات الناخب الاوروبي. خاصة بعد أن ساهمت إجراءات التقشف المتبعة في العديد من الدول لمواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية الحادة في منطقة اليورو لإيجاد حالة من السخط لدى المواطن.

ومع أن الازمة الاقتصادية ليست السبب الوحيد في رأي هؤلاء، حيث استفادت هذه الأحزاب على سبيل المثال من نسبة المقاطعة المرتفعة نسبيا في بعض البلدان، الا أنها وظفتها أيضا بشكل فعال كي تكون مدخلا لحث الناخبين على تقديم المصالح والسياسات الوطنية على السياسات المتبعة من قبل الاتحاد الاوروبى، كما استخدمت مدخلا لاعادة النظر في اتفاقية (شنجن) التي تنص ضمن بنودها على إلغاء مراقبة الحدود بين البلدان الموقعة عليها، بل ونجحت في تشجيع الناخبين للتساؤل عن دور المؤسسات الاوروبية ومدى تأثر السياسات الوطنية لكل دولة بسياسة الاتحاد، الامر الذي دفع البعض للقول إن هذه النتائج تعكس في حد ذاتها نوعا من المخاوف والانتقادات الموجهة بشكل أساسي للوحدة الأوروبية.

أما السبب الآخر المهم فهو قضية الهجرة والخوف من الاسلام، وهنا يمكن القول أن ظاهرة الاسلاموفوبيا المصحوبة بارتفاع نسبة البطالة ساهم بشكل واضح في تقديم المهاجرين باعتبارهم كبش فداء أو ذريعة لتبرير بعض السياسات والسلوكيات وتعالى خطاب الكراهية، ففي فرنسا على سبيل المثال ساهم عدد كبير من المهاجرين في اعطاء دفعة قوية للحزب اليميني المتطرف القائم أساسا على مناهضة وجود الأجانب وأن فرنسا أولا وقبل الاتحاد الاوروبي. والدليل على ذلك ما صرحت به مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة القومية عقب ظهور النتائج مباشرة من أن نجاحهم يرجع لأن شعوب القارة بدأت في مراجعة نفسها، وتقييم الإنجازات التي تحققت والمكاسب التي جنتها من الاتحاد الاوروبي فضلا عن تدفق المهاجرين، في إشارة واضحة فيما يبدو للخطين الرئيسيين المتوقع أن يتبناهما اليمين المتطرف خلال الفترة القادمة كي يجعل منهما أساس التحالفات مع قوى اليمين الاخرى في البرلمان الاوروبي. وفي رأي العديد من المحللين فقد شهدت الفترة الاخيرة انتشارا ملموسا لثقافة جديدة تتبنى معاداة المهاجرين وتتمسك بفكرة الدولة بعيدا عن التكامل والاتحاد بين دول القارة،خاصة بعد تفشي حالة من الاحتقان الداخلي بين المواطنين الأوروبيين وهؤلاء الوافدين سواء القادمين من الدول الشرق أوسطية أو الافريقية أو الوافدين الجدد من شرق القارة.

وهنا يحذر المراقبون من أن العنصريين والنازيين يتوحدون عادة ضد عدو أسطوري تتم شيطنته واثارة الكراهية ضده، هذا العدو كان في بداية القرن العشرين اليهود قبل أن يتم استبداله بالمهاجرين المسلمين، الذين ساهموا بدورهم في تأجيج وتغذية هذه المخاوف بسبب تبني البعض منهم لخطاب متشدد يتصادم مع القيم الاوروبية المعروفة، وهو ما مهد التربة أمام هذه الاحزاب كي تصب جام غضبها على المهاجرين متهمة اياهم بشتى المصائب التي حلت بالقارة العجوز.

أما السبب الثالث وربما كان اكثرها غرابة وان كان البعض يتبناه باعتباره يحمل قدرا من المنطقية، فيرجع الامر الى سقوط الاتحاد السوفييتي وما ترتب عليه من انحسار للحركات اليسارية التي كانت قادرة تقليديا على تعبئة الرأي العام وحشد الضغط الشعبي للحصول على مكتسبات اقتصادية واجتماعية، مما فتح المجال للحركات النازية والمتعصبين لاستغلال السخط الاجتماعي وتوجيهه بشكل يخدم مصالحها وأفكارها.

وهنا لابد من الاشارة لنقطة هامة رصدها البعض وتتعلق برد الفعل الاسرائيلي تجاه هذا الصعود المباغت لليمين المتطرف، ففي الوقت الذي بدأ فيه خطاب رسمى يبدي قدرا من القلق تجاه هذا التطور، فهناك على الجانب الاخر خطاب مختلف يرحب بشكل غير معلن بهذا التطور لانه سيفضي الى تحقيق نتيجتين تمثلان انجازا لاسرائيل، أولهما وقف تدفق المهاجرين المسلمين لاوروبا بسبب تنامي ظاهرة الاسلاموفوبيا وثانيهما زيادة الهجرة اليهودية من أوروبا إلى إسرائيل بعد أن تبنت العديد من الأحزاب اليمينية في برامجها موقفا صارما من هذا القضية.

وبغض النظر عن الاسباب الكامنة وراء النجاح المفاجىء لهذا التيار، فان الشيء الهام في تقييم ظاهرة صعود اليمين المتطرف أنها تعيد احياء ظاهرة العنصرية ضد الاجانب والمهاجرين الجدد، وهو الشعار الذي ظهر واضحا في كل الحملات الانتخابية وان كان بصياغات مختلفة تبعا لكل حزب ووفقا لخصوصية برنامجه ومتطلبات الدعاية الانتخابية لكل دولة من دول القارة، وهو أمر يشكل خطرا على المشروع الاوروبي الموحد الذي بني على اساس قيم العلانية والتحديث واحترام حقوق الانسان، ومن ثم فان صعود هذا التيار يوضح بما لا يدع مجالا للشك وجود تآكل ينخر في مرجعيات هذا المشروع ويخلخل الثوابت التي بني عليها وتعاقد عليها الاوروبيون منذ منتصف القرن الماضي وبلغت ذروتها في معاهدة ماسترخيت عام 1992 ومعاهدة امستردام عام1997، فصعود هذا اليمين يمثل النقيض لكل ذلك ولكل المعارك التي خاضها الأوروبيون على جميع الجبهات، ليستحق هذا الظهور المؤسسي لليمين العنصري المتطرف الرافض لمبدأ الاتحاد الاوروبي والمتمسك بالعقيدة القومية لكل دولة على حدة بديلا عن الوحدة بين دول القارة الوصف الذي أطلق عليه بأنه زلزال حقيقي وكابوس لابد أن ينتبه له الجميع. فهذه النتائج ليست سوى انذار من المجتمعات للقادة الاوروبيين من أجل ايجاد خطاب سياسي يهتم بمشاكل الشباب والفئات المهمشة، ويعيد الزخم لفكرة أوروبا الموحدة ويوجد للفكرة الاوروبية أنصارا ومؤيدين جدد بعد أن أظهرت نتائج الانتخابات الاخيرة أنها تعكس بشكل لا يقبل الجدل والاعتراضات المتزايدة على مفهوم الوحدة الأوروبية.