علي بن راشد المطاعني -
من المؤلم حقا أن لا تتغير ثقافتنا رغم تعلّمنا واطّلاعنا على الآخرين وتجاربهم في الحياة، والقبول بأية نتيجة بصدر رحب،بل والاستعداد لمثل هذه الجوانب، فاليوم للأسف لا تجد من يرضى بالنتيجة التي يحصل عليها،أو يحققها ولا يكتفي بذلك وإنما يحمّل الغير المسؤولية إذا لم يكن فائزا أو ناجحا، وهذه الثقافة سائدة مع الصغار والكبار،الرجال والنساء والمثقفين وغير المتعلمين بدون أي تطور في عقلية الكثيرين منا، فاليوم عندما يخسر عضو في الانتخابات سواء البلدية أو الشورى أو غرفة تجارة وصناعة عمان أو الأندية أو جمعية من مؤسسات المجتمع المدني لا يرضى بالخسارة وإن بارك للفائزين، وإنما يشك في الانتخابات تارة، ويطعن في النتيجة تارة أخرى،وقد لا يكتفي بذلك وإنما يمتد إلى أن يكيد ويشكّل جبهة مضادة ضد الفائزين ويعمل في الخفاء لكيل الاتهامات والتقليل من أعمالهم وإظهار مساوئهم، وهكذا دواليك تمتد مثل هذه الأساليب غير الإيجابية في التعاطي مع الأمور.
فبلا شك إن الإيمان بالفوز والخسارة في أية منافسة، والقبول بالنتائج من الثقافات التي يجب أن تترسخ في مجتمعنا والتعامل معها بإيجابية،نعترف أولا بالنتائج ونهنئ الفائزين ونشجعهم ونحفّزهم على العمل ونسهم في دفعهم إلى الأمام،وليس العكس، إلا أن ما تجسد على أرض الواقع مخالف لهذا كليا، فحتى الطالب في المدرسة يرمي رسوبه وضعفه في التعليم على المعلم والمدرسة وكذلك ولي الأمر يبرر رسوب ابنه بأن المعلم غير جيد أو غير ذلك، في حين لا يكلف نفسه الرضا بالنتيجة والبحث في الأسباب التي جعلت ابنه يرسب أو يحصل على علامات أقل، ومن الطبيعي أن تجد الناشئة يحملون نفس الأفكار والمعتقدات الخاطئة لأنهم تربوا في بيئة تآمرية إن صح التعبير، كل شيء نتصوره بأنه ضد أو تآمرٌ إلى غير ذلك. وإذا فاز ناد على آخر أو منتخب على نظيره لا تجد الفريقين يتبادلان التهاني بالفوز ونسيان الساحة الخضراء والعراك فيها على التهديف كما نشاهد في أندية العالم التي تخوض أشرس المباريات في الكرة الأرضية، بل إننا نتبادل الشتائم والسباب، وكذلك الجمهور وحتى أبناء الولايات والبيت الواحد للأسف.
والأمر قد يمتد إلى انتخابات الشورى والأندية وغيرها فتجد التشكيك في الآخرين وقدراتهم والبحث عن ثغرات لهم وتعقب تاريخهم وتكوين سوالف غير ملائمة حتى عن عائلاتهم كل ذلك يحصل لتبرير خسارته وعدم تفوقه في الانتخابات، في حين عندما يكون فائزا فإنه لا يرضى بأن يسمع كلمة غير مناسبة عنه، وهو وغيره متاح لهم أن يكيلوا الاتهامات للآخرين دون هوادة.
إن عدم قبول النتائج أيا كانت وكيفما تكون حلوها ومرها، بل والتأليب على الغير لمجرد عدم التفوق والتعثر إلى غير ذلك أصبح أسلوبا لدى الكثيرين للأسف وثقافة تلصق بنا لعدم قناعتنا بمثل هذه الأمور أن تكون، أو نضع أنفسنا في القمة دائما أو نحسب أنفسنا منزّهين عن الخطأ أو النقصان أو يجب أن نفوز بأي شكل،فإلى متى سوف نصبح رهائن لهذه المعتقدات البائدة والمؤامرات الدنية التي تترسخ في أذهاننا وتزداد يوما بعد آخر.
بالطبع الخسارة قاسية، وعدم النجاح أو الرسوب صعب، إلا أن هذا الشيء أولا نرجعه إلى أسباب في ذواتنا وقدراتنا أو تجهيزاتنا واستعدادنا في المقام الأول،لا أن نلحق الأذى بالغير لمجرد أن تفوّق علينا أو لأننا خسرنا النتيجة، لا بد من الإيمان بمثل هذه الأمور والتسليم بها أيا كانت مسبقا.
نأمل أن تتغير هذه الثقافة ونعوّد الناشئة على القبول بالخسارة والاعتراف بالغير وعدم التقليل من شأن الآخرين لمجرد أنه فاز علينا أو هزمنا إلى غير ذلك من البديهيات التي يجب أن نسلكها في تعاطينا مع الغير عن طيب خاطر وابتسامات عريضة تعكس ما بدواخلنا من رضا لا عكسه.


