ندوة «عُمان الحضارة» تنبش الريادة العمانية في صناعة الحضارة العربية

23697أكّدت على عراقة المنجز وتوازن المستقبل.. وتصدر أعمالها في كتاب -

رسالة عمّان – عاصم الشيدي -

كشفت ندوة «عمان الحضارة» لجمهورها من الأردنيين والعرب المقيمين في عمّان عن عناوين وحقائق كثيرة حول الحضارة العمانية أشار بعضهم أنهم عرفوا تفاصيلها لأول مرة.

وكانت الندوة الدولية التي نظمتها الجمعية العمانية للكتاب والأدباء «وبشراكة مع سفارة السلطنة في عمان ومركز الرأي للدراسات» ضمن مشاركتها في اجتماع الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب ومهرجان جرش قد اختتمت فعالياتها مساء أمس الأول بالتأكيد على الدور الذي لعبته عُمان في رسم تفاصيل وتجليات الحضارة العربية.

ورعت فعاليات الندوة معالي الدكتورة لانا مامكغ وزيرة الثقافة الأردنية وبحضور رسمي ودبلوماسي وثقافي جيد، وقدمت خلال الندوة ست أوراق عمل تناولت محاور عدة من محاور ومفردات الحضارة العمانية. ووقعت الجمعية العمانية خلال حفل افتتاح الندوة على اتفاقية شراكة وتعاون مع مركز الرأي للدراسات، ووقع عن الجمعية نائب رئيسها عاصم الشيدي وعن مركز الرأي مديره الدكتور خالد الشقران.

وأكّدت وزيرة الثقافة الأردنية الدكتورة مامكغ على المكانة الكبيرة التي تحتلها عُمان في وجدان الأردن حكومة وشعبا.

مشيرة أن عُمان (شكلت بتاريخها الطويل وعمقها الجغرافي حلقة وصل مع مختلف الحضارات الإنسانية منذ العصور القديمة، وذلك بريادة أهلها في ركوب البحر، وصلاتها التاريخية وتبادلها الثقافي ونشاطها الاقتصادي لا سيما مع الحضارات السومرية والبابلية والفرعونية والرومانية وغيرها من الحضارات). وقالت الوزير في مداخلة مكتوبة لها في بداية الندوة: (عندما نتحدث اليوم عن عُمان لا ننسى إسهاماتها الجليلة في بناء المشهد الحضاري الإنساني، فمن منا لا يعرف الملاح أحمد بن ماجد..

إن أوابد عُمان ومواقعها الأثرية الماثلة اليوم من قلاع وحصون تشير إلى عمق تاريخها وأثرها الحضاري).وأشادت الوزيرة الأردنية بالنهضة العمانية الحديثة التي جعلتها (تقف في مصاف دول العالم الأكثر استقرارا وأمنا ورفاهية لمواطنيها، فقد حظيت السلطنة بمرتبة متقدمة في مؤشر السلام العالمي باعتبارها من أكثر الدول أمنا على مستوى الشرق الأوسط والعالم، وهذا يعود إلى النهضة الشاملة التي بدأها جلالة السلطان قابوس بن سعيد منذ توليه مقاليد الحكم في 23 يوليو 1970). وقالت الوزيرة الأردنية (إن ما يميز عمان في سياساتها الخارجية علاقاتها الحميمة مع الدول العربية الشقيقة المبنية على الاحترام، والعمل على تحقيق المصالح العربية القومية المشتركة وحفظها، ووقوفها إلى جانب أمتها في التصدي لكل أشكال الخطر، فضلا عن العلاقات الودية الطيبة التي تربطها بدول الإقليم ودول العالم الأخرى). وتحدثت الوزيرة، وهي كاتبة وأكاديمية أيضا، عن النهضة الثقافية التي تشهدها السلطنة، مشيرة (تم الكشف عن الآثار الحضارية العمانية وحصرها وترميمها وحفظها، وتوظيفها للأغراض المختلفة بما يبرز أهميتها ودورها في الحضارة العمانية). وفي جانب آخر دعت مامكغ الى أهمية الاعتناء بالفنون الشعبية، والنهوض بفنون المسرح والموسيقى والسينما والفنون التشكيلية، وإلى تعزيز المشاركة الوطنية في التنمية الثقافية وتمكينها من ممارسة نشاطها الثقافي عبر إنشاء المؤسسات الثقافية في المؤسسات الأهلية، وبينت أنه سيكون هنالك تمثيل أردني في مهرجان صلالة في أغسطس القادم.

من جهته أوضح رئيس مجلس إدارة المؤسسة الصحفية الأردنية (الرأي) سميح المعايطة أن (الرأي) حاضنة للفعل الثقافي، مشيرا الى أن حضارة عُمان حاضرة في جميع مجالاتها.

واعتبر رئيس مركز(الرأي) للدراسات الدكتور خالد الشقران تعاون الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء مع مؤسسة (الرأي) جاء ثمرة مشاركة وتعاون الفكر لتطوير العلاقات بين الطرفين في المجال الثقافي، بغية صقل هوية الفكروالثقافة العربية، في ظل ما يعاني منه الوطن العربي من تحديات. إلى ذلك أكدت كلمة الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، التي قدمها كاتب هذه السطور، على أهمية الندوة وقيمتها في استقراء بعض مفردات الحضارة العمانية.

وجاء في الكلمة: ( انها تحمل الكثير من الأهمية كونها تنبش وبشكل علمي مطلق العديد من مفردات بناء الحضارة، وهي مفردات كانت حاضرة في تشكل الحضارة العمانية منذ فجر التاريخ.

لا يدل على ذلك الأثار الدارسة فقط، وإنما ما يقف شامخا على أرض عُمان من قلاع وحصون، ومن تراث فكري وأدبي، ومن تاريخ يملك مقومات التاريخ العريق الذي يمكن أن نقول عنه بالكثير من الاطمئنان أنه استطاع أن يصنع اليوم دولة فتية قامت على فعل حضاري تراكمي، وليست على فعل مجازي متوهم). وأضافت الكلمة ( إذا كانت عمان قد بقيت في مراحل من التاريخ محاصرة بفعل الطبيعة بين اتساع صحراء الربع الخالي وقسوة الجبال الشامخة، إضافة إلى ما خلفته الصراعات الدينية خلال العصرالأموي فإنها وجدت في المحيط مساحة مفتوحة للخروج بثقافتها وبالدين الإسلامي الحنيف إلى الكثير من مساحات العالم المفتوحة..

فوصل العمانيون في تلك المرحلة إلى الهند والسند والصين، وفي الضفة الأخرى وصلوا إلى عمق أفريقيا وأدغالها..

وهو ما أسس لكيان سياسي عرف بالإمبراطورية العمانية في منطقة زنجبار والساحل الأفريقي التي بقيت لسنوات مصدر إشعاع حضاري ليس فقط للقارة الأفريقية بل لمناطق مختلفة كثيرة..

وهي مرحلة يطيب للكثير من العمانيين تشبيهها بمرحلة التواجد الإسلامي في الأندلس.

فالنهضة التعليمية والثقافية التي اشتغل عليها العمانيون هناك كانت أشبه بالمرحلة العربية في الأندلس، وقصور العمانيين في زنجبار كانت شاهدا وتأسيسا على فعل الأجداد في الأندلس).وشهدت أوراق الندوة الكثير من النقاشات التي حاولت استيضاح تفاصيلها.

وفتح الدكتور محسن الكندي مدير مركز الدراسات العمانية بجامعة السلطان قابوس ملف الأدب العماني من خلال قراءة استقصائية مجملة للمرجعيات والتجارب مع الإشارة إلى المراحل التي مر بها هذا الأدب عبر أصوله المختلفة معتبراً أن الأدب العماني كما أثبته الباحثون كان أكثر اتساعا في العصر الحديث وأكثر اتصالا بحضارة عمان ومرجعياتها التاريخية والسياسية والاجتماعية والثقافية والعقدية.

وأشار الكندي إلى أن هذا الأدب ظهر في أصناف متعددة كان الشعر أكثرها حضورا لكنه لم يكن أوحدها تداولا فقد عرفت عمان منذ فترة طويلة أنماطا كثيرة من الخطب والوصايا والرسائل والمكاتبات والقصص والسير والأحاديث التي تنسب بعضها إلى علماء عمانيين في اللغة والفقه والتاريخ والنحو والبلاغة إضافة الى فن المقامة الذي يكاد يكون فناً مميزا في الثقافة الأدبية العمانية الحديثة.

من جهة أخرى تحدث المهندس سعيد الصقلاوي عن تصميم القلاع والحصون باعتبارها أحد مفردات الحضارة العمانية.

وسلط الضوء على الخبرة المعمارية والعمرانية في مجال التعاطي والتعامل مع المقتضيات الحربية والعسكرية وما تتطلبه من منشآت وتحصينات كان لابد من وجودها في سياق الحياة العمانية حيث شكلت تلك التحصينات كما يؤكد الصقلاوي ملمحاً مهما وبارزا في النسيج العمراني للمدينة والقرية للجبل والسهل للحضر ولبادية في عمان.

كما تحدث سعيد الطارشي عن الكتابات التاريخية في عمان خلال الفترة من1980-2014.

متحدثا عن عينات واسعة مما كتبه العمانيون في حقل الدراسات التاريخية محاولا رصد واستقراء وتقييم جانب مما أنتج من كتب ودراسات خلال الفترة من عام 1980 إلى بدايات عام 2014، لتكوين صورة واضحة ومتكاملة عما كتب مع تقييمه وفق معايير منهجية معينة.

وقدم الباحث ملاحظات أولية في الرؤية والمنهج حول الكتابات التاريخية العمانية من خلال حصر الندوات والمؤتمرات التي أقامتها المؤسسات ذات الصلة.

وقدم الدكتور كمال أحمد المقابلة مساعد مدير وحدة الدراسات العمانية في جامعة آل البيت ورقة في الندوة بعنوان (جهود العلماء العُمانيين في صناعة المعجم العربي ). وأبرز خلالها جهود علماء عُمان المتقدمين في صناعة المعجم العربي من مثل الخليل الفراهيدي، وابن دُريد الأزدي، والمبرِّد الأزدي، والعوتبي الصحاري وغيرهم ممن أوردوا أشياء في اللغة لم يُسبقوا إليها في ميدانهم.

واستعرض الباحث مراحل صناعة المعجم العربي فيما وجود العمانيين فيه.

وعاد المقابلة وقدم ورقة زميله الدكتورأحمد ياسين القارلة بعد تعذر حضوره في اللحظات الأخيرة.

وحملت الورقة عنوان (التطور التشريعي في سلطنة عمان) تناول فيها التطورات الذي مرت بها التشريعات في السلطنة ابتداء من بداية عصر النهضة المباركة التي قادها جلالة السلطان المعظم أيده الله وحتى العام الجاري معتمداً في دراسته على المنهجين الوصفي والاستردادي.

فيما قدم الدكتور عليان عبد الفتاح الجالودي ورقة بعنوان (ملكية الأرض والضرائب في عُمان في العصر الإسلامي الوسيط) واعتبر الجالودي دراسة التاريخ الحضاري الإسلامي عموماً ودراسة تطور النظم والمؤسسات باهتمام متزايد في السنوات الأخيرة لأهمية دراسة هذه الجوانب في كشف حيوية الأمة وأصالة نظمها ومؤسساتها ومدى الأثر الذي تركه الإسلام في النظم والمؤسسات الموروثة في البلاد المفتوحة.

ويرى الجالودي أن ُجلَّ ما أنتج من دراسات حول التاريخ العُماني انصب على دراسة التاريخ السياسي المتمثل بتعاقب الدول ودراسة النشاط التجاري البحري، أنظمة الرّي والأفلاج غير أن الجوانب المتصلة بدراسة الأرض وأنظمة حيازتها وأنظمة الضرائب وأساليب جبايتها وأساليب الاستثمار الزراعي لازال الاهتمام بها واعداً بحيث توجد القليل من الدراسات التي مست هذه الجوانب..

كما أن المصادر الفقهية بما حوته من مادةٍ ثرية في هذا السياق لم تنل ما تستحقه من اهتمام وتحتوي على مادة قيمة إذا ما أُحسن استنطاقها والتعامل معها وفقاً لمنهجية البحث التاريخي.

إلى ذلك أكد الدكتور خالد الشقران مدير مركز (الرأي) للدراسات على عمق العلاقة بين المركز والجمعية العمانية للكتاب والأدباء متطلعا وزملاؤه في المركز إلى أن يتم تفعيل اتفاقية التفاهم الموقعة أمس الأول وأن تتواصل الندوات والمحاضرات بين المركز والجمعية سواء في عمّان أو في مسقط.

واتفقت الجمعية والمركز على طباعة أوراق عمل الندوة في كتاب يصدر عن المركز ويتم توزيعه عبر دور نشر متخصصة ليكون متاحا في يد الباحثين في كل مكان.