محمد صابرين -
لم يكن توقيت هجوم داعش المفاجئ، المفاجأة الوحيدة، بل كانت لحظة «المواجهة الصعبة» لجميع أطراف اللعبة لحصاد المغامرة المجنونة في العراق،والأرجح في المنطقة.فمما لا شك فيه أن غزو العراق كان بداية مشوار طويل لواشنطن انتهى بانسحاب القوات الأمريكية تاركة خلفها بلداً يعج بالفوضى،وعلى الأرض نخبة سياسية منقسمة، وسياسة طائفية،وفساد رهيب،وشعب ما زال يعاني،وتقسيم واضح ما بين السنة والشيعة والأكراد.
إلا أن أحدا لا يجرؤ على إعلان «هذا التقسيم»، كما أن نوري المالكي رئيس وزراء العراق احتكر السلطة،بل واستحوذ على أهم المفاتيح، وهمش خصومه السياسيين،واستقوى بواشنطن وطهران ليبقى في قمة السلطة حتى ولو اختار العراقيون قائمة إياد علاوي من قبل. وبينما حدث أوباما نفسه بأن يسجل له التاريخ الأمريكي أنه أخرج القوات الأمريكية من المستنقع العراقي ثم الأفغاني،إلا أن داعش أو من يقف خلفها أراد أن يخلط الأوراق الأمريكية ولا يدع أوباما يهنأ بثمرات الابتعاد.
ولعل أول المتضررين من خطوة داعش هو أوباما،فالتطورات الأخيرة تعيد فتح ملف التدخل الأمريكي في العراق وأفغانستان، ومدى جدواه في مقابل الانسحاب من البؤر الساخنة، وترك مصيرها للاعبين المحليين واللاعبين الإقليميين. فمما لا شك فيه أن الجمهوريين يتهمون أوباما «بالضعف والتردد» و«تعريض المصالح الأمريكية» والأمن القومي الأمريكي للخطر بسياسة «الانسحاب»، أو ما يطلق عليه أنصار أوباما «القيادة من الخلف».ويرى هؤلاء أن أوباما ضيع «المئات من المليارات» التي جرى إنفاقها في العراق،وأهدر كثيراً مما أرادت واشنطن تحقيقه من خلال التدخل الذي كلفها نحو 4000 قتيل أمريكي!
ويجادل هؤلاء بأن الأمن القومي الأمريكي بات معرضاً للخطر، وأن سياسة «عدم التدخل» لم تقلل من خطر الإرهاب،بل على العكس فإن خطر الإرهاب قد زاد.كما أن سياسة الرهان على جماعة الإخوان لاحتواء التنظيمات الإرهابية في المنطقة ثبت فشلها،بل بات واضحا بجلاء أن الإخوان وغيرها من التنظيمات والجماعات التي تردد أنها سلمية كان لها،ولا يزال «خيوط سرية» مع هذه التنظيمات الإرهابية، وأبرزها علاقة الجماعة بتنظيم القاعدة.
وفي اللحظة الراهنة يحصد أوباما ما صنعه سلفه جورج بوش الابن وما صنعه هو وما لم يصنعه وأحجم عن القيام به،فمن جهته دشن جورج بوش سياسة الفوضى الخلاقة بغزو العراق،واستمرت هذه السياسة بوسائل عنيفة وأخرى من خلال «القوة اللينة».إلا أن المحصلة كانت فتح «صندوق باندورا» المليء بالشرور في العراق والشرق الأوسط، وأبرز هذه الشرور «تأجيج الصراع الطائفي والعرقي» في منطقة أشبه بلوحة الفسيفساء العرقي والديني،فضلا عن تسريح الجيش العراقي مما أحدث فراغاً كبيراً تدخلت الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية حتى تملأ هذا الفراغ.
كما أن بوش ومن بعده أوباما لم ينتبها إلى أن «الحلول العسكرية» وحدها لا تكفي لقمع الإحساس بالظلم والإهانة الوطنية، وهذا ما حدث من قبل السنة الذين شعروا بالظلم والتهميش، وأنهم دفعوا الثمن مرتين: ديكتاتورية صدام حسين وبعدها «ثمن أخطاء صدام».
والغريب أن جزءاً من النخبة السياسية الشيعية اختارت «الثأر والانتقام» بدلا من «المصالحة التاريخية»،واختارت الاستئثار بالسلطة ومغانمها بدلا من توزيع الثروة بشكل عادل وتلبية تطلعات العراقيين في الحرية والعدل والمساواة والإنصاف،وتعويض جميع المواطنين عن سنوات الكبت.إلا أن نظام الحكم المالكي اختار أن يعدل بتوزيع الفساد والحرمان على الجميع،وإن كان السنة هم أكثر الذين شردوا وعانوا من التهميش والطائفية.
لم يتنبه أوباما إلى هذه الصورة القبيحة، ولا إلى أن التدخل الأمريكي قدم العراق على «طبق من فضة» لإيران، كما لم يحسب الخبراء الاستراتيجيون حسابهم بأن طهران في اللحظة التي تضع يدها على العراق فإنها لن تكتفي بذلك، وهو ما نراه حاليا من بسط هائل للنفوذ داخل سوريا وأصابعها الممتدة في لبنان من خلال حزب الله، وأيضاً محاولاتها للتدخل في البحرين واليمن (من خلال الحوثيين) وفلسطين (من خلال حماس وجماعات أخرى).
والنقطة الأخرى التي لم يحسب أوباما نتائجها أن اختلال الموازين لصالح إيران سوف يستدعي بالضرورة محاولة «العبث بالخليج»، وليس سراً محاولة طهران تطويق السعودية بأحزمة من نار سواء في العراق أو اليمن، أو حتى التدخل واللعب بورقة الشيعة في داخل المملكة، بل إن تسريب «الخرائط الجاهزة» عن تقسيم العراق والسعودية واليمن وسوريا وبلدان عربية أخرى دفع الجميع إلى «عدم الوثوق بالعم سام»،وفي هذه اللحظة فإن الثقة العربية – وبالذات الخليجية – في الصديق الأمريكي هي في أدنى مستوياتها.
ولا تتوقف مصاعب أوباما عند هذا الحد بل انه لم يكسبها أنظمة قوية بديلة،فلا عراق المالكي يمكن التعويل عليه ولا أفغانستان كرزاي يمكن الوثوق بها .ويبدو الآن أن أفغانستان مهددة بالعودة إلى طالبان كما أن العراق يبدو مصيره في مهب الريح،وحتى الآن لا يبدو أن واشنطن ترغب في التورط في المستنقع العراقي،وترغب في أن تترك المالكي لكي يواجه مصيره بنفسه،واختارت واشنطن أن تتفاهم مع طهران بشأن مصير العراق في ظل تطورات داعش.
وهنا مرة أخرى تبرهن واشنطن أنها تتخلص بمنتهى السرعة من «الأوراق المحروقة» أو التي في طريقها إلى الاحتراق.
ومما لا شك فيه أن واشنطن تدرك خطورة الموقف،فقد وصف وزير الخارجية الأمريكي جون كيري تقدم مقاتلي داعش بأنه «تهديد وجودي» للعراق. ولم يستبعد كيري أي شيء قد يكون بناء وذلك ردا على سؤال بشأن تعاون واشنطن مع طهران في العراق.
وقال كيري ان بلاده «حثت الدول الإقليمية» على أداء أدوار بناءة واحترام سيادة العراق الإقليمية. وهذه النصائح البناءة هي من قبيل «إبراء الذمة»، إلا أنها لن تمنع القوى الإقليمية من الدفاع عن مصالحها، والتحسب لأخطار محدقة وعاجلة من جهة ولجم توسع قوى إقليمية أخرى على حسابها،أو محاولة تصحيح الأخطاء والخلل الذي حدث نتيجة تمدد النفوذ الإيراني الذي قال عنه أحد كبار قادة الحرس الثوري الإيراني أنه وصل إلى البحر المتوسط.
وأحداث داعش هي جزء من الصراع الداخلي،إلا أنها بلا شك حلقة من صراع إقليمي يدور ما بين إيران وحلفائها من جهة والسعودية وتركيا وقطر من جهة أخرى.
إلا أن الصورة وتعقيداتها لا تقف عند هذا الحد بل تمتد لتشمل ظاهرة «الجيوش الخاصة» التي سبق لأمين عام جامعة الدول العربية الحديث عنها، وهذه الجيوش الخاصة التي ليست جيوش دول بعينها باتت طرفاً في توازنات القوى بل وبات يحسب حسابها. فالحديث الآن عن أن واشنطن عليها أن تحسب ردة الفعل من قبل أنصار داعش بل والمتعاطفين معها سواء في الشرق الأوسط أو داخل أوروبا وبالذات بريطانيا (500 من البريطانيين في صفوف داعش)، فهؤلاء لن يمرروا بسهولة انحياز واشنطن لحكومة المالكي،وثمة ترجيحات بالرد إذا ما طالتهم هجمات الطائرات الأمريكية أو سفنها الحربية أو الطائرات بدون طيار. ومثلما يقول الخبراء العسكريون فان التدخل من قبل واشنطن سيؤدي إلى زيادة احتمالات وقوع هجمات إرهابية في الدول الغربية على يد الجهاديين الغربيين العائدين من ساحات القتال سواء في سوريا أو العراق، ولقد جرى بالفعل إطلاق تهديدات بشن هجمات من قبل جهاديين بريطانيين عادوا أخيراً من سوريا.
ويبقى في النهاية أن «الخطر الأكبر» يتمثل في تفجر «حرب أهلية طائفية وعرقية» في العراق سواء ما بين السنة والشيعة أو ما بين العرب والأكراد،وإذا ما تفجرت هذه الحرب فإن الشرق الأوسط بأكمله سيتحول إلى قطعة من الجحيم». وسيكون للتدخل الأمريكي هذه المرة عواقب وخيمة نظراً لأنها لا تستطيع ادعاء الجهل بخطورة الموقف، وضرورة العمل بكل الوسائل لاحتواء أي حرب دينية في الساحة العراقية،وعدم السماح بامتدادها إلى سوريا ولبنان وبقية المنطقة.
وهنا يجب على جميع العقلاء حتى من الأعداء إدراك أن لا مصلحة ترجى من استعداء مليار مسلم غالبيتهم من السنة،وأن تفجير الصراع ما بين المذاهب الإسلامية سوف ترتد أصداؤه ليس فقط في الشرق الأوسط بل في آسيا الوسطى والصين وروسيا والجمهوريات الإسلامية السوفييتية السابقة،بل وداخل أوروبا والولايات المتحدة. ولعل هذا هو أصعب التحديات التي تواجه أوباما، فبدلا من السكوت والانسحاب والتخفي،أو الانحياز لحكومة المالكي الطائفية،أو الرضوخ لإيران فإن الخيار الأصوب هو الدعوة إلى «مصالحة حقيقية» في العراق،وتشكيل حكومة وفاق وطن، واعتماد «مبدأ المواطنة» والمساواة الحقيقية ما بين أفراد الشعب العراقي،وتخفيف معاناة العراقيين،والتخلي عن أوهام رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط تهيمن عليها إسرائيل وإيران. فبعيداً عن «الخيالات» و«الأوهام» تبدو الحقائق مرعبة على الأرض، وأخطرها «الرصاصة الأولى» التي أطلقتها داعش لإنهاء «النظام الطائفي» في العراق.


