جراهام فولر -
ترجمة قاسم مكي -
كريستيان ساينس مونيتور -
تكشف القدرة المدهشة لقوات ميليشيا الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش)، كما تجلت في استيلائها على عدة مدن عراقية، عن الضعف والانقسامات المريعة داخل العراق أكثر مما تكشف عن براعة عسكرية فائقة لهذه الجماعة.ورغما عن ذلك فإن ما حدث ليس يوم قيامة جهادية، فداعش كقوة عسكرية استراتيجية في العراق لاينبغي أن يخشى منها،إن ما يجب ان يكون مدعاة للخوف هو ذلك الانشقاق الأيديولوجي لأعداد كبيرة من السنيين الذين لن يقاتلوا من أجل دولة يرون أنها لم تعد دولتهم.إن أسباب الاستبعاد (السياسي) للسنيين معلومة جيدا، فهم كانوا أعظم الخاسرين بعد أن غزت الولايات المتحدة العراق في عام 2003 وأطاحت بـصدام حسين وحطمت حزب البعث الحاكم (حصن الهيمنة السنية) وفككت الجيش العراقي. ثم تولت من بعد ذلك الأغلبية الشيعية المقهورة زمام الدولة وهي عازمة على عدم السماح بإضعافها سياسيا مرة أخرى على الإطلاق،لقد شكل العراقيون السنيون رأس رمح المقاومة المسلحة للاحتلال الأمريكي الذي امتد لعشرة أعوام بجانب بعض القوات الشيعية.وفي بلد تحركه مشاعر وطنية عنيفة،يتوحد العراقيون السابقون العلمانيون خلف قضية مشتركة مع الإسلاميين والجهاديين السنيين لطرد المحتلين الأمريكيين، لقد كان يمكن لرئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي بناء توافق وطني جديد يرتكز على « قومية عراقية» عريضة،ولكن الشيعة الصاعدين حديثا إلى الحكم ظلوا يخشون دائما من أن السنيين سيحاولون قلب المعادلة السياسية والاستيلاء على سنام السلطة مرة أخرى. ويعزز الاحتقار العلني الذي تبديه بعض القوى الإقليمية للسلطة الجديدة في بغداد من المخاوف الشيعية،خصوصا عندما تذهب هذه القوى بعيدا إلى حد مساندة القوى السنية الأكثر أصولية لإسقاط نظام الأسد (الشيعي اسما) في سوريا. وقد زاد المالكي الغارق في رهابه (خوفه المرضي) وولعه بحكم الرجل القوي على الطريقة العراقية من نفور السنيين بإبعادهم عن مراكز القوة في بغداد. وصار الجيش العراقي الجديد بالضرورة،أداة باطشة للسلطة الشيعية في المناطق السنية.واليوم فإن وجود الجهاديين السنيين يسمح للمالكي ربط الحراك السياسي السني «بالإرهاب». إن معظم السنيين العراقيين لايتعاطفون كثيرا مع الأيديولوجيا والتكتيكات المتطرفة لداعش وأسلافها من الجهاديين. ولكنهم ينظرون إليها أيضا كأداة رئيسية لاستعادة النفوذ السني (إن لم يكن في حكم البلد فعلى الأقل للحفاظ على صوت تقليدي قوي في الحكومة). ويقول السنيون إذا كان الصعود المذهل لداعش يقلق المالكي وحكومته فليكن ذلك كذلك. إذ ربما أن المالكي سيعود إليه رشده ويتبنى حكما أكثر شمولا (للآخرين). وفي الأثناء تمهد عمليات داعش الأرض لسيادة إقليمية سنية أكبر فيما يتشكل (أمامنا) هيكل فيدرالي للحكم ثلاثي الأطراف يتكون من مناطق عربية سنية وعربية شيعية وكردية، وذلك كسبيل وحيد يحافظ به العراق على وحدته في المستقبل المنظور، ولايوجد مجال لواشنطن كي تلج إلى هذا العذاب العراقي مرة أخرى. لقد دمرت الولايات المتحدة سلفا البنيات الأساسية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للعراق وحولته إلى فوضى مستباحه تسعى فيها كل عشيرة لخدمة نفسها. ونحن في الغرب نحاول إنكار النتائج القبيحة لأفعالنا بهزِ أكتافنا والقول بأن العراق هو على كل حال «قبلي إلى الأبد». ولكن لمن تتجه أنت حين يفوح عفن سياسة تدمير بلدك؟ إن معظم الناس حينها يلوذون بهوياتهم الاجتماعية الأساسية؛ أي بعشائرهم وقبائلهم وجماعاتهم الطائفية والإقليمية، وهي الوحيدة التي يمكنها أن توفر الأمن من الفوضى والأعداء. فلم تعد توجد دولة قائمة تحمي الناس، وأنت لا تجرؤ على تسليم مسؤولية حمايتك إلى هيكل دولة جديد غير مختبر وغير مؤتمن لفترة طويلة.يوجد في الحقيقة لاعبان إقليميان لهما بعض القوة والصدقية في المنطقة هما تركيا وإيران، وبينهما حالة من التنافس المتواضع، ولكن تركيا لاتسعى إلى أن تصبح «بطلة السنيين».كما أن إيران لاتسعى ببساطة كي تكون «بطلة الشيعة».إن الشيعة العراقيين يشعرون بالامتنان للمساندة الإيرانية في أوقات الأزمات.ولكنهم عرب عريقون وفخورون بعروبتهم، إنهم ليسوا إيرانيين وسيقاومون الجهود الإيرانية للسيطرة عليهم. ومن الواضح أن كلا من تركيا وإيران يشتركان في الرغبة في وجود عراق واحد مؤسس على نوع من التوازن الطائفي. فلا تركيا أو إيران تريدان أن يحكم الجهاديون العراق أو حتى المناطق السنية ان تركيا تريد في الحقيقة اعترافا أكبر بحقوق السنيين العراقيين، وتريد إيران في الواقع نفس الشيء، حين يختفي التهديد الجهادي؛ ذلك لأن عراقا غير مستقر ومحطم بحرب أهلية لايخدم المصالح الإيرانية. إن أكثر شيء مدمر في الوقت الحاضر يتمثل في مصادر تمويل الجهاديين السنيين المتطرفين في سوريا والعراق،ومثل هذا الموقف التمويلي طائفي بوضوح، إنه يتعلق بجيوبولويتيكا المنطقة أكثر مما يتعلق بالمذهب الشيعي في حد ذاته. وستظل القوة الإقليمية الشيعية الرئيسية طرفا منافسا حتى لو كانت المنطقة سنية قلبا وقالبا. إن العراق بمساعدة من جارتيه ربما سيتدبر حل لأزمته الداخلية التي تخصه، وهو بإمكانه أن يفعل ذلك لأن الشعور الطائفي بصفته هوسا يوجه تصرفات المرء ليس منقوشا في الصخر (أو خالدا). إن الهوية الطائفية القوية تعكس في الوقت الحاضر أوضاع عدم أمان ومخاوف لمجتمع معقد يمر بحالة فوضى وتحول سياسي واجتماعي. من الممكن أن يؤجل التدخل الأمريكي، الذي كان كارثيا في السابق، إلى ذلك اليوم الذي ينبغي فيه على العراقيين التعاطي مع بعضهم البعض مرة أخرى. نحن (في الولايات المتحدة) ليس في مقدورنا إصلاح الأمور (في العراق). وإذا نحينا الصور التلفزيونية لداعش جانبا، فإن المشكلة (العراقية) ستبدو متعلقة بالمنطقة أكثر مما هي متعلقة بنا.
*الكاتب نائب الرئيس السابق لمجلس الاستخبارات القومي بوكالة الاستخبارات الأمريكية (السي آي أيه).


