توماس فريدمان – ترجمة قاسم مكي -
نيويورك تايمز -
استيلاء المتطرفين السنيين الذين تدفقوا عبر الحدود السورية على مدينة الموصل العراقية الثلاثاء(10 يونيو) يؤكد على صدام بين نظرات إلى العالم نشهده الآن في منطقة شرق المتوسط بأجمعها. وهو صدام شهدته عن كثب في أثناء زيارتي إلى كردستان قبل أيام قليلة.إنه ليس ما تعتقده أوما يدور بخلدك،فهو ليس صداما بين الحكومة العراقية بقيادة رئيس الوزراء (الشيعي) نوري المالكي ومتطرفي السنة؛فذلك صدام شوفيني كلا طرفيه خاسر.إن حرب الأفكار الحقيقية والوحيدة التي تستحق الانضمام إلى أحد طرفيها هي تلك التي تدور رحاها بين المتطرفين الدينيين (السنيين والشيعة على السواء) وبين حماة البيئة الملتزمين بقضيتهم.إن كلا طرفي هذه الحرب يحاول في الحقيقة محو الحدود السياسية في الشرق الأوسط، ولكن لأسباب مختلفة. فالمتطرفون وحماة البيئة على السواء يؤمنون بأن رؤيتهم او فكرتهم ستنتصر فقط إذا اختفت الحدود بين سوريا والعراق وتركيا ولبنان وإذا حُكِمَت هذه المنطقة كنظام سياسي أو نظام بيئي (إيكولوجي) واحد.
وإذا كسب المتطرفون الحرب (وهم يفعلون ذلك الآن) فستكون هذه المنطقة واقعة في قبضة كارثة سياسية بيئية.وإذا كسبها أنصار البيئة فسيكون السبب في ذلك أن الناس في معظمهم أدركوا أنهم إذا لم يتعلموا اقتسام هذا الفضاء فسيدمرون بعضهم البعض أو أن «أمَّنا» الطبيعة سرعان ما ستقضي عليهم جميعا.لقد قضيت وقتا مع بعض حماة البيئة في أثناء وجودي في كردستان. وكم كان الحديث معهم فاتحا للبصيرة ! فوجهة نظرهم هي أن الشرق الأوسط ربما يكون مقسما إلى دول منفصلة ولكن يمكن إدارته اليوم لفائدة معظم شعوبه فقط حين ننظر إليه كنظام إيكولوجي مائي وأحيائي واحد يشهد تهديدا متزايدا من كوارث الطبيعة والبشر.
فمثلا في أعوام التسعينات وجد إقليم كردستان العراقي نفسه خاضعا لعقوبات مضاعفة هي عقوبات الأمم المتحدة على عراق صدام حسين وعقوبات صدام حسين على كردستان. وكنتيجة لذلك اجتث الأكراد مساحات ضخمة من الغابات الجبلية لحرق أخشابها كوقود مما قضى على أشجار البلوط أو السنديان المحلية والسلسلة الغذائية التي تحافظ على أنواع الحيوانات الكبيرة مثل الفهد الفارسي. ويقول عزام علوَش، رئيس منظمة طبيعة العراق والفائز بجائزة جولدمان للبيئة لجهوده في انقاذ أهوازالعراق، ذلك هو ما يفسر لنا أن المكان الوحيد الذي لايزال يعيش فيه الفهد العراقي يقع على الحدود العراقية الإيرانية التي لاتزال مزروعة بالألغام الأرضية « حتى لايتمكن الصيادون من الذهاب إلى هناك».
وفي حين أن فهدا أو آخر يطأ أحيانا لغما أرضيا هناك إلا أن حقول الألغام قللت من النشاط البشري بحيث أدى ذلك إلى أزدهار الطبيعة مجددا في الأهواز. ويرغب علوش في الحفاظ على الألغام وعدم إزالتها مع إيجاد مسارات آمنة للمشاة وتسمية المنطقة «حديقة السلام». ولكن المشكلة الحقيقية كما يقول عزام هي الماء الذي صار سلعة غالية بحيث أن كلفة اللتر منه الآن تساوي ضعف قيمة البنزين غير الخالي من الرصاص الذي يستخدمه العراقيون وقودا لسياراتهم. ويقول علوش :«معظم العالم يعتقد أن العراق عبارة عن نفط وصحراء وحرب. إن موطني العراق جبالٌ مكللة بالثلوج في كردستان ووديانٌ مهيبة تنقل الماء والخصوبة من هذه الجبال المقدسة إلى الجنوب.
وإذا كنا نساوي ما نأكله فنحن أهل العراق مصنوعين من المواد المعدنية (التي يرفدنا بها نهرا دجلة والفرات) من جبال كردستان. نحن كلنا (مصنوعون منها) أكرادا وشيعة وسنة ويزيديين وتركمانا ومسيحيين». إن المنابع الأساسية لنهري دجلة والفرات هي حقا جبال شرقي تركيا والعراق التي يقطنها في معظمها الأكراد.
ولكن اجتمعت عدة عوامل كي تبطىء من تدفق مياه هذين النهرين العظيمين عبر سوريا والعراق. هذه العوامل تشمل تزايد مواسم الجفاف واستخدام مضخات الديزل والاحتياجات المائية لأغراض الزراعة وتزايد أعداد السكان في تركيا إلى جانب ارتفاع الطلب على الماء من صناعة النفط في العراق. لقد بنت تركيا عشرين سدا كبيرا ومئات السدود المتوسطة والصغيرة للسيطرة على تدفق النهرين لأغراض توليد الكهرباء والري. كما أن تركيا ليست حريصة أيضا على اقتسام الماء مع الحركيين الأكراد المعادين لها في العراق وسوريا. ولدي تركيا الآن علاقات عدائية مع نظام سوريا. محصلة ذلك كله أن «الزراعة تموت في الأرض التي شهدت مولدها»وكما يقول علوش في إشارة منه إلى وادي الرافدين.
أما بالنسبة للمتطرفين، فقد نشرت صحيفة الفاينانشال تايمز اللندنية مؤخرا خارطة للشرق الأوسط تحت عنوان « مقاتلون بلا حدود» بها سهام ملونة تشير إلى تدفق المقاتلين السنيين والشيعيين والأكراد جيئة وذهابا حول المنطقة برمتها من لبنان وعبر سوريا والعراق وحتى الخليج ودون اكتراث بالحدود. بل إن الجماعة السنية التي قادت عملية الاستيلاء على الموصل تسمى بالدولة الإسلامية للعراق والشام. وهو إسم لايحفل بالحدود (السياسية بين الدول الحديثة في المنطقة.) ويتصور حماة البيئة هذه المنطقة دون وضع بال للحدود لأنها فقط من خلال إدارتها كنظام نهري وحوض مائي متكامل (من تركيا ومرورا بسوريا وكردستان وجنوبا حتى أهوار العراق) يمكن استدامة مواردها لصالح الجميع.
ويريد المتطرفون محو الحدود لأنه فقط من خلال ارتباطهم مع رفقائهم في لبنان وسوريا والعراق وكرستان وتركيا يمكن لكل طائفة او جماعة عرقية منهم أن تأمل في التخلص من حكمها بواسطة طائفة أو جماعة عرقية أخرى. إن نقطة البداية بالنسبة لحماة البيئة هي « المشتركات».
فهم يحاولون جعل كل أحد يفكر فيما يتشارك به مع الآخرين. أما المتطرفون فيبدأون « بالإقصاء» ويحاولون جعل كل أحد يفكر بأولئك الذين يخشاهم. وسيكون لدى منطقة شرق المتوسط مستقبل فقط إذا كانت الجامعة أو الرابطة الكلية التي تسعى نحوها هذه المنطقة هي الجامعة أو الرابطة « البيئوية» وليست الشيعية أو السنية أو التركية أو الكردية أو الأصولية.


