لماذا تتوجه تل أبيب شرقا؟

أميل أمين – كاتب مصري -

emileamen@gmail.com -

تم الاعتراف بإسرائيل في واشنطن بعد ساعة واحدة من إعلان ميلادها عام 1948، ومنذ تلك الساعة وتل أبيب حليف قوي بل ربما تابع أمين لواشنطن وكذلك لكافة الدوائر الغربية، غير أن المشهد الآني يحمل تطورات مثيرة إذ نرى الدولة العبرية تحاول الاتجاه شرقا وايجاد تحالفات سياسية جديدة لاسيما مع روسيا والصين وبقية دول آسيا، مما يجعلنا نطرح عدة تساؤلات ما الذي يجري ولماذا؟ وكيف ستكون ردود الفعل الأوروبية والأمريكية على مثل هذه التطورات المثيرة؟، وهل يعني ذلك أن تل أبيب تسعى في إطار التحلل من علاقاتها الأولى مع الغرب؟

في الأول من الشهر الجاري كانت صحيفة تايمز أوف إسرائيل على الشبكة العنكبوتية تطلق نسختها باللغة الصينية، والمثير أن افتتاحية التايمز الإسرائيلية، في عددها الأول بهذه اللغة كتبها ثعلب إسرائيل ورئيسها الذي غادر مقعده قبل بضعة أيام «شمعون بيريز» والتي حاول فيها ايجاد رابط قديم جدا، بين الشعبين الإسرائيلي والصيني، حتى لو كان ذلك مجاف، أو مناف لواقع الأحداث، وذكريات التاريخ.

يقول «بيريز» أن شعبي إسرائيل والصين يعودان إلى حضارتين قديمتين، وتأسس كلاهما على حد سواء على قيم مشتركة يرجع تاريخها لازمنة غابرة. ويضيف:إن الصين ليست فقط أرض عظيمة ولكن حضارة عظيمة، تلك التي بلورت ثقافة الإنسان،ان شعب الصين وشعب إسرائيل يحملان معهما التراث القديم لشعوبنا بفخر، كلانا معروف من خلال الطريقة التي يمكننا مد الجسربين ماضينا من رؤية جديد المستقبل.

قبل النسخة الصينية التي نحن بصدد الحديث عنها كان موشيه أرينس يكتب في صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية عن ابتعاد إسرائيل عن أوروبا واتجاهها إلى اليابان والصين والهند التي يتطور اقتصادها سريعا….. فما الذي جرى؟

تاريخيا كانت أوروبا هي أصل أكثر مواطني إسرائيل وكذلك جذور أكثر قادة الدولة العبرية، وقد كانت موقعا متقدما لأوروبا في الشرق الأوسط، والعالم العربي والإسلامي، وسواء أحبت أوروبا إسرائيل أم أبغضتها فإنها كانت بالنسبة لإسرائيل أقرب شيء ربطها بثقافة الغرب.

ما التغير الذي طرأ على العلاقات الأوروبية -الإسرائيلية؟

لقد رأينا نتانياهو يقوم بزيارة الصين واليابان ويخطط لزيارة الهند عما قريب، وبحسب «أرينس» فإن هذا التطور كان متوقعا فالاقتصاد في دول شرق آسيا ينمو منذ سنوات كثيرة بمعدل أكبر من معدل نمو الاقتصاد الأوروبي. والصين هي المعجزة الاقتصادية في القرن الواحد والعشرين، وتوجد أدلة على نمو اقتصادي سريع في الهند أيضا التي هي أكبر ديمقراطية في العالم. ولهذا من الطبيعي أن تبدأ العلاقات الاقتصادية التي لإسرائيل بهذه الدول في التغلب على علاقاتها الاقتصادية بدول أوروبا، أوروبا التي يبدو في السنوات الأخيرة أنها في أزمة اقتصادية لا تنتهي.

هل تستدعي الذاكرة الإسرائيلية ما تم أوروبيا تجاه اليهود، وتتنكر لكل ما قدمه الأوروبيون للدولة العبرية حتى اشتد عودها وصارت إلى ما هي عليه الآن؟

يبدو أن هذا هو كعب أخيل، الذي من خلاله تخرج إسرائيل من شرنقة علاقاتها مع أوروبا، وهي تفعل ذلك لأن الأوروبيين قد أخذوا في الاستيقاظ سياسيا وإعلاميا وفكريا ونحن نرى في الأعوام الأخيرة انتقادات مستقرة ومستمرة من جانب الاتحاد الأوروبي لسياسات إسرائيل والتنديد بها بل أنها تسعى في بعض الأحيان إلى فرض عقوبات اقتصادية عليها من جهة، وتقوم جهات علمية وأكاديمية من جانب آخر بمقاطعة لجامعات إسرائيل، ووقف التعاون العلمي معها.

في هذا الإطار رأينا «موشيه أرينس» يذكرأن نمو الاقتصاد الآسيوي ليس هو السبب الوحيد لتوجه إسرائيل إلى الشرق، بل لأن أوروبا هي مقبرة يهود أوروبا، فقد ذبح اليهود على حد قوله في ميادين القتل في الاتحاد السوفييتي، في لتوانيا ولاتفيا وآستونيا وروسيا البيضاء وأوكرانيا. أرينس يذكر أوروبا بأنها منعت اللاجئين اليهود طوال سنوات الحرب العالمية الثانية من التوجه إلى أرض الميعاد، إلى الملجأ والملاذ في إسرائيل، حتى قبل أن تولد رسميا ولهذا فهي لديه وعنده تقريبا كلها مشاركة مباشرة أو غير مباشرة في خطة القتل حتى أن البريطانيين الذين واجهوا ألمانيا النازية عملوا على التأكد من الا يسمح لأي يهودي أن يفر من أوروبا ليأتي إلى أرض إسرائيل.

يعزف الإسرائيليون على لحن التاريخ، وهناك من يعمل جاهدا اليوم للحديث عن علاقات بين الشعب الإسرائيلي والصيني تعود إلى حيث تشكلت الجالية اليهودية الأولى في قطاع «أيفنج» الصيني منذ ألف عام، وأعيد إنشاؤها مرة أخرى عندما وجد اليهود ملاذا آمنا في الصين، كما يقول شيمون بيريز خلال ما يسميه ب «تهديدهم بالتمييز والاضطهاد» وكأني به يلعب على وتر واحد مع موشيه آرينس.

ولعل دول الشرق الأقصى بالنسبة ليهود العالم كافة اليوم وليس يهود إسرائيل فقط، يؤمنون بأن الشرق الأقصى متحلل من عقد التاريخ القديم، ومن ذنوب معاداة السامية التي تطارد كل من تتوجس منه تل أبيب.إن علاقة تل أبيب بكل من الصين والهند وروسيا وغيرها من دول النمور الآسيوية، ليس فيها كل هذه الرواسب الماضية، فليس لبكين، أو طوكيو، أو نيودلهي تاريخ معاداة للشعب اليهودي، بل ان مثقفين إسرائيليين يرون أن حضارات تلك الدول تعبر عن إجلال للحضارة اليهودية القديمة، ولإنجازات إسرائيل العلمية والتقنية وهي في حماسة لتوسيع علاقاتها الثقافية والاقتصادية بها ومعها.

يعن لنا أن نتساءل ما الذي يعجب إسرائيل في النموذج الصيني تحديدا وفي أي المجالات تتعاون تل أبيب مع بكين؟

من الواضح أن هناك تعاونا ما بينهما على صعيد العلوم والتكنولوجيا لاسيما العسكرية منها، ولهذا فإن رئيس إسرائيل السابق يؤكد أن الشعبين الإسرائيلي والصيني عززا دائما الخشوع العميق لقيمة المعرفة والتعلم.

ترى إسرائيل أن الصين هي أكبر نموذج في التاريخ الحديث لكيفية هرب الملايين من الناس من الفقر بسبب كدحهم وتصميمهم، وأن الشرق الأوسط يمكن أن يتعلم الكثير من إنجازات الصين. لقد أظهرت الصين للعالم كيف يمكن للناس أن يرتقوا إلى مستويات أعلى من التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالحكمة والتفاني.

ولعل التجارب السياسية الأخيرة في آسيا، وهي حتما ستنعكس على الأوضاع الاقتصادية لبلدانها إيجابا بشكل كبير وواضح تؤكد على أن تل أبيب ستمضي في ركاب تلك الدول بشكل أو بآخر وبدرجة أو بأخرى، فالنجاح المدهش لشينرو آبي رئيس حكومة اليابان في إحياء الاقتصاد الياباني، والفوز الكاسح ل «نرندرا مودي» في الانتخابات في الهند، يبشران من وجهة نظر إسرائيلية بإمكانية نمو سريع للعلاقات بين إسرائيل وهاتين الدولتين. كما أن العلاقة المتطورة سريعا بين إسرائيل والصين وإمكانية تطوير علاقات بكوريا الجنوبية علامات واضحة على أن إسرائيل تتجه إلى الشرق، وتبتعد عن أوروبا وعن التراث الأوروبي الحزين.. هل هناك بعد آخر خفي لم يتحدث عنه أحد ويمثل أهمية خاصة لليهود حول العالم الآسيوي؟

بالقطع هناك العلاقات الروسية اليهودية وإن شئت الدقة قل علاقات إسرائيل، بكافة جمهوريات الاتحاد السوفييتي، لاسيما روسيا، فهناك حضور قديم بالفعل وهناك نفوذ يهودي واضح منذ زمن الاتحاد الذي جمع كل تلك الجمهوريات، وغني عن القول أن الأوليجاركيات الصهيونية قد لعبت ولا تزال دورا غاية في الأهمية والخطورة في رسم بعض من ملامح الحياة السياسية والاقتصادية في تلك الجمهوريات ولهذا فإننا نرى حرصا إسرائيليا واضحا على علاقتها مع موسكو، وقد تبدى هذا الحرص في حياديتها التامة تجاه ما حدث من خلاف بين الروس والاوكرانيين لاسيما بالنسبة لشبه جزيرة القرم، ففي الوقت الذي كان فيه الأمريكيون يتوقعون إدانة قوية شديدة اللهجة ضد عمال موسكو في كييف، رأينا صمتا مطبقا يخيم على المشهد الإسرائيلي، وبالطبع الهدف هو الحفاظ على المصالح الخاصة بالجاليات اليهودية في عموم روسيا، وفي كافة أرجاء جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة، حتى لو كان ذلك على حساب الحلف الذي لا تنفصم عراة مع واشنطن.

غير أن واشنطن بدورها أدركت وربما مبكرا النوايا الإسرائيلية، تجاه تقدمها شرقا، ولماذا التزمت الحياد تجاه أوكرانيا وأزمتها الأخيرة، ولهذا السبب رأينا «سوزان رايس» مستشارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما للأمن القومي تزعم في الثاني عشر من الشهر الجاري أن واشنطن ملتزمة بدعم إسرائيل، لكن يرافق هذا الالتزام قيود وشروط.. أمريكا ستحافظ دائما على التزامها الشديد بأمن إسرائيل وضمان احتفاظ إسرائيل بالتفوق العسكري النوعي، وحماية إقليمها وشعبها، جاء ذلك في الكلمة التى القتها رايس أمام الحضور في مؤتمر مركز الأمن الأمريكي الجديد السنوي في العاصمة واشنطن، وقد أضافت رايس: على قدم المساواة، ندافع باستمرار عن شرعية إسرائيل وأمنها في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى، وفي المقابل نتوقع من إسرائيل الوقوف مبدئيا مع الولايات المتحدة وغيرها من الشركاء على المسائل الأساسية للقانون الدولي، مثل أوكرانيا.

هل جاءت هذه الكلمات مقصودة لتذكر دولة إسرائيل بتقصيرها في إدانة الروس، هل هناك تحديات واهتزازات في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب مؤخرا؟ ثم ماذا على العرب أن يفعلوا في مواجهة الزحف الإسرائيلي نحو آسيا؟ إلى أعداد قادمة بإذن الله.