نوافـذ : رمضان يطرق الأبواب

محمد الحضرمي -

Fuyodh2@yahoo.com

شهر رمضان المبارك يطرق علينا أبواب الحياة، فماذا أعددنا له؟ سؤال لا نوجهه إلى المؤسسات الإعلامية أو الثقافية، ولا إلى الجمعيات المعنية بالحراك المدني، بل لأنفسنا، نحن نسأل أنفسنا أولا، لأنه يمكن أن نصنع عالمنا الخاص، مع ما يتوافق مع روحانية الشهر الفضيل، يمكن أن نبقى محافظين على سلوكنا الإنساني، فكم سنكون جميلين لو التفتنا إلى أنفسنا، ولو بادرنا قبل أن ننتظر من الآخر، نحن من يُعد ويُخطط، ونحن من يريد هذا ويرفض هذا، لسنا مرغمين بمتابعة الغث الذي تبثه قنوات التلفزة، ولسنا ملزمين بمتابعة سماع حوارات المذيعين مع المتصلين، والدخول في مفاصلة الإجابة على أسئلة اعتيادية وسطحية ودعائية، من أجل جائزة متواضعة، إن الجائزة الكبرى هي ما ننتجه نحن، وما نتمكن من تحقيقه خلال هذا الشهر الفضيل.

لنبدأ أولا بترميم أنفسنا، وتنقيتها من الشوائب، نفوسنا المتخمة بعذابات الحياة، والمنهكة بجلد الذات، والمتعبة بنا، نحن من يسلمها للعذاب والشقاء، ونحن من يدفع بها إلى ضفاف الطمأنينة، وهنا سأستعرض بعضا مما يعاني منه شبابنا، في حياته الشقية، حياته المضطربة، والحالمة بلا شيء، فتزداد اضطرابا وقلقا، ولا تشعر بالسكينة، أشبه بالنفس المجروحة، التي تعالج الحياة في نزعها الأخير، دون أن تعلم أن بينها وبين الانطفاء دقائق معدودة. سأبدأ بالشعور بالفراغ، وهو مرض وقتي لمن لا يحب القراءة، ومن لا يجد له عملا بيده، يتقاضى له أجرا حسنا، ولمن لا يحسن التخطيط لنهاره وليله، حيث يصبح على نوم طويل، ويمسي على سهر أطول، ومن سهرة إلى أخرى وكأنه معتوه، الفراغ مرض وقتي، تشعر النفس معه بالملل، ولذلك من الأجدى أن نخطط لنهارنا الرمضاني، بضع ساعات منه نكون فيه بين يدي كتاب الله، أو قراءة فصل من كتاب، أو نخطط لمشروع صغير، مع أنفسنا أو أسرنا، أيا ما يكون هذا المشروع، فستصبح له متعة وفائدة، إن اغتنمنا الوقت.

مشاريع القراءة واحدة من أجمل المشاريع التي يمكن للإنسان أن يمارسها خلال هذا الشهر، بدلا من التنقل بين القنوات التي تعرض هذا المسلسل وذاك، أو تضييع الوقت فيما لا طائل من ورائه، نحن (أمة أقرأ لا تقرأ)، جملة نسمعها كثيرا، وهي جملة بغيضة، أنها تحمل في داخلها النكوص والجهل، أمتنا هجرت القراءة، ولا تقوى على حمل الكتاب لبضع دقائق، ناهيك عن ملازمته طوال الشهر أو يزيد، لتأتي القراءة المشروع الأجمل لملء الفراغ، وسيكون لها نفع وتأثير.

ورياضة المشي، التي تحلو في ليالي رمضان، ساعة واحدة تكفي لحرق سعرات من السموم المتخثرة في الدم، ساعة واحدة تكفي لشغل الفراغ الليلي بالرياضة، وبالحركة والنشاط، تنتفض لها حبات العراق من أجزاء الجسم، مباركة لانتفاضة الجسد الخامل وثورته على الكسل والشعور بالخمول، يتبعه شعور بالإعياء والإنهاك. نحن في هذا الشهر بحاجة الى أن نحاسب أنفسنا عن إفراطنا في التقصير، وأن ننهض بذواتنا المتضخمة بالأحلام الجوفاء، والأوهام المريضة، ذواتنا التي ترى ذاتها في مرآة الواقع، ولو رأتها لكرهتها، لأنها أنانية بغيضة، ذات فارغة من المغذيات الروحية، نحن بحاجة إلى أن ننصت إلى ذلك الصوت المنبعث من الضمائر، الصوت الذي يجهش أنينه في داخلنا ولا ننصت إليه، مثلما بحاجة إلى أن نلبي نداء السماء، والذي أمرنا بالصيام والقيام، في نهار الشهر الكريم وليله النوراني، نهاره الأبيض كأرواح الملائكة، وليله المنير بأنواره القدسية، كل رمضان وأنتم بألف خير.