مجلس التعاون وضرورة البقاء

محمد الأنور -

كان التهديد الخارجي وسيظل هو الحافز الأول لأي اتحاد وتوحد لمواجهة المخاطر الخارجية والتحديات الداخلية، هذه هي الحقيقة التي أدركتها وتدركها القوى الكبرى على مدار التاريخ الإنساني، وهو جوهر الأمر في الحضارة الإنسانية، أفرادا، وجماعات، ومجتمعات، ثم دولا وتكتلات عابرة للدولة بمفهومها التقليدي، وهو الأمر الذي انطبق بدرجة كبيرة على دول مجلس التعاون الخليجي، التي وجدت نفسها في نهاية القرن الماضي في مواجهة الكثير من التحديات التي تفرض عليها برنامجا زمنيا للتعاون والتكامل لمواجهة المستقبل واحتمالاته، ومن عجائب الأقدار أن تكون الكويت التي كانت قد استقلت قبل أعوام قليلة هي من بادر بفكرة مجلس التعاون الخليجي، ففي 16 مايو 1976 زار أمير دولة الكويت آنذاك الشيخ جابر الأحمد الصباح دولة الإمارات العربية المتحدة لعقد مباحثات مع رئيس دولة الإمارات في ذلك الوقت الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حول إنشاء مجلس التعاون الخليجي، واقترح فكرة إنشاء هذا المجلس، وخطط، ونفذ هذا المشروع لإحساسه بوجوب سد الفراغ الأمني الذي خلفته بريطانيا بعد خروجها من الخليج، الذي كان الكثير من دوله العربية لا تمتلك من المقومات الدفاعية منفردة مما يمكنها من مواجهة أي طامع فيها، ليتم اقتراح إنشاء المجلس في قمة للجامعة العربية في الأردن في عمّان في نوفمبر 1980.


وفي 21 رجب 1401 هـ الموافق 25 مايو 1981 أي قبل 33 عاما، توصل قادة كل من السلطنة والإمارات العربية المتحدة ودولة البحرين والمملكة العربية السعودية ودولة قطر ودولة الكويت في اجتماع عقد في أبوظبي إلى صيغة تعاونية تضم الدول الست تهدف إلى تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين دولهم في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها، وفق ما نص عليه النظام الأساسي للمجلس في مادته الرابعة، التي أكدت أيضاً على تعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون بين مواطني دول المجلس، وجاءت المنطلقات واضحة في مقدمة النظام الأساسي التي شددت على ما يربط بين الدول الست من علاقات خاصة، وسمات مشتركة، وأنظمة متشابهة أساسها العقيدة الإسلامية، وإيمان بالمصير المشترك ووحدة الهدف، وأن التعاون فيما بينها إنما يخدم الأهداف السامية للأمة العربية.

وحدد النظام الأساسي لمجلس التعاون أهداف المجلس في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها، وتوثيق الروابط بين شعوبها، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين، وهو الأمر الذي اختلفت معدلات تنفيذه وارتبطت أساسا بالمتغيرات الإقليمية والدولية التي فرضت نفسها، وجعلت من التنسيق الفاعل أمرا لابد منه وشرطا للبقاء، وسط الأطماع، والأمواج القادمة من خارج دول المجلس ومجتمعاتها التي تتميز بطبيعية محافظة، مع عدد سكاني قليل بالنسبة للمساحة وللموارد النفطية والغازية الهائلة لهذه الدول، حيث تبلغ مساحة دول مجلس التعاون العربي 2,058 مليون كلم مربع، مشكلة ما يناهز 15% من مساحة الوطن العربي. ولدول مجلس التعاون شريط ساحلي يزيد على ثلاثة آلاف كيلومتر، ولا يتجاوز عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي وفي آخر الاحصائيات أكثر من 50 مليون نسمة وذلك في ظل نسب النمو السكاني الحالية المتباطئة، ويأتي عدد سكان السعودية في الصدارة بنسبة 69.498%.

وهي أرقام كما سبق ان ذكرنا لا تقارن بالامتداد الجغرافي الكبير لتلك الدول مجتمعة، خاصة وأن النزوع نحو التحضر يغلب على سكان دول المجلس إذ يبلغ الحضر إجمالا نسبة 90% تقريبا من مجموع السكان، مع تفاوت تلك النسبة بين الدول، في ظل ارتفاع نسبة الشباب في دول المجلس، فنسبة من هم دون الخامسة عشرة من العمر في الدول الست تبلغ 31% من إجمالي السكان، حسب آخر التقديرات، وتأتي المملكة العربية السعودية في المقدمة بنسبة 39.1% وتليها السلطنة بنسبة 37.2% تقريبا، ثم مملكة البحرين بنسبة 29.1% ثم قطر بنسبة 26.6% فالكويت بنسبة 26.1% ثم الإمارات بنسبة 25.8% ويتوقع انخفاض هذه النسب لكل دولة من دول مجلس التعاون في عام 2015،أما نسبة من هم في 65 سنة من العمر فما فوق فتتراوح ما بين 1.4% بالنسبة لدولة الكويت و2.5% بالنسبة لكل من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، ويتوقع ازدياد هذه النسبة لكل دولة من دول المجلس بحلول عام 2015، وبمعدل معرفة القراءة والكتابة يبلغ 52.20%، مع ناتج محلي إجمالي من المتوقع أن يرتفع بنهاية العام الحالي إلى 1,411 تريليون دولار، مقابــل 1,35 تريليون دولار بنهاية العام الماضي بنمو 4,4%، بحسب المؤشرات الاقتصادية الصادرة عن اتحاد المصارف العربية وصندوق النقد الدولي، معتمدا بالدرجة الأولى على إنتاج النفط الذي يقدر احتياطيه بـ 484.3 مليار برميل، أما الغاز الطبيعي فيصل إلى 41.4 ألف مليار متر مكعب، وهما يشكلان نسبة 40.3% من الاحتياطي العالمي للنفط، و23% من احتياطي الغاز، هذه الثروات كان لابد لها من درع يحميها وردع للأعداء وفقا للإمكانيات الخليجية الضخمة فكان تشكيل قوات درع الجزيرة المشتركة حيث قرر المجلس الأعلى للدول الخليجية في دورته الثالثة (المنامة، نوفمبر 1982م) الموافقة على إنشاء قوة درع الجزيرة. وقد بدأت الدراسات الخاصة بتطوير قوة درع الجزيرة في عام 1990م، وعلى ضوء ذلك، تم تطوير القوة إلى فرقة مشاة آلية بكامل إسنادها. واستشرافاً من قادة دول مجلس التعاون لمتطلبات المستقبل والمتغيرات الدولية بالنسبة للوضع في المنطقة، فقد وافق القادة في مؤتمر (أبوظبي، ديسمبر 2005) على مقترح خادم الحرمين الشريفين لتطوير قوة درع الجزيرة إلى قوات درع الجزيرة المشتركة أما على مستوى الاتفاقيات المستقبلية فيما يخص صفقات الأسلحة، فقد ذكرت صحيفة فينانشيال تايمز، أن فاتورة المشتريات العسكرية لأقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية بلغت حوالي ثلاثمائة مليار دولار خلال السنوات الخمس القادمة فقط، منها مائة مليار دولار لتقنيات دفاعية متممة، لدولتين خليجيتين،كما يتوقع أن يصل الإنفاق على الدفاع البحري وحده في هذه الأقطار حوالي 17.5 مليار دولار بحلول العام 2020، وذلك وفقا لمؤسسة «جينز» الاستشارية.

لقد مر مجلس التعاون الخليجي ككيان سياسي ودول بالكثير من المنعطفات والأزمات التي جعلت من استمراره وبقائه خيارا شبه وحيد لضمان الحياة السياسية، فالمجلس ودوله لا نبالغ إذا قلنا انه كان ومازال مطمعا للكثير من القوى الإقليمية والعالمية، باعتباره من أغنى المناطق بمصادر الطاقة رغم ما يطرح عن البدائل للنفط (الطاقة البديلة) او النفط الصخري، وهو الأمر الذي أدركته وتدركه تلك الدول، لقد كانت حرب الخليج الأولى والثانية هي اختبار ومحك للكثير من الأمور بالنسبة للمجلس جعلها في مواجهة الكثير من الحقائق الجيوسياسية، وكلا الحربين فتحتا الباب أمام الكثير من الأخطار المحققة التي يعيشها الخليج الآن وخلقتا وستخلقا واقعا جديدا معروفة أهدافه ودوافعه جميعها.

وفي ظل الكثير من التحديات فان المنظومة الأمنية الخليجية ورغم ضخامة الأموال والتجهيزات بحاجة إلى ظهير عربي قوي ومؤتمن على أمن الخليج الاجتماعي والعسكري وليست لديه أي أطماع أو أهداف ينتظر أن يكون على رأس الأولويات الخليجية في المرحلة القادمة وربما تكون التمرينات العسكرية الإماراتية المصرية ثم المصرية البحرينية وقبلها السعودية المصرية هي البداية لذلك خاصة وان مصر بعد 30 يونيو أبطلت الكثير من التحالفات التي كانت ستتم على حساب الدول الخليجية مع قوى اقليمية ودولية، ويضاف إلى مصر، اليمن التي تخوض حربا يدرك الجميع أبعادها، فلابد من تفعيل دورها في المجلس لقطع الطرق على أي اختراق على الأرض يهدد الجميع في الواقع.

هذه التحديات وغيرها الكثير والمتجدد من مشاكل المخدرات والصحة والعمالة الأجنبية وغيرها، تجعل من استمرار المجلس بل وتطويره وتفعيل دوره بشكل اكبر، أمرا أساسيا وشرطا لا غنى عنه للاستمرار والبقاء والفاعلية في هذه المنطقة الحيوية من العالم، على أن يكون ذلك مقرونا بالاستعانة بأطراف عربية ليست لديها أجندات أو مطامع في الخليج.