صدر حديثا ديوان شعري عنوانه ( ما بعد الياء 2015 ). كتب الراحل انسي الحاج قبل رحيله يقول :
من فرط صدقه ، تبدو فضيحة أن يكتب . أمام كهربائه المجنونة ، تشعرها خيانة أن يكون خارج الكينونة العارية ، العفوية ، لا في كتابة ولا في تنظيم . هذا الاحتقار العارم ، حيوية الغضب ، هذه الصفعات التاريخية ، وتلك البواطن الرقيقة المجروحة بطفولتها ، بواطن العزلة والتيه لظواهر العصيان والزندقة .. ما أضيق أي تعبير حيالها ، ما أصغر الكلام أمام وجودها القاطع الناصع !!
شراسة عبد القادر الجنابي هي نصل عطش الصدق ، وشعره ليل البدر مغسولا بالعواصف ، مخصبا قارئه بقهر اليأس ولعب الخيال وحدس الوحدة ، ملهما بدهشة طفل دائم الاكتشاف والتمرد والحرية ؛ وكلما طالعته وجدت الكلمات تعود من غربة وظائفها اليومية إلى أرض إمكاناتها الشعرية ، تقوم من الموت وتدعونا معها إلى القيامة .
هو الحياة لا تقليد الحياة ، والجذور معه تنبش ،مقلوبة ، تربتها بالرفض والكفر ، وتعيد إخصابها ، بعد جفاف عصور ، بمطر التمرد الكريم .
وهو فتنة كطفل يأبى أن يوصم بغير أحلامه .
الزمن معه لا يمر : إنه يحفر في داخل كهف الحلم ، منبجسا من تحت ماء نبع لا ينضب . هو نبع اللاوعي الأبعد غورا من فجر الحياة .
وكلما قرأت له ألقى أحجارا في برك لاوعيك . وهذا المحرض للباطن والذي يقول انه بلا ذاكرة ، يملك أجمل الذاكرات : تلك التي اقبلت بلا برمجة ، ورغم اكتنازها بالأطياف الحبيبة وتلك الرجيمة ، بدت وكأن المستقبل صار وحده ماضيها .
حتى لو كرهت الكتابة ، وبات العيش عندك هو توأم الفكر ، تظل كتابته تثيرك ، لأنها تقفز أبعد من ( الكتابة ) ، ولانه مهما أمعن في تقصي الألفاظ واللعب بكيميائها ، يظل خارج «الجثمان الأدبي» ، وفي مهب ذاته الملتهبة بألف حريق : من نار الغربة الأهلية والوجودية إلى جحيم الحياة والموت .
معه ، نحن تحت غيم العاصفة الأصفر .


