ظلال الانقسام الفلسطيني تهدد مساعي السلطة الوطنية

أشرف أبو الهول –

برغم كل هذه الضجة الكبرى التي تثيرها إسرائيل وتحاول من خلالها أن تبدو مذعورة من التحرك العربي – الفلسطيني داخل مجلس الأمن إلا أنها على قناعة تامة بأنه لن يتم تمرير ما يفاجئها ولا ترضى عنه من قرارات.


يبدو أن مساعي السلطة الوطنية الفلسطينية برئاسة محمود عباس (أبومازن) لإقناع المجتمع الدولي بالاعتراف بدولة فلسطين بعد 66 عاما من النكبة ستكون آخر ضحايا الانقسام الداخلي الفلسطيني. وقد يكون الانقسام هو الحجة الأقوى التي ستستخدمها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لإقناع الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي بعدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية عندما يتم طرح مشروع القرار بهذا الخصوص للتصويت، ففي خلال الأيام القليلة الماضية اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية حماس أن مشروع القرار الذي قدمته السلطة الفلسطينية إلى مجلس الأمن الدولي والخاص بتحديد سقف زمني لإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 لا يمثل الشعب الفلسطيني ولا يحظى بأي غطاء وطني.وقال الناطق باسم الحركة سامي أبو زهري: إن مشروع القرار حول الدولة الذي قدمته السلطة إلى مجلس الأمن لا يمثل الشعب الفلسطيني ولا يحظى بأي غطاء وطني وهناك رفض فصائلي واسع له ودعا أبو زهري القيادة الفلسطينية إلى التراجع عن طرح هذا المشروع حيث قدم الأردن العضو العربي في مجلس الأمن الدولي الأسبوع الماضي مشروع القرار الفلسطيني إلى المجلس الذي يطالب بتحديد سقف زمني لإقامة الدولة الفلسطينية مع نهاية عام 2017.

وقبلها بأيام قليلة أعلنت مجموعة من الفصائل الفلسطينية، من بينها الجبهتان الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين وحزب الشعب الفلسطيني والمبادرة الوطنية الفلسطينية رفضها للصيغة التي قدم بها مشروع القرار وطالبت أبومازن بسحب مشروع القرار، وجاء رفض حماس رغم أنها سبق أن قالت إنها تؤيد توجّه السلطة الفلسطينية لمجلس الأمن الدولي، لطلب «إنهاء الاحتلال الإسرائيلي»، على أن يتم ذلك في إطار «التشاور والتوافق الوطني» ولكنها عادت وقالت: إن السلطة تتحرك منفردة. وفي بيان لحماس قال المتحدث الرسمي باسمها سامي أبو زهري: إن حركة حماس «مع أي خطوة سياسية» تحقق المصلحة الفلسطينية ولكن بشرطين، أولهما أن يتم ذلك في إطار التشاور والتوافق الوطني، والثاني إقامة الدولة على حدود عام 67، لكن دون الاعتراف بإسرائيل، أو التنازل عن أي شبر من فلسطين.وربطت حماس في بيان للحركة صدر مؤخراً، بين التوجه لمجلس الأمن واستمرار التنسيق الأمني مع السلطات الإسرائيلية، حيث تدين الحركة قرار الرئيس محمود عباس باستئناف التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي كما حملت أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير المسؤولية عن تمرير هذا القرار من خلال سكوتهم على التنسيق الأمني والذي وصفته بأنه جريمة أخلاقية تمارسها السلطة ضد مصالح الشعب الفلسطيني، بحسب تعبير البيان.

ومن ناحيتها قالت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، إن القرار الفلسطيني المقدم لمجلس الأمن، بغطاء عربي هو في حقيقته عرض فلسطيني عربي مجاني لتصفية قضية فلسطين، ذلك الهدف الذي صمم من أجله مشروع التسوية واتفاق أوسلو. واعتبرت الحركة في بيان صحفي أن هذا القرار يؤكد على أن خيار «التسوية والتفاوض» هو خيار الاستسلام والتفريط بحقوق ومقدسات وثوابت الشعب الفلسطيني والأمة العربية، مضيفة إن «قيادة منظمة التحرير والسلطة تبرهن على إصرارها في استمرار مسلسل التنازلات والرهان على المحتل الإسرائيلي والقوى الاستعمارية التي أوجدته، وهى تسوق لنا الذهاب إلى مجلس الأمن لنيل الاعتراف بدولة فلسطينية على فتات من الأرض كأنه نصر كبير وفتح مبين!». وأضافت حركة الجهاد، أن مشروع القرار يستند في جوهره وصياغته إلى ما لا يغضب أمريكا ويرضى «إسرائيل»، وأن ذلك يتجلى في التنازل سلفاً عن كل القرارات الصادرة حول فلسطين عن مؤسسة الأمم المتحدة التي تذهب السلطة للاحتكام إليها(!)، وأياً يكن موقفنا أو تحفظنا على هذه القرارات، فإن الهبوط بسقف المطالبة بالحق الفلسطيني إلى ما دونها لدليل صارخ على مستوى الهوان والتفريط، مشيرة إلى أن السلطة لا تطالب بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967، بل تتحدث عن مفاوضات تستند إلى هذه الحدود، الأمر الذي يفتح الباب لتبادل الأراضي، لتبقى «دولة المستوطنين» أو «إسرائيل الثانية» في الضفة، وتبادل السكان للتخلص من شعبنا المنزرع في أرضه المحتلة عام 1948. وتابعت الحركة: يتحدث القرار عن القدس «كعاصمة لشعبين» بما يعنى الرضوخ لسياسة وأطماع «إسرائيل» في اتخاذ «القدس عاصمة أبدية وموحدة» لها أي لن يكون هناك «قدس شرقية» عاصمة لنا، وسيتم إطلاق اسم «القدس» على بعض الأحياء الفلسطينية المجاورة لتكون عاصمة الدولة المزعومة.

ولم يتوقف الأمر عند رفض القصائل لفلسطينية رسميا لمشروع القانون المقدم لمجلس الأمن بل أمتد لعملية شحن جماهيري ضده حيث تسابق المحللون السياسيون المحسوبون علي حماس وغيرها من الفصائل في شرح مساوئ المشروع والترويج بأنه يمثل تجاهلاً للحقوق الفلسطينية التي تنص عليها القرارات الدولية.وفي حديث لـ«المركز الفلسطيني للإعلام» التابع لحماس، قال جانب من هؤلاء المحللين: إن مشروع القرار نسف فكرة حق العودة وتجاهل الحقوق الفلسطينية التي أقرتها الشرعية الدولية، وقلص المطالب الفلسطينية دون استشارات أو مراجعات فصائلية بأنه الخطر الأكبر والضرر الكبير الذي سيلحق بالقضية الفلسطينية.ووصف المحلل السياسي هاني المصري لـ«المركز الفلسطيني للإعلام «ما جرى بأنه خطير مشيراً إلى أن السلطة لم تستشر أحدا في هذا المشروع، وهو مرفوض من الفصائل.ويضيف بالقول كان هناك «تجاهل لمعظم الفصائل التي انتقدت المشروع حتى أنه من داخل فتح تم انتقاده، ما جعل قيادة السلطة تعيد محاولة التعديل على المشروع الذي هو تخفيض واضح لسقف الحقوق التي أقرتها الشرعية الدولية بالأساس رغم عدم إنصافها الشعب الفلسطيني». ويشير المصري إلى مسألة غاية في الأهمية كما يصفها تتمثل في أن مشروع هذا القرار إذا ما تم اعتماده من قبل مجلس الأمن بالصياغة الحالية التي قدم بها سيكون بمثابة «إلغاء لسقف الحقوق الفلسطينية والقضية التي اعتمدت سابقا وتمثل في القرارات الدولية».

ويشير المصري إلى أن «الولايات المتحدة الأمريكية التي قالت إنها لن تتجاوب مع هذا القرار، لم توضح موقفها بشأنه عقب التعديلات، ما يعني أنها تنتظر مزيداً من التنازلات، وهذا ضرر كبير على الحقوق الثابتة، والمطلوب سحبه فوراً»، معتقداً بأنه لن يمرر في مجلس الأمن إلا إذا حمل تنازلا جديداً عن الحقوق لأنه أقل بكثير من الحد الأدنى لاستحقاقات القضية.

وانضم المحلل السياسي أحمد رفيق عوض لنفس المعسكر الرافض لمشروع القرار حيث قال في تصريحات ل «المركز الفلسطيني للإعلام» أن «الإملاءات المتوقعة من الأمريكان قد يكون لها دور في تغير مفاجئ لبعض القضايا والتي بنت عليها الفصائل موقفها بعد تقديم المشروع، وهذا قد يجعلنا نفهم أن هذه التعديلات على القرار أضرت بالقضية من جديد نتيجة ما يمارس من ضغوط كبيرة».

وأضاف قائلا: إن «ما يجري يقود إلى أن الأمريكان إذا مرروا القرار رغم حالته الحالية، سيكون لديهم مقابل بأن يستمر التنسيق الأمني، وأن لا يتم الذهاب إلى محكمة الجنايات والمحاكم الدولية، وأن تكون هناك شروط أخرى تحفظ أمن الاحتلال ولها ثمن كبير».

ويشير إلى أن «هذه التجربة حدثت مسبقا من خلال ملف عضوية الدولة في الأمم المتحدة وحالة الرفض الأمريكي آنذاك ثم تلاشيه، والآن الأمريكان يريدون أن يبقوا على حالة الرفض حتى يتم النزول بسقف الحقوق لإرضاء «إسرائيل».

ومن المؤكد أن إسرائيل التقطت الخيط من أفواه الفلسطينيين لكي تقنع الدول الأعضاء بمجلس الأمن بأن أبومازن في مساعيه في المجلس للحصول علي الاعتراف بدولة فلسطينية علي حدود الرابع من يونيو 1967 لا يمثل إلا نفسه وأنه حتي في حالة الاعتراف بمثل هذه الدولة فأن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين لن ينتهي.