مشروعات تفتيت الدول العربية من داخلها

عاطف‏ ‏الغمري –

ظلت فكرة تفتيت العالم العربي، وتقسيمه إلى دويلات صغيرة، كامنة في صميم التفكير الإسرائيلي، منذ بداية الحركة الصهيونية، وتكرر إحياؤها عبر تاريخ الدولة اليهودية، مقترنة بشرط أساسي لتنفيذها، وهو شراء عملاء محليين، ينفذون الخطة داخل بلادهم سواء بالعمالة المباشرة، أو بتوافق الأهداف عن بعد. ثم دخلت السياسة الأمريكية شريكا داعماً لخطة التفتيت، كجزء من الإستراتيجية العالمية للولايات المتحدة، من أجل إخضاع المنطقة والهيمنة عليها.


وتأكد ذلك في مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أعلنه الرئيس جورج بوش عام 2005، والذي وضع بنوده المحافظون الجدد، الذين كانت لهم السيطرة على إدارة السياستين الخارجية والدفاعية في عهد بوش، متطابقا مع مشروع التفتيت الإسرائيلي. وكان بيل كيللر رئيس تحرير النيويورك تايمز قد كتب دراسة مطولة، ذكر فيها أن إسرائيل وأهدافها، موجودة دائما في مركز تفكير المحافظين الجدد.ومن وقت لآخر، كانت فكرة تفكيك الدول العربية، إلى وحدات صغيرة، تطفو على سطح الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، وهو ما سبق أن شرحه زئيف تشيف المراسل العسكري الإسرائيلي لصحيفة هآارتس، الإسرائيلية فى مقال له يوم السادس من فبراير عام 1982، قبل غزو العراق بحوالي عشرين سنة، قال فيه: إن أفضل ما يمكن عمله لمصلحة إسرائيل في العراق، هو تفكيك الدولة، إلى دويلات منفصلة، دولة للشيعة، وأخرى للسنة، وانفصال الأكراد، لم يكن ذكره للعراق، سوى أنه مجرد نموذج لما يمكن عمله، في بقية الدول العربية. فقبل غزو العراق بحوالي أسبوعين في مارس 2003، قال بوش في خطاب أمام معهد أميركان انتربرايز، أن العراق بعد الحرب، ستعاد صياغته بشكل مختلف، وسيكون نموذجاً يحتذى في العالم العربي بأكمله.

وضمن وثيقة رسمية إسرائيلية حملت عنوان «استراتيجية إسرائيل للثمانينيات»، جاء فيها بالنص: إن الأمة العربية، عبارة عن قوقعة هشة، تنتظر تفتيتها إلى شظايا متعددة. وأن على إسرائيل المضي في سياستها التي اتبعتها منذ بداية الحركة الصهيونية، والساعية إلى شراء عملاء محليين، داخل الدول العربية، من أحزاب وجماعات للعمل لما فيه مصلحة إسرائيل.

وأضافت: إن استراتيجية إسرائيل، لتصبح القوة الامبريالية الإقليمية، تعتمد على تفكيك الدول العربية، والعمل على تقسيم المنطقة كلها إلى دول صغيرة، بعد تفكيك الدول الموجودة.

ولم يغب هذا التفكير عن نظر مؤسسات سياسية وإعلامية أمريكية. فمثلاً نشرت مجلة ذا أتلانتيك، دراسة متصلة عن هذه الخطة. كما نشر مركز التقدم الأمريكي CAP، وهو مركز دراسات سياسية، معروف بأنه مقرب من تفكير الرئيس أوباما، دراسة بعنوان «الشرق الأوسط في زمن المنافسة والتفتيت الإقليمي». تقول: إن التفتيت الجاري حالياً في العراق وسوريا، هو الفصل الأخير في سلسلة أحداث تهز الآن الشرق الأوسط. وأن الولايات المتحدة لعشرات السنين، تسير على طريق صياغة إستراتيجية للمنطقة تخدم فكرها ومصالحها.

وكانت كتابات أقطاب حركة المحافظين الجدد، المنشورة من قبل وصولهم للحكم مع بوش عام 2001، تشير إلى أن بقاء مصر قوية متماسكة، هي العقبة الأكبر أمام هدف إسرائيل، بأن تصبح القوة الكبرى في المنطقة.

ولهذا ظلت مصر مستهدفة من داخلها ومن خارجها. فمن الداخل كانت الولايات المتحدة قد أقامت علاقة تنسيق وثيقة مع تنظيم الإخوان منذ عام 1953، تولت إدارتها المخابرات المركزية. وساعد على هذه العلاقة ما جمع بينهما، من كراهية مشتركة لمفهوم الدولة الوطنية، والعداء لفكرة القومية العربية، فإن رفض الإخوان للفكرتين يعد عقيدة أساسية في هيكل تفكير الجماعة. كما يمثل ذلك بالنسبة للولايات المتحدة، عقبة أمام تثبيت مصالحها في المنطقة.

ومن الخارج، كان قد بدأ في منتصف التسعينات، الترويج – في مناقشات مراكز البحوث السياسية – لمفهوم نهاية عصر الدولة الوطنية، التي تجمع في إطارها مختلف التوجهات والأعراق.

ومن المعروف أنه ضمن برامج عمل كثير من مراكز البحوث المؤثرة، إطلاق نظريات سياسية، والعمل على انتشارها، ودفعها إلى حلقات المناقشات داخل أمريكا وخارجها، أملاً في أن تلقى تجاوباً وقبولاً. وعندما تحين اللحظة المناسبة، يتم دفع النظرية، من المجال النظري، إلى المجال العملي.

وهناك الكثير من النماذج لذلك. منها على سبيل المثال، ما جرى في أعقاب زوال الاتحاد السوفييتي عام 1991، وانتهاء الحرب الباردة، من إطلاق نظرية التدخل الإنساني في الدول الأخرى لأسباب إنسانية. ثم العمل على الدفع بها إلى دائرة المناقشة أثناء دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر عام 1995، وظهور أصوات مؤيدة لها، في مواجهة معارضة أشد. وعندما أعلنت إدارة بوش إستراتيجيتها الجديدة للسياسة الخارجية عام 2002، فإنها اعتبرت الشأن الداخلي في منطقتنا، ليس شأنا داخليا، طالما أنه – من وجهة نظرها – يمس أمنها القومي!.

وإذا كانت مساعي تفتيت الدول العربية، وخلق بذور الانقسامات داخلها، لا تتم بصورة عشوائية، وإنما وفقا لإستراتيجية طويلة المدى، ولها أدواتها للتنفيذ، فإن التصدي لمثل هذه المساعي وردعها، لا يتم إلا إذا امتلك الطرف الآخر، وهو – نحن العرب – إستراتيجية تمتلك أدوات العمل، للمحافظة على الهوية الوطنية لبلادنا، وحمايتها من عبث العابثين.