آمنة الربيع –
«أكتب لأني أحب الكتابة، وأحب الكتابة لأن الحياة تستوقفني، تُدهشني، تُشغلني، تستوعبني، تُربكني، وتُخيفني، وأنا مولعة بها» رضوى عاشور
•بطاقة هوية للانتظار
في الفصل الثالث عشر من رواية الطنطورية التي صدرت عن دار الشروق عام 2010م كتبت رضوى عاشور مقالا عن الانتظار. تقول الساردة بالرواية: «ليس عبثا أن نحصل على بطاقة هوية للانتظار. ثم إن بطاقة الهوية دائما فيها اختصار، تلخيص لحكاية طويلة عريضة مركَّبة وممتدة وغير قابلة للتلخيص، اختزال لا يفي، ولكنه يشير».
نعم يا رضوى يا معلمتي، ليس عبثا أن نحصل على بطاقة هوية للانتظار فقد علمتنا صروف الدهر ومقادير الكون وسننه أن لا شيئا يحدث اعتباطيا. ففي اللحظة التي أتجه فيها جدّيا لتقديم خطة لاستضافتك عندنا في مسقط تموتين. فهل تأخرنا في الانتباه؟ أم أثقلنا الانشغال بالشوائب والتفاهات؟ للبطاقة ثقلها في الميزان.
لم يخطر على بالي أنني سأكتب عن موتك قبل رؤيتك. واليوم يمنحك سجل الحقوق المدنية والأحوال الشخصية رقما هو الأخير ببطاقتك. بطاقة تلخّص وتختصر حكايتك الطويلة والعريضة بين شاهدين: 1946- 30 نوفمبر 2014م
تقولين: «الانتظار. كلنا يعرف الانتظار. أن تنتظر ساعة، يوما أو يومين، شهرا أو سنة أو ربما سنوات» نعم يا معلمتي كلنا يعرف الانتظار في حلاوته أو مرارته. فمنذ أزمنة نجهل بدءها ونحن ننتظر ذلك الشيء الذي يأتي متأخرا في العادة، حلوا كان أو مُرًّا. تراجيديا وعبثيا ظل صموئيل بيكيت على اعتقاده أن الانتظار سديم. أن تنتظر شيئا لا يأتي معناه أن انتظارك سيطول لزمن غير معدود. وظل بيكيت أمينا على شعوره ذاك ومحافظا ينتظر ما لا يأتي حتى فارق الكتابة والمسرح والحياة.
نحن أيضا نظل ننتظر شيئا ما، حتى لا يقضي أحدنا على ما تبقى في داخله من حياة وفي روحه بقايا أمل جميل وموسيقى. ومن المفارقات الحزينة أن انتظارنا لكتابتك أو ملاحظاتك أو رؤاك سيطول هذه المرة. فلا الساعات ولا الأيام ولا الشهور ولا السنين ستقف بالانتظار-انتظارنا لك- عند رقم محدد.
وتسردين في فصل مقال في الانتظار حكاية معروفة في الأدب القديم. «ذهب الرجل إلى الحرب. ودامت الحرب عشر سنين. وفي طريق عودته ضاعت عشر سنين أخرى، وبقيت زوجته تنتظر. يحوم حولها الرجال، يرغبون فيها ويطلبونها للزواج، وهي تغزل على نولها، تقول حين ينتهي الغزل أقبل بواحد منكم. تغزل على نولها في النهار وفي الليل تنكث الغزل.»
يا بيكيت، ليس أثرك وحدك ما ينسج الفصل الثالث عشر للرواية. فهناك هوميروس وأوديسيته الخالدة. حكاية المرأة في الأدب القديم تضمر تاريخيا نموذج أسطورة المرأة الوفية لزوجها وهو نموذج أهملته الدراما العربية المعاصرة وتعمدت إلى ذلك الإهمال سبلا كثيرة. إنّها بينلوبا أم تليماخوس. ثمة تناص بين الأدب القديم المنفتح على تعدد الحكايات وحكاية الست رقية أو المرأة الفلسطينية التي تخبرنا عنها رضوى بالطنطورية. كانت بينلوبا متزوجة من القائد الطروادي الشجاع أوديسيوس، الذي خرج مقاتلا في معركة طروادة المشهورة. الزوج خرج ولم يعد، ولكن بينلوبا ظلت وفية له في غيابه، فصانته في ماله وشرفه وولده، وكان كلما تقدم لخطبتها أحد القادة كانت ترفضه إخلاصا وإيمانا بعودة الزوج. وطال انتظارها، ورحمة بها وتقديرا لصبرها ووفاءها، كافأها المؤلف هوميروس برجوع أوديسيوس إليها. بينلوبا انتظرت عشرين سنة. ولكن الحكاية في عين ساردة الرواية وسمعها بدت ناقصة: «ليس هكذا الانتظار، فهو ملازم للحياة لا بديل لها…إلخ» ورقية بطلة الرواية وعمودها الفقري في انتظارها الطويل على المحطة خلّفت ثلاثة أولاد، صادق، وحسن، وعبدالرحمن. إنّها أكثر من عشرين سنة. فالأولاد يحبوْن، ويُزغردون كالعصافير، ويمشون ويكونون جملا مفيدة ثم ينطلقون في الكلام.. ويركضون إلى المدرسة وإلى الجامعة، ثم إلى المرأة وإلى بيت يخص كلَّ واحد منهم وأولاد.. فلا أحد يتجمد في الانتظار.
•أثقل من رضوى
صباح الثلاثين من نوفمبر تناقلت وسائط التواصل الاجتماعي هذا الخبر الفاجع: الموت يغيِّب الكاتبة المصرية… توفيت مساء أمس الأحد في القاهرة الروائية البارزة والأستاذة الجامعية المصرية رضوى عاشور عن 68 عاما، بعد صراع مع المرض في الأشهر الأخيرة. وولدت الكاتبة الراحلة في 26 مايو/ 1946 في القاهرة، ودرست الأدب الإنجليزي، وحصلت على الماجستير في الأدب المقارن من جامعة القاهرة عام 1972، ونالت الدكتوراة من جامعة ماساتشوستس في الولايات المتحدة عام 1975، وعملت بالتدريس في كلية الآداب بجامعة عين شمس، كما عملت أستاذة زائرة في جامعات عربية وأوروبية.
وتكتب في سيرتها الذاتية ما يلي: « إنني من حزب النمل. من حزب قشة الغريق. أتشبث بها ولا أفلتها أبدا من يدي. من حزب الشاطرة التي تغزل برجل حمارة. لماذا لا أقول -إننا كل أسرتنا- لا أعني أنا ومريد وتميم وحدنا، بل تلك العائلة الممتدة من الشغيلة والثوار والحالمين الذين يناطحون زمانهم من حزب العناد؟ نمقت الهزيمة، لا نقبل بها. فإن قضت علينا نموت كالشجر واقفين. ننجز أمرين كلاهما جميل: شرف المحاولة وخبرات ثمينة. تركة نخلفها بحرص إلى القادمين. عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، أستدرك لأنهي حديثي بالسطر التالي: هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا.»
وتنوّع إنتاج المعلمة فشمل الدراسات النقدية، ومجموعات قصصية وروايات حظيت باهتمام كبير من النقاد العرب. وكتبت أعمالا تنتمي إلى السيرة الذاتية. ونالت الكاتبة عدة جوائز من مصر وخارجها، ومنها جائزة قسطنطين كفافيس الدولية للأدب في اليونان 2007، وجائزة سلطان العويس للرواية والقصة من الإمارات 2012. ورضوى عاشور هي زوجة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي وأم الشاعر تميم البرغوثي.»
•عمل ابن آدم
«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية، أوعلم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له». بدت اللاحقة التي أخذت مواقع التواصل الاجتماعي الإشارة إليها علامة دالة تحتمل إمّا المزيد من الرثاء أو الكثير من المدح. فهي تربط بين الابن وأمه. فرضوى زوجة لشاعر كبير ومعروف رأى قبلنا رام الله، وهي أم لشاعر شاب يكتب الشعر بالفصحى وباللهجة المصرية. وعلى حد قول العلاّمة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز لتفسير معنى الحديث: هذا الحديث من أوضح الواضحات. فمن يتضح بمن؟ الأم أو الابن أو الزوج؟ ومن يلحق بمن؟ الإبن بالأب؟ أو الأم بالإبن؟ وهل كان في إضافة اللاحقة ما يضيف إلى رضوى؟ الثلاثة معا يرتبطون بهوية عربية واحدة، وبثقافة إبداعية ناجزة متميزة، ويتحركون بجوازات سفر ضمن خارطة كونية مختلفة جغرافيا وتاريخيا وسياسيا وثقافيا. ولكن لماذا تلك اللاحقة؟ أما كان يكفي ما أرفدته رضوى عاشور للمكتبة العربية بتنوعها الإبداعي ودراساتها النقدية المتميزة عن الأدب المقارن؟ وكانت بذلك وفي وقت مبكر، من أوائل الناقدات والنقاد المنتهبين لهذا النوع من الدراسات الثقافية والكولونيالية المتميزة؛ كالتابع ينهض.. الرواية في غرب أفريقيا1980م، والبحث عن نظرية للأدب.. دراسة للكتابات النقدية الأفروأمريكية1995م. أما في مجال الرواية العربية فقدمت رضوى للمكتبة حجر دافئ 1985م، وخديجة وسوسن 1989م، وثلاثية غرناطة التي تضم ثلاث روايات هي غرناطة 1994م ومريم والرحيل 1995م، وأطياف 1999م، وقطعة من أوروبا 2003م، والطنطورية 2010م؟ وهذا كله بحسب محبتي شكل من أشكال العمل الصالح الذي لا ينقطع. أو العلم الذي يُنتفع به؛ فتنتشر الأبحاث والدراسات التي ستقف على جميع ما ألفته رضوى من كتب وانتفع بها البحث الأكاديمي. «فإن العلم الذي مع تلاميذها، ونشره بين الناس ينفعها الله به أيضا كما ينفعهم أيضا، وهكذا تميم الولد الصالح الذي سيدعو لها تنفعها دعوة ولدها الصالح، كما تنفع دعوة الزوج مريد والمسلمين أيضا، وإذا دعا لها أهلها وأحبتها، أو تصدقوا عنها نفعها ذلك».
•وشيجة
يختتم فيصل درّاج ما يشبه الرثاء في مقالة له بعنوان (رضوى عاشور بهواجسها الرسولية) قائلا: «بدأت رضوى الكتابة الروائية في حجر دافئ، لم تكن رواية واعدة. وأنهت مسارها بكتاب أثقل من رضوى في نثره المشرق المتأنق، بلغة سعدالله ونوس. يلمس القارئ الذي يقارن بين العملين جهدها الإبداعي الطويل ويقرأ فيه جوهرها، وهي التي رأت المثقف في أخلاقه، واعتبرت إتقان الكتابة خيرا من إتقان الكلام».
أراحني هذا الطرح. لأنه دفعني إلى البحث عن علاقة محتملة تكون قد ربطت بين رضوى عاشور وسعدالله ونوس. قرأت أغلب لقاءتها وبحثت في كتبها ولم أجد لها دراسة كتبتها عن مسرحي عربي باستثناء هذا الكتاب (الطريق إلى الخيمة الأخرى: دراسة في أعمال غسان كنفاني)، والمعروف عن غسان الجميل أن له ثلاث مسرحيات صدرت في مجلد فاخر ضمن الآثار الكاملة عن مؤسسة الأبحاث العربية في عام 1993هي: مسرحية القبعة والنبي، وجسر إلى الأبد، والباب. ووجدت لها مقالتان مسرحيتان، الأولى بعنوان عاصفة شكسبير، والثانية الواقعية بين لوكاتش وبريخت، نشرتها رضوى في كتابها (في النقد التطبيقي صيادو الذاكرة) بالمركز الثقافي العربي عام 2001م، وفيما عدا هذه الإشارات الثلاث المقتضبة فتبدو صلة معلمتي بدراسات المسرح شحيحة جدا. وأقول إنها درسات شحيحة لأن ما وصلنا منها هو ما ذكرناه، ولكن من النافل الاعتقاد أن أكاديمية درست الأدب الإنجليزي ودرّسته لطلبتها لا شك وقد تناولت المسرحيين الإنجليز كما تناولت شعراءهم.
لنعد إلى تلك الوشيجة العميقة والجوهرية التي ربطت ما بين رضوى وسعدالله. إنّها الكتابة عن ذاكرة مشحونة بتفاصيل ترجع إلى الطفولة وبيت العائلة والبيت الخاصّ والوظيفة والناس والحياة والمرض والتعايش مع فكرة الموت. يكتب ونوس 1941- 15 مايو 1997م في نص بعنوان (رحلة في مجاهل موت عابر) عن الذاكرة والموت ما يلي: « أدركت وأنا أتلاشى، أني سأواجه المصير الذي كنت أخافه دائما. سأفقد حصانتي الشخصية، وحيائي، وما هو حميمي فيَّ..»، وماذا يتبقى للأنا من شخصية أمام تآكل جسدها وهو يضمحل بصورة تافهة ومزرية؟ ماذا يبقى من الشخصية أمام شفقات الآخرين؟ يتساءل ونوس: «لماذا لا أستسلم! لقد استبيح جسدي، ولم يعد هناك ما أبقيه طيَّ حميميتي الخاصّة. إني من عائلة يمحوها الخجل، ويروّعها العيب… إلخ» فأيهما أثقل على المريض، أن يظل يقاوم مع يقين الموت؟ أو يحاجج نفسه والعالم؟ ينتهي ونوس عبر رحلته في مجاهل موت عابر إلى الحقيقة الخالدة التالية: «… وكنت أتساءل، كلما هاجت قروحي، وزاد وهني، إن كانت الحياة حقا مجيدة، وإن كان الإنسان فعلا تلك الأعجوبة التي تحدث عنها سوفوكليس. لقد حاجج أيوب ربه، أما أنا فمن أحاجج، وليس لدي إلا هذا اليقين البسيط والموحش: من الظلام جئت وإلى الظلام أعود».
وتكتب رضوى ضمن شهادة خاصة قدمتها عن تجربتها في الكتابة: « أكتب لأني أحب الكتابة، أقصد أنني أحبها بشكل يجعل السؤال لماذا؟ يبدو غريبا وغير مفهوم. ومع ذلك فأنا أشعر بالخوف من الموت الذي يتربص، وما أعنيه هنا ليس الموت في نهاية المطاف، ولكن الموت بأقنعته العديدة في الأركان والزوايا، في البيت والشارع والمدرسة، أعني الوأد واغتيال الإمكانية».
•الشارع والميدان
ثمة ما يربط بين نموذج رضوى عاشور الناقدة والأستاذة الجامعية والمناضلة والأم ونماذج للمرأة العربية. وكأن رضوى قطعة من النساء المناضلات عندما نزلت إلى ميدان التحرير برفقة الزوج لتنخرط بين نداءات الحناجر الملتهبة منددة بالظلم والاستبداد، أو أن تلكم المناضلات سواء كُّن في فلسطين ودول الربيع العربي المصابة بالحريات، فيهن ما يشبه رضوى في هتافهن الملتهب: الشعب يريد حرية وعدالة اجتماعية وكرامة.
لا يمكن لامرأة عربية أن تكتب عن الحرية إلاّ إذا كانت قد شعرت بشكل من أشكال الوأد. ولا تعيش المرأة العربية المعاصرة مع الشعور أنها موؤدة، إلا إذا كان قد وُجه إليها عبر التاريخ والتربية أعتى أنواع العنف الرمزي أوالمادي أو كليهما معا.
هكذا تكتب رضوى في سيرتها (أثقل من رضوى) وبعد رجوعها من رحلة العلاج عن لحظة خروجها إلى الشارع متوجهة إلى ميدان التحرير حيث ثورة 25 يناير واصفة ما استجد لها قائلة: «جدّ في الميدان ما شربته أرضه من دم الشهداء. أو بما لم تشربه تماما بعد، فبقى محبوسا في مكان ما بين سطح الأرض وباطنها، ينتظر أن يسري فيه ويشكَّل تربته». والانتظار هنا يختلف عن انتظار بينلوبا ورقية. إنه انتظار طال انتظاره لإعادة تشكيل ثوابت حياة الدولة المصرية من جديد.
•الجامعة والحضارة والسياسة
والناظر إلى مجمل أعمال رضوى الإبداعية والنقدية ينكشف له علاقة المعلمة بالكتابة وحبّ العمل والاكتشاف الحرّ. كتبت تقول: «الكتابة بالنسبة لي علاقة بأمور ثلاثة: علاقة بالواقع المحيط، وعلاقة باللغة ومن ورائها التراث الثقافي والأدبي المتجسدين فيها ومن خلالها، وعلاقة بحرفة الكتابة والخبرات المكتسبة في الورشة اليومية». وعند هذا نلاحظ أن الأمور الثلاثة قد التصقت برحلة المعلمة التصاقا وتعاضدا يصعب الكتابة على مستوى دون التطرق إلى المستويين المتبقيين. وأن ذلك كله يمنحنا التأمل بمنظومة مكتملة من الاختيارات الحرّة، والاختبارات الصعبة. ففي رواية (أطياف) نشاهد الساردة تُعاقب البطلة «شجر» لانظمامها إلى اعتصام الطلبة في عام 1971م، وهو الوجه المقابل لوجه ما اختزنته المعلمة وسجلته في ذاكرتها ضمن علاقتها الإشكالية مع رئاسة الجامعة.
تكتب عن الجامعة تقول: «وهذه الجامعة، جامعة القاهرة المزَنَّرة بتاريخ مصر وثقافتها، جارة منف ونيل مصر وأهرامها، أنشأها الرواد بقروش الأهالي وحلمهم الكبير، وأرادوا لها أن تكون سندا في مشروع تحرر البلاد ونهضتها»، ويعطينا هذا الوصف، ملمحا واحدا فقط من ملامح تلازم المستويات أو الأمور الثلاثة؛ الواقع المجتمعي لمصر التاريخية والحديثة، واللغة والإرث الثقافي. والملاحظ أن هاجس نهضة مصر قد شغل المعلمة في نظرتها للكتابة حول التاريخ، أو لنقل شكَّل نشأتها في بيت علم رؤيتها الجدلية للرواية التاريخية على حد الخصوص. فكانت كل رواية أنجزتها عن مصر هي سؤال إشكالي ومعرفي بالدرجة الأولى، وليس كتابة انفعالية عابرة أو ترفا لتحبير الأوراق البيضاء. وملامح انشغال المعلمة بالتاريخ واشتغالها عليه قد صاغته في اهتمامات سابقة يعود إلى كتابات عديدة نشرتها إما متفرقة في دراسات أكاديمية أومجلات متخصصة، أو سطرتها في مقالات جمعتها في كتاب بعد أن بدأتها كمحاضرات أمام طلبتها. ولا ننسى هنا الإشارة إلى مشاريع تخرجها في الماجستير والدكتوراة. ولكن مشروع الرواية التاريخية لديها لم تكتمل ملامحه حسب تقديري إلا عندما أصدرت أعمالها الروائية ثلاثية غرناطة، وقطعة من أوروبا، والطنطورية. ففي كل رواية هناك خيوط متشعبة ومتشابكة، تظل تتعمق وتتطور في قدرة الساردة على شدّنا وإفلاتنا وجرّنا مرة ثانية إلى لعبة خطرة وجميلة في آن، وكأننا أمام لاعب في سيرك يخطف أبصارنا بحركاته وسحره ولعبه، فننبهر ونستمتع ونندهش ونحتار، والنهاية نصفق له.
•وداعا معلمتي
وأختتم مقالتي بنقطة مهمة جدا ميزت رضوى عاشور وتتركز بالجانب السياسي، والذي أولته المعلمة اهتماما كبيرا في حياتها النضالية، بداية بزواجها من رجل فلسطيني مُهّجر، لا بيتا له ولا مكانا آمنا. ووقوفها أمام العائلة ودفاعها الحرّ عن اختيارها الصعب، وهي وحيدة أبويها، وموقفها الجاد والملتزم من قضية التطبيع الثقافي مع إسرائيل، وانتهاءً بنزولها إلى ميدان التحرير.
إذا عدنا إلى مقالة رضوى المعنونة (جدتي وأمي والكتابة) نقرأ هذه الأسطر: «ولدت جدتي بعد عامين أو ثلاثة من قرار الخديوي إسماعيل بإلغاء تجارة الرقيق في مصر…إلخ» وربما من هذه الأسطر المقتطعة يمكن تتبع ملمح من ملامح الرفض والاعتداد بالشخصية النسائية لدى رضوى وأسرتها. فهذا الفخر في كلماتها عن جدتها «كانت محظوظة ليس بسبب ذلك القرار، بل لأنها كأمها وجدتها من قبلها لم تولد في بلاد الشركس، ولا في بلاد السود ما وراء حدود مصر الجنوبية. لم يخطفها أحد في طفولتها، لم ينتزعها من أهلها شخص غامض لم تعد تذكر ملامحه. لم تتناقلها أيادي النخاسين أو السادة. ولدت جدتي في بيت أسرة من شرق الدلتا مستقرة في هامشها الريفي…إلخ فلنلاحظ استخدامها للمفردات: الحظ، الحدود، الخطف، الانتزاع، الغموض، النخاسين، السادة…وغيرها الكثير في مُجمل رواياتها، فهذا كله ساهم في تنشئة الوعي السياسي تجاه قضايا الحرية، وقد تجلى هذا الوعي والاهتمام بالالتزام الأيديولوجي بقضية العرب الأولى، الصراع الفلسطيني والعربي مع إسرائيل. وأعتقد أن المعلمة رضوى عاشور التي تُمثل نموذجا استثنائيا وبارزا وشديد التنوع والثراء للعديد من النساء الأكاديميات والمناضلات قد أدركت في رحلة الحياة ولعبة الحظ والقدر والاختيار أن الثقافة الناعمة والتنوير الفكري لا يتقدمان في الحياة إلا مع القوى الاجتماعية الفاعلة والمتفاعلة مع لحظات التاريخ وانعطافاته المصيرية المتحولة.


