عبدالله حبيب –
مسقط، في 4 ديسمبر 1994
أخي الكريم، الدكتور محمد
تحية طيبة، وبعد:
كل هذا الوقت الطويل، إذاً، قضيتُه في مكابدةٍ مكابِرة تطمح لسرقة برهة غير مُكَدَّرة بالاستلاب من فم الزمان الجشع، كيما يتاح لي أن أكتب لك بضعة سطور سِراعٍ تحاول أن تحتال على نفسها، وعلى كاتبها، وعلى اغتراب الوقت وغربة الروح، لكن – كما هو واضح للجميع ما عدا الوقت السمج – بلا جدوى. وحين أكتب لك هذا فإني لا أعتذر عن ذلك فحسب؛ ولكني أعتذر كذلك لعدم إمكانية نفيه الآن؛ أي أني، بكلمات أخرى، أحاول أن أتعرف إلى «قَبْضِ الريح» كما رأى جلجامش منذ قرون بعيدة (لكنها أقرب إلينا من حبل الوريد، وليس كما تعتقد الأسطورة)، وأحاول أن أقول للوقت: لقد انتصرتَ، لكني لم أُهزم.
بيدَ أني لم أشأ أن أغيب أكثر، وأن أعترف أكثر بقدرة اليومي والعابر على مصادرة الجوهري والدائم في اتصالي بنفسي عبر تواصلي مع من يستطيع أن يفهم لماذا أعلك الرماد في فمي. ومن هنا فقد قلت في نفسي إن عليَّ الليلة الجلوس أمام هذه الشاشة البيضاء، وأن أحاول قول ما اتفق، وكيفما اتفق، اتفاقاً مع وعد لم (ولن، في الحقيقة) ينجز؛ إذ حين يتعلق الأمر بالاتصالات الحميمية والحقيقية فإن الصمت السادر وحده – جرح الكلام البليغ هذا – هو وحده ما يعوَّل عليه للبوح. هكذا فإني أعدك بانقطاعات أطول، وغيابات أكبر هي وحدها ـ نكاية باغتراب الوقت وغربة الروح فيه – كل قنوات القول، وكل أقانيمه.
رسالتاك الودودتان كشخصك العزيز، كما أخبرتك هاتفياً، وصلتا مع كتابيك «جماليات الفنون وفلسفة تاريخ الفن عند هيغل» و«علم الجمال لدى مدرسة فرانكفورت – أدورنو نموذجاً»، هذا إضافة إلى ذلك العدد الثري من «ألف» حول الجنون والحضارة (تصوّر، تصدر هذه المطبوعة الهامة في الوطن العربي ولا يعرف المرء عنها شيئاً من قبل. أية فداحة هذه؟!. لكنها فداحة تجار النشر، وسماسرة التوزيع، ومخازن بيع الكتب، أكثر مما هي فداحة القارئ والقراءة [..].
كيف هي أحوالك وأخبارك؟، العائلة؟، أنشطتك؟، صحتك؟، الجامعة؟، القراءة والكتابة؟. أستطيع دوماً أن أستشعر تماماً ما تعاني في ذلك. وحين أكتشف، في نهاية اليوم، أن الوقت قد تسرب من بين أصابعي كماء آسن، وأستحضر ظرفك، فإني أشعر أحياناً بعزاء جزيل، وأحياناً أشعر بخجل جزيل.
كنت قد بدأت في قراءة كتابك عن هيغل، وقطعت منه شوطاً ممتعاً جداً قبل أن تضطرني ظروف الوقت إياها إلى التوقف. وهكذا فإنني «أخطط» (نعم، يتطلب الأمر «تخطيطاً» للبدء في اعادة قراءة الحوار مع فكره عبر كتابك، فذلك أكثر نكالاً بالوقت، وأكثر مدعاة للمتعة والشماتة). أثناء قراءتي كنت أفكر في أن أعرض عليك هواجسي حول ترجمة بعض المفاهيم والمصطلحات الفلسفية باعتبار أن ذلك أمر جدالي وحيوي تنبغي إثارته وتبادل وجهات النظر فيه نظراً لقلة الكتابات ذات هذا الطابع الفلسفي/ الإبداعي في الوطن العربي. وهذا ما سأفعله قريباً بعد قراءة الكتابين. بالمناسبة، كنت قد نشرت مادة عن الترجمة المفهومية أرفقها لك هنا مع حوار تحدثت فيه عن الترجمة كذلك، وذلك من باب التواصل والإيصال.
[..].
كل مشروعاتي (كتابة وترجمة) متعثر على الرغم من أن بعضها شبه منجز، ولا يحتاج إلا إلى اللمسات الأخيرة. أتذكر أحياناً مقطعاً من رسالة من قاسم حدَّاد، وأذكره لك فأنت معني به كذلك: «عندما يتعلق الأمر بالكتابة فإن الوقت لصالحنا دوماً». لكني، أحياناً، لا أكتمك أني أعجز عن فهم ذلك رغم رغبتي النزقة في تصديقه بدون قيد أو شرط، فهل تستطيع أنت؟.. يأتي الاستثناء في صدور «ليلميَّات» التي أبعث لك نسخاً منها [..].
شكرا جزيلاً لاهتمامك ولقراءتك [مجموعتي القصصية] «قشَّة البحر: في سرد بعض ما يتشبث» (أبعث لك نموذجاً لـ«قراءتها» لدى بعضهم. تصوَّر أنه إلى مثل هذا الحد تصل الأمور من تحامل، وجهل، وصفاقة، وهستيريا، وقلة «أدب»، حيث يحدث ذلك من باب «النقد» – هذا الذي لو كان موجوداً في الحياة وفي طريقة التفكير أصلاً لما وصل إلى ما وصل إليه في الكتابة) [..].
هل تسمع الآن مثلي نشيج الساعة: تك، تك، تك، تك، تـ…؟.
لك احترامي العميق، وشكري، وصداقتي.


