رشا جلال -
,,تحول الفضاء الإلكتروني بكل أركانه ووسائله إلى ميدان خصب لممارسة جرائم اقتصادية ومالية بلا حدود مع استمرار غياب الضوابط الضرورية لحماية حقوق الأفراد، وما بين النصب والاحتيال وغسيل الأموال وبيع الأوهام تعددت الجرائم الإلكترونية,,
لم تتوقف الجريمة الإلكترونية وسوء استخدام التكنولوجيا والشبكة العنكبوتية «الإنترنت» والأجهزة الحديثة ذات التقنيات العالية فقط عند سرقة البيانات الشخصية والتجسس ونشر الأفكار المتطرفة وتجنيد عناصر إرهابية والمواقع الإباحية، بل امتد ليطول ما بداخل جيوب الشعوب. ففي الآونة الأخيرة راجت وبشدة عمليات النصب الإلكتروني وشركات التسويق الوهمية وعمليات اختراق الحسابات الشخصية في البنوك وسرقة البطاقات الائتمانية، ومع غزو الإنترنت دول العالم أصبح من الصعب ضبط وكشف هذه الجرائم نظرا لكونها عابرة للحدود لا وطن لها، وتتم بسرعة فائقة دون رقيب. واشتهرت تلك الجرائم حتى أن هوليوود أنتجت أفلاما تتحدث فيها عن ظاهرة القرصنة والسرقة الإلكترونية مثل فيلم «أوشن إيلفن» والذي تبعه جزءان يتناولان الموضوع نفسه، وهو ما زاد من هوس عباقرة الحاسوب في هذا المجال، توهما منهم أنهم سيصبحون مثل أبطال تلك الأفلام.
ففي سنة 2007 مثلا كانت تقع جريمة إلكترونية واحدة كل 3 ثوانٍ و207 آلاف حالة خاصة بالسطو وسرقة الأموال، وتسببت تلك الجرائم في خسائر مادية بلغت 48 مليار دولار، أما في الوطن العربي، فقد تم تسجيل خلال السنة نفسها 217 ألف قضية قرصنة وسطو بإحدى دول الخليج العربية وحدها، مع زيادة كبيرة خلال سنة 2008 بلغت 33%.
ونظرًا للخصائص المميزة التي تتّسم بها الجريمة الإلكترونية في كونها عابرة للحدود، تحدث في مكان معين وضحاياها في مكان آخر، إلى جانب السرعة في تنفيذها وإتلاف الأدلة ومحو آثارها، ناهيك عن كونها ترتكب من طرف أشخاص غير عاديين يتمتعون بذكاء خارق وتقنية عالية في التعامل مع التقنية المعلوماتية وأجهزة الحاسوب، فكل هذه العوامل تشكل عائقا حقيقيا أمام مهمة المحققين في التوصل إلى ضبط الدليل الرقمي للإثبات والإدانة للجناة، إلى جانب كونها تقع في بيئة افتراضية عابرة للحدود، حتى وصفت أحيانا بالجرائم التخيلية.
وهناك العديد من المشكلات والصعوبات العملية والإجرائية التي تظهر عند ارتكاب إحدى جرائم الإنترنت، ومن هذه المشكلات: صعوبة إثبات وقوع الجريمة وصعوبة تحديد المسؤول جنائيًا عن الفعل الإجرامي.وصعوبة إلحاق العقوبة بالجاني المقيم في الخارج وصعوبة التوصل إلى الجاني والقصور في القوانين الجنائية القائمة.
ومن بين تلك الجرائم المتعددة انتشرت مؤخرا شركات التسويق الإلكتروني والتي تقوم على فكرة قيامك بشراء منتج معين ومن ثم إعادة بيعه مرة أخرى وتسويقه لأصدقائك أو أقاربك بهدف كسب عمولة من خلال عملية البيع وفي حالة قيام هؤلاء الأصدقاء بالبيع لأشخاص آخرين يؤدي ذلك الى زيادة المكسب وتعتبر هذه الطريقة إحدى طرق النصب وتلك الشركات منتشرة بكثرة في مختلف الدول العربية ولكن تختلف طريقه كل شركة عن الأخرى. فبعض الشركات تروج لوظائف أو منتجات وهمية وفي المقابل تسحب أموالا من حساب الشخص الائتماني أو الشخصي، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لسرقة البطاقات الائتمانية والدخول على الحسابات الشخصية للأفراد الأمر الذي يمكنهم من سرقة مئات الآلاف من أرقام البطاقات في يوم واحد وتحويل الملايين لحساباتهم الشخصية. ومن المهم هنا الإشارة إلى حادثة تمت في نوفمبر 2013 حيث اتهمت شرطة نيويورك 8 أشخاص بأنهم جزء من عصابة عالمية تنشط في مجال الجرائم الإلكترونية بسرقة مبالغ مالية يصل إجماليها إلى ٤٥ مليون دولار عن طريق اختراق حسابات بطاقات السحب الآلي وسحب نقود من آلات الصراف الآلي في 27 دولة في أنحاء بينها اليابان وروسيا وفرنسا وإسبانيا وهولندا وإيطاليا ورومانيا وجنوب إفريقيا ومصر والإمارات العربية المتحدة وألمانيا وكولومبيا وبريطانيا وسريلانكا وماليزيا وباكستان وأوكرانيا وكندا ولاتفيا والمكسيك والولايات المتحدة.
وانتقلت أيضا جريمة ليست بجديدة لتنضم إلى الجرائم الإلكترونية عبر الإنترنت وهي غسيل الأموال وهي عملية الغرض منها إخفاء المصدر الأصلي للأموال والذي عادة ما يكون مصدرا غير شرعي. فقد ساعدت الإنترنت الأشخاص الذين يقومون بعمليات غسيل الأموال بتوفير عدة مميزات منها السرعة الكبيرة وتخطي الحواجز الحدودية بين الدول وتفادي القوانين التي قد تضعها بعض الدول وتعيق نشاطهم وكذلك تشفير عملياتهم مما يعطيها قدرا كبيرا من السرية. ويشير التقرير الذي أعدته الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي إلى أن 28.5 مليار دولار من الأموال القذرة تبدد سنويا عبر الإنترنت لتخترق حدود 67 دولة لغسلها.
وبحسب دراسة أجراها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، يحقق اقتصاد الإنترنت ما بين تريليونين وثلاثة تريليونات دولار سنويًا، وهي حصة من الاقتصاد العالمي من المتوقع أن تتزايد بوتيرة متسارعة. وتوصلت الحسابات التي أجراها الباحثون إلى أن الجريمة الإلكترونية تستنزف ما بين 15% و20% من القيمة التي تحققها الإنترنت أي حوالي 400 مليار دولار سنويا، تشكل خسائر الولايات المتحدة نحو ربعها، وبلغ حجم الخسائر التي تكبدتها شركة بريطانية فقط حوالي 1.3 مليار دولار في هجوم إلكتروني واحد، وخسارة مصرفين في الخليج 45 مليون دولار في ساعات قليلة، وإعلان الهند عن تعرض 308371 موقعًا إلكترونيًا للاختراق بين العامين 2011 و2013. في حين تسببت الجرائم الإلكترونية في خسارة لدول مجلس التعاون الخليجي فقط بين 550 مليونا و735 مليون دولار أمريكي سنويا. ومن المتوقع أن ترتفع هذه الأرقام نظراً لتزايد استخدام الإنترنت على نطاق واسع للتواصل وعقد المعاملات والصفقات التجارية من قبل كل من الأفراد والمؤسسات على حد سواء.
الوقاية خير من العلاج هكذا يقولون دائما لحماية العقول والأبدان صحيا، ولكن هذا المثل أو تلك الحكمة يمكن تعميمها أيضا على كثير من نواحي الحياة ومن بينها المعاملات الإلكترونية، فبما أن هناك درجات عالية جدا من الحرية تصل إلى حد الفوضى والتسيب يقابلها درجة أقل من المسؤولية الرسمية تبقى لحكمة الوقاية خير من العلاج أهمية كبرى، وعلى هذا الأساس من الأفضل دائما أثناء تشغيل الإنترنت أن نقوم باتخاذ إجراءات وقائية مثل تجنب الكشف عن أي معلومات تتعلق بها، مثل بطاقات الهوية، أو الهوية على موقع الإنترنت أو غيره وعدم إرسال الصور عبر الإنترنت أثناء التحدث مع الغرباء وحفظ نسخة احتياطية من الملفات والمجلدات، بحيث إنه لو فقدت بيانات أو معلومات نتيجة لابتلائها بالفيروسات تكون هناك نسخة منها، ويجب عدم استخدام بطاقة الائتمان الخاصة في حالة عدم التأكد من أن الموقع آمن، فهذا الإجراء قد يحمي من التحايل والاستراق. أضف إلى ذلك ضرورة التحقق من المواقع التي يقوم الأطفال بفتحها، من أجل تجنب إساءة معاملتهم أو المضايقة وغيرها مع حتمية استخدام برامج حماية أمن الإنترنت «Internet Security» والتي تمكن من السيطرة على ملفات تعريف الارتباط «cookies» لمنع إرسال المعلومات إلى المواقع ويرتبط بذلك استخدام جدران الحماية إلى أقصى حد ممكن. أما الخادمات «servers» التي تدير مواقع عامة فيجب أن تكون محمية بشكل منفصل عن شبكة العمليات، إلى جانب عدم الاحتفاظ بالبيانات الحساسة في الحاسب الآلي مثل البيانات المالية والشخصية خشية وقوعها بأيدي المجرمين والتقليل من أخطار الفيروسات أو البرامج الضارة بإيقاف البلوتوث والـWi-Fi والأشعة تحت الحمراء وعدم تشغيلها إلا عند الحاجة فقط.
وإغلاق البلوتوث في الأماكن العامة، وعدم قبول طلب اتصال إلا من أشخاص موثوق بهم وعدم استخدام وتثبيت البرامج المجانية غير الموثوق بها لأن عددا كبيرا منها يقوم بتثبيت برامج تجسسية أو دعائية وضرورة التأكد من اتفاقية الترخيص بشكل كامل قبل تثبيت أي برنامج. وتلك إجراءات وقائية ضرورية حتى يمكن الوصول إلى منظومة آمان شاملة للمجتمع بأكمله.


