عاصم الشيدي –
هل يمكن أن تصنع فيلما ناجحا بممثلين غير محترفين؟
تبدو الإجابة على هذا السؤال كثيرة الالتباس، وعلى قدر من المغامرة وربما الاستفزاز خاصة لدى دعاة الاحتراف والمحترفين في عالم السينما أو في أي علم من العلوم.
لكن قد يبدو الأمر طبيعيا على رأي من يقول أننا مجرد ممثلين في هذه الحياة، وعلى هذا الرأي فإن الأمر لا يحتاج احترافا بالمعنى المعروف للمصطلح، ويكفي أن يؤدي كل ممثل دوره اليومي والاعتيادي في الحياة ليكون محترفا وبامتياز.
ربما كانت هذه الفكرة هي الشرارة الأولى التي جعلت الفيلم الأردني «ذيب» يلاقي نجاحا كبيرا ويحصد جوائز في أكثر من مهرجان سينمائي عربي وعالمي كما كان الحال في مهرجان فينيسيا ومهرجان القاهرة وغيرها من المهرجانات.
أزعم أن هذه الفكرة كانت حاضرة بقوة لدى المخرج ناجي أبو نوار وهو يختار أبطال الفيلم الذي تدور أحداثه في أجواء بدوية بحتة وخلال مرحلة بعيدة من التاريخ العربي وهي المرحلة التي شهدت انطلاق الثورة العربية الكبرى. كان الأبطال في أغلبهم ممثلين غير محترفين، لكنهم في الوقت نفسه يعيشون حياة البداوة بكل تفاصيلها، ولذلك بدا أنهم يمارسون حياتهم اليومية مع الفارق الزمني بطبيعة الحال، وهم يؤدون أدوارهم في الفيلم.
أتاح لي حضور مهرجان أجيال السينمائي بدولة قطر مشاهدة الفيلم الذي لقي الكثير من الصدى عندما شارك في مهرجان فينيسيا ومهرجان القاهرة وحصد العديد من الجوائز.. ومن المنتظر أن يسجل الفيلم نجاحا كبيرا بعد أن يبدأ عرضه في دور السينما العربية. لكن ذلك ليس لأن أبطاله غير محترفين وممثلين غير معروفين، بل لأن الفيلم يتناول موضوعا وحقبة زمنية غير مطروقة في السينما العربية، رغم أنها مساحة متخمة بالأحداث وبها زخم وتنوع خليق بالسينما. ربما، على حد علمي البسيط ، لم تتطرق السينما العربية كثيرا لتلك المرحلة الزمنية إذا ما استثنينا بعض الأفلام السورية مثل فيلم بقايا صور والبازرلي. حتى أن الفيلم العالمي لورنس العرب يمكن أن نقف عند الكثير من مصداقية أحداثه إذا ما بحثنا فيها عن تفاصيل تاريخية.
تدور أحداث فيلم «ذيب» زمانيا في عام 1916، في معسكر بدوي في منطقة الحجاز في الصحراء العربية حيث يعيش «ذيب» الابن الأصغر لشيخ القبيلة الراحل، وأخوه الأوسط حسين. تمضي أيام حسين وذيب وهما يهتمان بالجمال ويتعلمان الرماية واللعب في أنحاء الصحراء الواسعة، فيما كان أخوهم الأكبر هو الذي يدير شؤون القبيلة.
في تلك الأثناء، يصل ضابط بريطاني برفقته مترجم، يسألون عن والدهم شيخ القبيلة، من أجل الوصول إلى بئر مهجورة في وادي رام جنوب الأردن، حيث يقرر الأكبر مساعدتهم وإرسال شقيقه الأوسط ليدلهم على الطريق والبئر.
عندها يلحق بهم الفتى «ذيب»، حيث تمضي الأحداث بشكل تتداخل به المواجهة مع بعض اللصوص. والحديث مع الثوار ضد الحكم العثماني، وكم آخر من الحكايات التي تجمع بين البطولة والتحدي والثأر والكرامة.
وانتقال ذلك الفتى «ذيب» من نهاية طفولته إلى بداية رجولته، حينما يشاهد اغتيال شقيقه والضابط ومرافقه، وأيضا مساعدة قاتل شقيقه في المرحلة الأولى .
تبدو هذه الأحداث هي المستوى الأول من مستويات الفيلم ولكن خلفيتها هي انطلاق الثورة العربية الأولى.
كانت الحرب العالمية الأولى في طريقها لتغيير المنطقة العربية، وكانت الدولة العثمانية على وشك أن تكون شيئا من الماضي بعد أن دوى صوت رصاصة الشريف حسين في أغلب أجزاء المنطقة العربية لتبدأ معالم ثورة عربية شاملة على الحكم العثماني وبدعم بريطاني.
يلفت انتباه ذيب صندوق يحمله الضابط البريطاني الذي كان حريصا جدا على صندوقه ونهر ذيب مرتين لأنه حاول الاقتراب من الصندوق. يصل الضابط البريطاني من خلال حسين وذيب إلى البئر التي يبحثون عنها لكنهم يكتشفوا أن جثة قد رميت في البئر، فيعرف الضابط أن ثمة كمينا في المنطقة، وهو ما حدث فعلا، وبدأ تبادل إطلاق النار راح ضحيته الضابط ومترجمه، ثم راح ضحيته بعد مقاومة واستبسال كبير حسين. أما ذيب فقد سقط في بئر أخرى. بعد أن رأى مقتل أخيه. قاتل حسين نجا من الموت ولكن جرحه كان عميقا وخطيرا، ولكنه استولى أيضا على الصندوق الذي بدا في نهاية الفيلم أنه صندوق تفجيرات يدوي كانت تحتاجه المقاومة العربية في عملياتها الفدائية ضد العثمانيين.
وركز الفيلم على علاقة حذر بدت بين المصاب الذي استولى على الصندوق وبين ذيب الذي يضطر لإسعافه مقابل بقائه على قيد الحياة. هذا قبل أن يكتشف أن الرجل يريد بيع الصندوق إلى المقاومة العربية ليس ذودا بل تجارة وأن شقيقه دفع ثمن هذا العمل من دون طائل.. فما كان من ذيب إلا أن أطلق رصاصة إلى صدر الرجل مودعا بها الطفولة إلى الرجولة. لا يقول الفيلم صراحة لماذا كان الضابط البريطاني يريد الوصول إلى البئر.. وهي البئر التي تقع في طريق الحجاج، ولكن يبدو أن الضابط البريطاني يريد تحويل البئر إلى فخ يقع فيه العثمانيون الذين يعملون على حماية مشروع سكة حديد الحجاز فيما كان أدلة الحج وحماته يريدون بقاء الأمر على ما هو عليه من ذهاب الحجاج عبر قوافل يقومن هم بحمايتها وتأمين وصولها إلى الحجاز.
ورغم أن الفيلم لا يشتغل على الجوانب السياسية التاريخية ولكنه يلفت الانتباه لها كثيرا وإلى الكثير من تفاصيلها. وشخصيا عدت إلى قراءة تفاصيل أكثر عن الثورة العربية، وعن مشروع سكة حديد الحجاز التي عرج إليها الفيلم. وبذلك ينجح العمل في الزج بنا في الجوانب التاريخية العربية بالتحديد كما تفعل أفلام الغرب الأمريكي التي تناقش قضايا كثيرة ولكنها في الوقت نفسه تحيلنا إلى البحث في التاريخ والقراءة فيه وعنه. وبذلك يكون الهامش قد قال أكثر بكثير مما قاله المتن.
وبذلك لا نستطيع أن نقول أن الفيلم حقق نجاحا للسينما الأردنية فقط بل نجاحا للسينما العربية بشكل عام، وربما كان هذا الفيلم هو أهم إنتاج سينمائي عربي خلال العام الماضي. واستطاع المخرج أن يحول صراعا بين صبي وبين الصحراء بكل ظروفها وتجلياتها إلى شهادة على مرحلة تاريخية حتى لو لم يرد الفيلم أو مخرجه ذلك.
وكان من بين علامات نجاح الفيلم أن ممثليه هم من أبناء الصحراء من أبناء البيئة التي تدور فيها أحداث الفيلم، ولذلك استطاع الممثلون أن يلفتوا لهم الانظار.. استطاعوا أن ينجحوا في مناطق لم يكن مؤكدا أن ينجح فيها المحترفون.


