د. حسن مدن –
لا الحزن يأتي من المدينة ولا الفرح يأتي منها. المدينة، أي مدينة، هي على درجة من الحياد، الذي به تتشابه كل المدن من حيث كونها مجرد أمكنة. الحزن إن أتى، أو الفرح إن أتى، فهما يأتيان من بواعث أخرى شاءت الأقدار أن تحصل في هذا المكان بالذات لا في غيره.
يعزز هذا الانطباع أن المدينة نفسها يمكن أن تكون مُفرحة في يوم، ومُحزنة في يوم آخر، تبعا للحال الذي نكون فيه، أما هي ذاتها فإنها على حيادها الراسخ، غير مبالية بنا، هي لا تكترث بنا، ولا علم لها بفرحنا أو ترحنا، شوارعها تحمل السيارات الذاهبة والغادية على جري عادتها اليومية، ومطاعمها وفنادقها وبنوكها ومحالها تستقبل زبائنها والعاملين فيها بالرتابة ذاتها.
أحد الكتاب الهنود كتب عن علاقته بالشارع المجاور له الذي يعبره كل يوم. انه مشدود بوشائج روحية وثيقة إليه، ويعرف كل تفصيل من تفاصيله جيداً، وبينه وبين هذه التفاصيل عديد الذكريات: «إني أعرف هذا الشارع معرفة جيدة، يقول الكاتب، أكثر من معرفتي لأقرب الأصدقاء لدي. لم يتغير لونه أبداً، لم تتغير هيئته أبداً، وفي صورته نفس الخشونة والبرودة، كما هي لم تتغير، وكأنه يقول: لا أبالي بأحد على الإطلاق».
ليس الأدب وحده من عالج هذا الأمر. علم النفس فعل ذلك أيضاً. إريش فروم في «الحكايات والأساطير والأحلام» قال: إنه إذا عاش أحد الأشخاص تجربة محزنة في مدينة معينة، فإنه إذا سمع باسم هذه المدينة فإن اسمها سيربطه بسهولة بحالة نفسية موحشة، كما سيربطه بحالة نفسية بهيجة لو انه مرَّ بتجربة سعيدة فيها. وفي الإمكان الوصول الى رد الفعل نفسه تجاه بيت معين أو شارع أو ثوب أو مشهد معين أو أي شيء آخر كانت له صلة بحالة نفسية خاصة في يومٍ من الأيام.
إن ألفة من نوعٍ حميم تنشأ بين الإنسان والمكان أو الأمكنة التي يعرفها، وتنبت له فيها جذور، سيكون موجعاً اقتلاعها، ولو حملتك الحياة يوماً على مغادرة بعض الأماكن فإنك تغادرها بغصة تقف في الحلق، وبشعور مشابه لذلك الذي سيطر على أبي فراس الحمداني وهو يغادر حلب فأنشد: «أسيرُ عنها وقلبي في المقام بها/ كأن مهري لثقل السير محتبس».
حديث المدينة
في حديثه عن عمّان يرى عبدالرحمن منيف أن المكان في حالات كثيرة ليس حيزاً جغرافياً فقط، فهو أيضاً البشر في زمن معين، وهكذا نكتشف علاقة جدلية بين عناصر متعددة متشابكة ومتفاعلة. فالمكان يكتسب ملامحه من خلال البشر الذين عاشوا فيه. والبشر هم تلخيص للزمن الذي كان وفي مكان محدد بالذات، وبالتالي فقد اكتسب الناس ملامح وصفات ما كانوا ليكتسبوها لولا هذه الشروط. وحين أصبحت لهم هذه الصفات أثروا في المكان والزمان، كما تأثروا بهما، مما ينعكس في النتيجة في إعطاء الأماكن والأزمنة ملامحها، كما أن تلك الأمكنة وتلك الأزمان ستؤثر بدورها في أن يكون ناسها بهذا الشكل، وحين يكون الناس هكذا فإنهم يؤثرون فيما حولهم ويتأثرون.
وحديث الإنسان عن المدينة التي تعني له شيئاً خاصاً بمقدار ما يبدو ممكناً فإنه شديد الوعورة، وفي بعض الأحيان عصي، لأن السؤال الذي يطرح نفسه: أي شيء يمكن أن يُقال؟ وأي شيء يُترك؟ وهذا الذي قيل، وذاك الذي تم تجاوزه، أهو ما يجب أن يُدون ويبقى، أم أن ما تُرِك كان الأجدر بالتدوين، ومن ثم بالبقاء؟
ليس ذلك فقط. إن الكتابة عن مدينة الماضي التي يحبها الإنسان تحول هذه المدينة إلى كلمات، والكلمات ذاتها، مهما كانت بارعة، خطرة وماكرة، وغالباً لا تعدو أن تكون ظلالاً باهتة لحياة، أو في أحسن الحالات ملامسة لها من الخارج، أو مجرد اقتراب، علماً أن الحياة ذاتها كانت أغنى، وأكثر كثافة ومليئة بالتفاصيل التي يصعب استعادتها مرة أخرى. والمدينة، أي مدينة، هل لها صورة واحدة يراها الجميع بنفس الطريقة؟
ثم، هل أن المدينة مجرد أماكن وأشياء وأسماء أو حتى بشر؟ وكل هذه، هل هي في حالة ثبات أم تغير في كل لحظة، كما يعاد تشكيلها في الذاكرة مرة بعد مرة، خاصة أن الزمن يمضي، وتتدخل أسباب وعوامل كثيرة ومؤثرة؟ وهل من حق الكاتب أن يجبر الآخرين على رؤية الأماكن والبشر كما رآهم هو، أو كما أحب أن يراهم؟ وهل كان هؤلاء هكذا فعلاً، أم أن العواطف والمسافات غيّرت في الأشكال والأحجام، وغيّرت في المواقع أيضاً، تبعاً لما يعتمل في العقل والقلب.
قلب المدينة
للأديب الأردني هاشم غرايبة مقال شيق يعالج موضوعاً بدا لي جديداً هو علاقة الإعلام بالمدينة. والمدينة المقصودة هنا هي عمّان، العاصمة الأردنية، لكن ما ذكره الكاتب يمكن أن يعمم، على الأقل في بعض أحكامه، على المدن العربية الأخرى. يستشهد الكاتب بما كتبه الروائي مؤنس الرزاز عن قاع المدينة من خلال ثالوث يتكون من البنك والمخفر وكشك الكتب. الرزاز اختار ثلاثة مرافق تنطوي تحت هذا التصنيف الثلاثي هي: البنك العربي، مخفر المدينة، كشك أبو علي، وقد وجد في هذه المرافق رموزاً للمال والسلطة والثقافة، وهو على كل حال تصنيف ينطوي على درجة عالية من الدقة في انسحابه على بنية كل المدن، بما فيها مدننا العربية.
لكن هذا التوصيف العام لم يكن سوى إطار أراد منه الكاتب، أعني هاشم غرايبة، أن يناقش سلبية الإعلام تجاه التغييرات التي تطرأ على المدينة، وهو يسوق مثالاً عن موضوع غسيل أو عدم غسيل واجهات المباني التراثية المطلة على شارع «الشانزلزيه» في باريس الذي أخذ سنة من النقاش عبر وسائل الإعلام الفرنسية، حتى تغلب في النهاية الرأي الذي يقول بعدم غسيل واجهات هذه المباني حفاظاً على هوية الشارع التراثية، بينما في بلداننا العربية فإن المدن تخضع لتبدلات جوهرية تغير صورة المدينة التقليدية وتشوهها لصالح هجين عمراني دون أن تنظم حملة إعلامية ضد هذا التشويه، أو حتى دون أن يثار سؤال: لماذا يجري ذلك وما الحكمة من ورائه.
ويذكر غرايبة على سبيل المثال أن بنايات جديدة تنهض بحجم أحد تلال عمّان دون أن يسمع أحد برأي لمعماري أو لخبير بتخطيط المدن، ما إذا كانت هذه البنايات تتسق وروح المدينة ونسيجها العمراني الذي يعكس حاجات نفسية وروحية ودينية وثقافية لدى أهلها.
وأذكر أن مجموعة من المثقفين السوريين البارزين قادوا، منذ عقود، حملة للدفاع عن قلب مدينة دمشق القديمة الذي يشمل السوق الشهير المعروف بسوق ساروجا في وجه الزحف العمراني الحديث المعروف بقبحه وعشوائيته وافتقاره للحميمية والأناقة والدعة التي برع المعماري القديم في تجسيد روحها عبر شكل العمارة وهندستها والمادة التي تصنع منها. ورغم أهمية حملات من هذا النوع إلا أنها ظلت محصورة في نطاق اهتمام عدد محدود من المثقفين والأدباء والفنانين ولم ترتق إلى مستوى الحملة الإعلامية الواسعة التي تتبناها أجهزة الإعلام على أنواعها.
وضوح المدينة
استحضرت ذلك المشهد البعيد بعض الشيء في الزمن، والمتواري في ذاكرة غفت، ولكن غفوتها كنوم المسافر، كما يقول محمود درويش. المشهد من الإسكندرية، المدينة المصرية المتوسطية التي بناها الإغريق. وكانوا حين يحددون موقعها، يقولون إنها قريبة من مصر، كانوا يحسبونها مدينة يونانية، لا مصرية. كان يوماً شتائياً، والشتاء فصل حميم، وكان ثمة هواء منعش، بارد، تتخلله ذرات مطر خفيف، مشاغب بعض الشيء إذ يلامس الوجه، وكان الكورنيش الطويل الممتد من «المتنزه» نزولاً إلى المدينة. بوسع من قرأ «رباعية الإسكندرية» – رائعة لورانس داريل أن يتصور أنه يعيش الإسكندرية في زمنين في الآن ذاته.
استحضرت ذلك وأنا أقرأ ما كتبه إبراهيم عبدالمجيد، الروائي الإسكندراني الذي أحب الإسكندرية وكتب عنها روايته: «لا أحد ينام في الإسكندرية». ما كتبه عبدالمجيد جاء في كتاب ضمن سلسلة: «الرحلة العربية الجديدة»، الصادرة عن دار السويدي في أبوظبي، وفي الكتاب الذي يحمل عنوان: «أين تذهب طيور المحيط» لم يكتف إبراهيم عبدالمجيد بالحديث عن المدن التي زارها خارج بلاده مصر، وإنما خصَّ الإسكندرية، مدينته الرءوم، بفصل جميل. نغبط الكتاب الذين يعيشون في مدن عريقة، الذين يتجولون في الشوارع فسيتحضرون ما جرى فيها من أحداث جسام، أم يمروا على بيوت الكتاب والموسيقيين والفنانين الكبار، ويتصورا أين جلس هؤلاء وعلى أي طاولة كتبوا. هي نفسها الفكرة العميقة، العذبة، التي كتبها شاعر الإسكندرية القديم: كفافيس: «أصوات خفية حبيبة، أصوات أولئك الذين ماتوا، أو أولئك الذين هم بالنسبة إلينا ضائعون مثل الموتى، تتكلم في أحلامنا أحياناً، وأحياناً في الفكر يسمعها العقل، ومع أصدائها تعود برهة أصوات من قصائد حياتنا الأولى مثل موسيقى بعيدة في الليل تخبو».
في الإسكندرية كل سحر المدن الساحلية ورقتها. محظوظون نحن الذين ولدنا بجوار البحر وعشنا بالقرب منه. أكثر ما نحن إليه حين نكون بعداء عن مدننا هو البحر. هذه الفكرة تسكن أبناء هذه المدن. وعنها أيضاً كتب إبراهيم عبدالمجيد: «أبناء الإسكندرية هم أكثر أبناء المدن وضوحاً. مدينتهم مفتوحة للضوء والريح ولا شيء يخافون عليه. الواحد منهم لا يرى حاجة إلى أي قوة إضافية، إنه لا يحتاج لغير الوضوح».


