د. يسرية آل جميل –
حينَ يقودُ هذه الدَولة رجلٌ عَنْ أمَّة، يبني ويُعمِّر فوقَ أرضها، يرسخ دعائمها، يثبت وتدها يُعلي شأنها فوقَ خارطةِ العالم، يُعلن له هذا الشَعب الولاءْ، فهذا ليسَ بغريبْ.
ليسَ بغريبٍ على القائِد الفّذ، ولا على الشعبِ الذي ترَّبى على يديه، تشرَّب من فِكره. ففِكرٌ كفِكر هذا الرجلْ أنا لم أشهد في حياتي، بصيرةٌ لها رُؤية ذات آفاقٍ ليسَ لها حُدود، لا تصلحْ إلا أن تكونَ في شخصيةٍ كشخصيةِ صاحبِ الجلالةِ- حفظه الله ورعاه- وأعاده إلى أرضه ووطنه وشعبه سالماً مُعافى، أرادَ أن يؤسس دولةً فأسس، وأن يبنيَ شعباً فبنى، وأن يُعد رجالاً يُستندُ إليهم وقتَ الحاجة، فكانَ له ما أراد، لمْ يتبِّع لأجلِ ذلكَ أمراً ولا نهياً، لمْ يشأ أن يُسيِّس ويُشَّرع وَيُنظِّمْ الحُكم إلا بالشُورى.
ولمَّا كانت الشُورى فكرُ القائد الحَكيم الملهم، كان لابُدَ لنا أن نتخذها نهجاً لحياتنِا، ليسَ في نظام الحُكم فحسب، بل في جميع أنظمةِ المُجتمع، ومنها إداراتنا الحُكومية. فالإدارة بالشُورى من الأمور المطروحة حالياً في مُختلف المواقع والمؤسسات والدوائر الحكومية، ليسَ على مُستوى السلطنةِ فحسبْ، بل على امتدادِ خارطة العالمِ أجمعه، ولكن بمسميات أخرى كالمشاركة، والديمقراطية؛ ذلكَ لرفعِ سوية العَملِ الإداري والإنتاجي ضمن المُؤسسة الواحدة.
ولعل القاعدة المعرفية في ذلكَ تعودُ إلى ضرورة العَمل في جوٍ ديمقراطي يحفز على العطاء، والانعتاقِ مِن قيود الديكتاتورية والمركزية في فضاءِ الهيئات الإدارية؛ لأنها قيودٌ لن تولِّد سِوى موظَّفين يُعانون الكثير مِن الإخفاقات في ظلِ سياسةِ مَنعِ المبادراتْ وكبتِ روافدِ الإبداع. وإذا ما اتفقنا على وجودِ قناعةٍ راسخةٍ لدينا بضرورة أخذِ الرؤساءِ في العَمل بمبدأ إدارةِ الشُورى بينهم والمرؤوسين، فأفضل طريقةٍ إلى ذلكَ تأتي بحتمية يقينهم بأنَ كُل موظف يمتلك بداخله منابع إيجابية، لأفكارٍ خلاَّقة، يجبَ أن تخرج من عُنق الزُجاجة، وتصبُ في مصلحةِ العَملْ.
فما الذي يمنعني كمسؤول أن أفتحَ الأبواب أمام هذه العقول التي تستطيع إحداث حِراك إيجابي في العَملِ الإداري؟ هل يعني ذلك وجودَ عيب فينا؟ أو نقصٌ في قدرتنا على الإدارة العامة؟ إن الإداري الناجح عليه أن ينشُرَ ثقافة الأخذِ بآراء الآخرين مهما كانت، وله بعدَ ذلك أن يزنَ الأمور ويضعها في نِصابها؛ بحُكمِ مرئياته الخاصة لقيادة دفة الهيئة أو المؤسسة التي تقع تحتَ مسؤوليته.
ودونَ الحاجةِ إلى ضربِ نماذجٍ لأهمية ذلك، فإننا نُعايش هذه الأيام إفرازات العَمل بهذا المبدأ، ونلمس ذلكَ بوضوحْ، كمثالٍ لمن قد يتساءلْ: وماذا بعد؟ فالبيئة الخصبة المولدة لثقافة الشُورى هي دونَ جدل البيئة الحيوية والفعَّالة. لذلك فإن خلق ثقافة كهذه، يعمَلُ بها الإداريون من ذوي المسؤولية العُليا أولاً ثم الذين يلونهم… إلخ تحتَ قُبة الهيئة الحكومية، سوفَ يسهم في توظيف القدرات والطاقات الإدارية الشابة المستوطنة في كُلِ موظف، وفي كافة جوانب العَمل، وبالتالي يتبلور المقصد، وتُشحذ الهمم، ويتحقق التميُّز الفعَّال بأسس قوية، وليسَ دونَ ذلك نرضى.
المعادلة الصعبة:
حينَ نعمل تحت مظِلة إقصاءِ الرأي الآخر
فهي بداية الانزلاق إلى أسفلِ دركات الفشلِ
فالشُورى.. ثم الشُورى ..ثمَّ الشورى.


