رندة صادق –
randnw@hotmail.com –
يقول ابن خلدون: (التاريخ في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام، وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق). التاريخ توثيق للأحداث وتأريخ للتفاصيل المهمة في حياتنا العامة وفي تاريخ الشعوب وقد تم تعريفه في المراجع على نحو مبسط، من حيث اللفظ له معان متفاوتة، فهو يشمل من وجهة نظر بعض الكتاب على المعلومات التي تبحث في نشأة الكون بأكمله وبتاريخ الأرض وما جرى عليها من حوادث طبيعية وانسانية، ويؤكد أغلب المؤرخين ان التاريخ هو البحث والاستقصاء في حوادث الماضي، وقد تدل كلمة تاريخ على مجمل ما جرى من الحوادث الفعلية التي يصنعها الأبطال والشعوب والتي وقعت منذ أقدم العصور واستمرت وتطورت في الزمان والمكان حتى الوقت الحاضر. وفي اللغة العربية التاريخ أو التأريخ يعنى الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ووقته الذي ينتهي إليه زمنه ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع المهمة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمان من ناحية التعيين والتوقيت وموضوعه الإنسان والزمان.
لطالما كانت الفكرة السائدة أن الأقوياءالمنتصرين هم من يكتبون التاريخ ويدونون تفاصيله من وجهة نظرهم ومن منطق قوتهم، لكن هل هذا التاريخ الذي سطره المنتصر وأينما كان وفي أي زمان وعلى اختلاف أنواعه وحقبه التاريخية هو من مقدساتنا التي لا تمس ولا يمكن التشكيك بها او حتى البحث في نسبة صحتها؟ أليس من البشاعة بمكان أن ينحاز التاريخ بيد كاتبه فيكتب الحقائق المشوهة بقوة سلطوية؟ اليوم في زمن العولمة وتعدد وسائل النقل للخبر من مرئية ومسموعة وتوثيقها من قبل عدة جهات وظاهرة المدونات بتنا الى حد ما نكتب تاريحنا بأنفسنا ومن أوسع الزوايا وأعمق الوعي، فلم يعد هناك مجالا لطمر الحدث والتعتيم عليه، بل بات بالإمكان ملاحقة الحقائق الناقصة، وتصحيح التحريف وملاحقة الانتقائية في التناول، وبات العالم قادرا على خرق تلك القوة المهيمنة للسلطات والتحالفات والمجاهرة برفضه لتاريخ مزور يقوم بطمس معالمه سلاطين المرحلة، بل بات بالإمكان إعادة رسمه بمنحى متسق مع رؤية المنتصر.
ان لتطور المعرفة الإنسانية ماديا وفكريا وروحيا دورا في تلمس تناقضات وملابسات التاريخ والبحث في موضوعيته وأصبح بإمكاننا أن نؤكد أن التاريخ عليه أن يكتب كما هو وليس كما يريده المنتصر؟ وذلك لا يتم بالبساطة التي نتخيلها بل هناك من عليه أن يجمع ويوثق ويبحث ويغرق بموضوعية الحدث، ونحن اليوم رغم ما توصلت إليه أدوات المعرفة ووسائلها نواجه نوع آخر من السيطرة على كتابة التاريخ بمنطق الأقوى، وهذا يعود الى ممارسات تقوم بها جهات تضلل التاريخ وتزور الحقائق عبر وسائل إعلامها وتكتلاتها وتحالفاتها، فالعالم مثلا يثق بما تقوله إسرائيل لا بما تقوله فلسطين، ويتعامل مع أبطال الحرب والموت في هذا الكيان الصهيوني على أنهم ابطال يرغبون بالسلام وحتى حين نرى آلياتهم تدوس أجساد الأطفال والشباب وتقتل وتأسر وتدمر وتتوسع بمستوطنات وتغتصب الأرض والحلم، نجد من يبرر لها ذلك بأنها تقوم بحماية نفسها من الإرهابين وتتحصن لتدافع عن مواطنيها رغم افراطها باستعمال القوة.
اذا نحن كعرب لا نكتب التاريخ الا بدمائنا ولا أمل لنا الا ان تمكنا من ايجاد منظومة اعلامية تحمل صوتنا وتعرف الغرب المتعاطف مع اسرائيل على حقيقتنا وحقيقة مأساة هذا الشعب وتوثق تاريخ اجرامهم وتاريخ جرحنا.


