فوزي بن يونس بن حديد –
نزلت سورة كاملة تتحدث عن الوسواس الخناس الذي يصيب بعض الناس، يتعوّذ منه الإنسان إذا وجد في نفسه نفثا من الشيطان، ولكنه يقف له بالمرصاد عند أداء العبادات أو التقرب إلى الله الملك المنان، يجنّد نفسه من أجل أن يبعدك عن خالقك لأي سبب من الأسباب التي يخفيها، ولكن أظهر القرآن الكريم ألاعيبه ومكره وخداعه، يأتيك من كل جانب إذا هممت لأداء فريضة، فالشيطان يأتيك عندما تحين الصلاة، لأن الصلاة عبادة روحية راقية فيها يتجلى الصفاء الروحي والارتقاء بالنفس إلى عالم الغيب، عندما يقف المرء بين يدي ربّه في خشوع تام، مشهد لا شك مهيب، يقاتل الشيطان من أجل أن يفسد عليك هذا اللقاء الجميل بينك وبين خالقك، فيأتيك عن اليمين وعن الشمال، ومن الأمام ومن الخلف، يتفحص المشهد، إن رأى العبد واقفا صامدا لا يتحرك ولا يلعب في صلاته ولا يهمه ما يدور حوله اكتأب الشيطان وحزن أما إذا وجد عيني المصلي ترفرف يمينا وشمالا ولا يطمئن لا في ركوعه ولا في سجوده اطمأن أن المصلي لا يجني من صلاته إلا التعب والشقاء ولا ترتفع فوق رأسه شبرا إلى السماء.
ندرك جميعا أن الشيطان مهمته الأساسية الوسوسة، وأنه لا يريد للإنسان الخير أبدا، لكن الواقع يدمي، ويبقى الإنسان أسير شهواته وملذاته، تجده مسرعا للقاء ربه، ومسرعا في لقائه وكأن جبلا من المسؤوليات ينتظره، لا أدري وأنا واحد منكم كيف يستبد الشيطان بنا، وأنا ذاهب لأداء الصلاة، وحينما أقف بين يدي ربي أتذكر ما لم أكن أتذكره من قبل، تأتيني الأفكار تترى وما يجب علي فعله، وأخطط لأمر كنت قد نسيته، ويبدأ الشيطان في المراوغة والإبعاد القسري عن مهمتي الروحانية، أتصارع معه كما لو أنه أمامي شاهرا سلاحه الفتاك وهو الوسواس الخناس، أحاول جاهدا إبعاده قدر ما استطعت في صلاة أصلّيها، أحاول التمعن في آيات الله واستحضار الموقف إلا أنه بين الفينة والأخرى يخرجني عن الصلاة ويحرجني، فأرجع إلى الجادة مرة أخرى، وهكذا يظل الصراع بيني وبينه إلى آخر الصلاة، ومن رحمة الله عز وجل بنا أن قال “فويل للمصلين الذين عن صلاتهم ساهون” ولم يقل في صلاتهم لأنه لو قال ذلك لهلكنا جميعا.
وسمّي الشيطان بالخناس لأنه يحاول إبعاد المسلم عن ذكر ربه، ويزين له الدنيا وراحتها وركونها، فيستلذ الإنسان بالنوم عند الأذان ويتلذذ بنعمة النوم العميق ويزيده الشيطان ثقلا، لذلك عندما ينام الإنسان يعقد عليه الشيطان ثلاث عقد، أفلح من انتصر عليه، إن هو قام حلّت عقدة، وإذا توضأ حلّت عقدة وبقي لديه أمل في أن يعيده إلى فراشه مرة أخرى، فإذا عزم الأمر للذهاب للمسجد بدأ يفقد توازنه وثقته في ذلك الشخص، وبدت عليه علامات الهزيمة، فإذا توجه المسلم بيقين إلى المسجد يذكر الله عز وجل متحديا الشيطان وسرابيله، حلّت العقدة النهائية، ولكن لا تنتهي مهمته عند هذا الحد سيظل يراوغه وهو في صلاته إلى أن يحصل على شيء وهدفه إغواء العبد.
ولكن إذا بقي الأمر عند هذا الحد فلا بأس ولكن الخوف أن يتطور الوسواس إلى ما يسمى الوسواس القهري، قد يصاب به المرء أحيانا فلا يهنأ بطهارته ولا بوضوئه ولا بصلاته، والمؤمن مطالب بأن يحصّن نفسه من الشيطان بقراءة القرآن والدعاء والابتهال ويبذل قصارى جهده من أجل التغلب على هذا الوسواس حتى يمارس حياته الطبيعية بأمان.


