يوسف القعيد –
أمي– يرحمها الله رحمة واسعة – هي التي طلبت من أحد أشقائي الاتصال بي في وحدتي العسكرية. لكي يبلغني بالخبر الحزين. ألا وهو وفاة عبد الحليم عبد الله. وحتى الآن لا أعرف كيف عرفت أمي الخبر مبكراً. بهذه الصورة. وكلما سألتها عن هذه المسألة المحيرة بالنسبة لي. قالت لي: هو أنا عقلي دفتر؟! ربما يكون الحدث الذي تسبب في وفاته. وقد جرت وقائعه في مدينة دمنهور. قد تسرب إلى قريتي بأي وسيلة من الوسائل. أو ربما تكون الإذاعة قد أعلنت وفاته. وكان في بيتنا مذياع. وإن كان الاحتمال الأول هو الأقرب إلى الواقع. خاصة أن أهالي قريتي- بالتحديد المتعلمون منهم- يعرفون صلتي بعد الحليم عبد الله.
كنت في ذلك الوقت- سنة 1970 بالتحديد– مجنداً في القوات المسلحة. وقررت الذهاب إلى قريته. لحضور الجنازة. كان إمام الجامع في قريتنا يقول إن تكريم الميت هو المشى في جنازته. أما صيوان العزاء الليلى. فهو أقرب للمنجهة الاجتماعية. ويكون الحضور فيه موجهاً لأهل الميت. أكثر من الميت نفسه. قررت أن أستقل قطار خط المناشى من محطة مصر. إلى كوم حمادة. وهو الأسهل والأسرع. لأنني إن قررت الوصول إلى كفر بولين من خلال الطريق الزراعي مصر- اسكندرية. سيكون هناك أكثر من تغيير في الطريق. وهو ما يمكن أن يعطل سفري.
كان من المفروض أن أكون في كفر بولين قبل صلاة الظهر. حيث تتحرك الجنازات بعدها. خرجت من وحدتي. غيرت ملابسي العسكرية بملابس مدنية. كان التغيير الوحيد في المواصلات في كوم حمادة. حيث ركبت من وحدتي في غمرة إلى باب الحديد. وفى باب الحديد بحثت عن أول خط قطار المناشى. وأخذته من باب الحديد في مصر حتى كوم حمادة. ومن كوم حمادة أخذت سيارة اجرة إلى كفر بولين. وهو ما فعلته بالحرف الواحد في رحلة العودة مساءً.
ولخط قطارات المناشى حكايات. وقد أصبح مركز اهتمام المصريين بعد ذلك بسنوات. عندما خرج الجياع واستولوا على حمولة القمح التي كانت في أحد قطارات البضاعة. وإن كانت لم تكتسب شهرة انتفاضة يناير 1977 مع أنها الحادثة الأخطر التي يبدو أنها مستوردة من الخارج أو من مشاهدة أفلام رعاة البقر «بالأبيض والأسود» التي كانت تعرض في مصر في ذلك الوقت.
فى طريق العودة توقف القطار الذى كان عدد ركابه أقل من أن يحصى أو يعد. وطلبوا منا النزول من القطار لإبعاد الرمال التي كانت قد غطت القضبان. ولأن خط القطار حوله صحراء من كل جانب. فما إن تهب أي رياح حتى تغطي الرمال خط القطار. ولا يستطيع القطار التحرك إلا بعد رفع الرمال عن القضبان. ولأن عمال الدريسة لا وجود لهم بين المحطات. فقد جرى العُرف أن يتوقف القطار. وينزل الركاب. ويقوموا بعمل عمال الدريسة الذين لا وجود لهم.
ورغم أن قدامى الركاب -الذين يستخدمون هذا الخط كل يوم- قد حذرونى قبل النزول من أن الرمال مليئة بالثعابين والعقارب والحيات. وقد خفت من كلامهم. لكن كان لابد من المشاركة في رفع الرمال. وإلا سنقضي الليل في هذا المكان الموحش. وفى هذه الحالة قد تهجم علينا الذئاب وحيوانات الصحراء. رغم وجود مديرية التحرير على الخط نفسه، وهي المساحة الصحراوية التي استصلحتها ثورة يوليو وحولتها لأرض زراعية، واستجلبت لها الفلاحين من القرى القريبة.
وأذكر أن عدداً كبيراً من فلاحي قريتي- معظمهم من أقربائى- قد هجروا قريتنا وسافروا إلى مديرية التحرير واستقروا بها حتى الآن، إلا أن مديرية التحرير وضجيج سكانها، ومشاكلها السياسية، لم تخفف من الإحساس بالوحشة عند استخدام خط المناشي يوم رحيل عبد الحليم عبد الله.
ولأنني قضيت سنوات عمري الأولى في قرية تقع بجوار النيل. حيث الأرض السمراء تحيط من كل جانب. تغطيها خضرة النباتات. فإن منظر الصحاري بالنسبة لي يبدو غريباً. وأتعامل معه باعتباره استثناء. الصحاري ليست الأرض البور الخالية من الزراعة. ولكنها الأرض التي تسكنها العقارب والثعابين والحيات. ومع هذا شاركت في رفع الرمال عن القضبان. لأن النهار كان قد ولى. ومقدمات المساء قد جاءت.
استغرق رفع الرمال وقتاً طويلاً. وقد تكرر رفع الرمال عن القضبان أكثر من مرة. مما جعلنا نصل إلى محطة مصر قرب انتصاف الليل. متأخرين عن موعدنا بساعات طويلة. وعندما شكوت للكومسارى. ذلك التأخير قال لي: يا أخي أنت تركب خط المناشي. هل تعرف ماذا يعني خط المناشي؟ وقبل أن أجيب قال: إنه الخط الذي يمكنك أن تشير لسائق القطار فيتوقف لك حتى تركب، لا التزام بمحطات ولا يحزنون.
أعود إلى الجنازة التي كانت عادية، لم يحضرها أحد من الأدباء، ربما لمحت في الجنازة من عرفت بعد ذلك أنه حمدي الكنيسي، القصاص ورئيس الإذاعة بعد ذلك، وابن إحدى قرى محافظة الغربية القريبة، التي أصبح نائباً في البرلمان عنها، وقد عرفت أنه متزوج من واحدة من بنات كفر بولين، وربما لمحت مأمون غريب، الصحفي والكاتب الذي تعرفت عليه فيما بعد أيضاً، وعرفت أنه من أبناء كفر بولين.
لم يشعر أحد بوجودي، ولم يعزم علي أحد سواء من أهالي المتوفى أو أهالي القرية بالغداء، رغم أننا نعرف في قريتنا، أن أهل الميت يكونون مشغولين بالحادث، لذلك فإن بعض أهالي البلد من أقربائهم، يقومون بعمل طعام يذهبون به إلى أهل الميت على شكل صوانٍ؛ حتى يعفونهم من إعداد طعامهم، أيضاً يقدمون الطعام لكل من يأتي من القرى المجاورة، بهدف المشاركة في العزاء.
ولأن العزاء في قريتنا كان يستمر ثلاثة أيام بلياليها، ويتطلب حضور معزين من البلدان الأخرى، فكان لابد من تقديم الطعام ثلاث مرات في اليوم. الأولى في الإفطار، والثانية في الغذاء، والثالثة في العشاء، وفى الإفطار لابد من تقديم الفطير المشلتت، الذى ارتبط بالعزاء والموت، لدرجة أنني عندما قلت لأمي ذات مرة إنني نفسي في الفطير المشلتت، فخبطت صدرها بشدة، واعتبرت أن معنى كلامي أنه سيموت أحد من أهلي، ومن يومها وأنا لا أحن لهذا الفطير المشلتت، وإن حدث الحنين فإنني أكتمه في نفسي، ولا أعبر عنه.
محمد عبد الحليم عبد الله. ميلاده: 3/12/1913، وفاته: 30/6/1970.


