إنها البلاد الآمنة

عبدالله بن سالم الشعيلي –

@ashouily –

هز رأسه علامة على الموافقة وارتسمت على ثغره ابتسامة عريضة وارتفع مستوى نظره كمن ينظر الى الكون الواسع بعدما جاءه جوابي بأنني من بلد اسمها عمان، فرد علي بدون كثير تردد إنها بلاد آمنة وسط محيط مضطرب يعوم في دوامة من الحروب والمشاكل ولديكم سلطان عادل وحكيم.

اندهشت قليلا من كلامه المقتضب الذي لخص فيه حال بلادي، فلم أكن أتوقع أن يكون على دراية بعمان وموقعها ناهيك عن سيرتها وسيرة حاكمها السلطان قابوس، خصوصا وأن قناعة كانت قد تولدت لدي ولدى البعض من أمثالي – كما أحسب- من أن المواطن الامريكي لا يهتم بأكثر من محيطه أو قطره الذي يعيش فيه، فلو سألته عن ولاية تجاوره فلن تستغرب أن يأتيك جوابه بأنه لا يدري عنها في أي كوكب هي أو أين تقع، فما بالك ببلد ناء يبعد آلاف الاميال عنه.

وجدت مثل هذه العبارة المعنونة لهذا المقال تتردد كثيرا على ألسنة الامريكيين عندما يأتي ذكر سلطنة عمان فهم يكنون لها الكثير من الاحترام والتقدير لشعبها وقائدها، فهي تذكرهم بما فعلته عمان وقائدها لهم كشعب أمريكي من سعيها لإطلاق سراح مجموعة من الاسرى الامريكيين المحتجزين في إيران ووساطتها التي تكللت بالنجاح بين بلادهم وايران لحل النزاع بين الدولتين حول البرنامج النووي الايراني يتبعها رفع تدريجي للعقوبات الغربية المفروضة على إيران.

الامريكيون أسهبوا في الحديث عن عمان وموقعها وحضارتها وتاريخها وأهميتها الدولية في الجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية والدينية من خلال ندوة عن عمان في القرن الواحد والعشرين واقيمت في قلب العاصمة واشنطن وبالقرب من مركز صناعة القرار الامريكي في البيت الابيض والكونجرس الامريكي.

في هذه الندوة تحدث الكثيرون عن تجاربهم في البلاد السعيدة كما أسماها من قبل برترام توماس، تحدثوا عن المقومات الحضارية والتاريخية الضاربة في القدم وعن علاقة عمان منذ العصور الساحقة مع بعض الحضارات القديمة كالحضارة الفرعونية والاغريقية عندما كانت تجارة اللبان رائجة بين المصدر لها ظفار وبين المستورد لها من المعابد والاديرة الفرعونية والاغريقية. ولعل أكثر ما شدني خلال هذه الندوة محاضرة لبروفيسور أمريكي أمضى أكثر من عام في ظفار يدرس صناعة المجمر أو المبخرة المستخدمة في احراق اللبان والبخور، والحقب التاريخية التي مرت بها هذه الصناعة مستشهدا بذلك بالمستكشفات التي تم العثور عليها في بعض الاماكن الاثرية في عمان وبعض دول العالم الاخرى، ومدى الاختلاف بين صناعة المجمر في كل منطقة من مناطق عمان الساحلية أو الداخلية ابتداء من مسندم مرورا بالمناطق الساحلية والداخلية وانتهاء بظفار التي تشتهر بصناعة هذا المجمر حتى هذا اليوم.

التاريخ العماني الحديث كان حاضرا وبقوة في واشنطن، حيث يؤرخ لبداية التواصل الحضاري بين العرب والولايات المتحدة بوصول أول سفير عماني عربي مبعوث من قبل السيد سعيد بن سلطان الى الولايات المتحدة وهو السفير أحمد بن النعمان الكعبي عندما قادته السفينة سلطانة في العام 1840 الى نيويورك في رحلة استمرت 78 يوما حملت خلالها الكثير من الهدايا مثل التمور والسجاد والعاج والتوابل.

مما لا يزال عالقا في ذاكرتي من تلك الرحلة التي اتاحت لي التعرف على شعب الولايات المتحدة هو الثناء الخالص الذي يكنه هذا الشعب لشخص جلالة السلطان ورؤيتهم له من أن حكمته وبعد أفقه واستيعابه لما يحدث في العالم هو ما صنع عمان اليوم بكل تفاصيلها وجنبها الكثير من المشاكل والحروب وجعلها تعيش في جو من السلام والمحبة والطمأنينة الداخلية والخارجية، وهو ما دفع جيمس زغبي مدير المعهد العربي الامريكي للتساؤل عن شخصية السلطان الفذة هل هي متمثلة في شخصه فقط أم انها انعكست على مؤسسات الدولة والمجتمع ككل في سلطنة عمان تلك البلاد الواقعة في أقصى الجنوب الشرقي من شبه الجزيرة العربية.