العزب الطيب الطاهر –
elazab1@gmail.com –
«بصرف النظر عما إذا كانت الخطوات الأوروبية الأخيرة بشأن الاعتراف بدولة فلسطين تنطوي على صحوة ضمير ظل غائبا أو بالأحرى مغيبا على مدى يزيد عن ستة عقود إلا أنها مثلت اختراقا لجدار الصمت الأوروبي المفروض على فلسطين وشعبها ومعاناته اليومية جراء أسوأ احتلال يشهده العصر الحديث»
لا شك أن ثمة ارتياحاً ساد الدوائر العربية جراء هذا التحول، عبرت عنه البيانات والتصريحات الرسمية لمسؤولين رفيعي المستوى كان آخر تجلياتهم الموقف الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية في اجتماعه الطارئ على مستوى وزراء الخارجية بالقاهرة يوم السبت قبل الماضي، ويمكنني الإشارة إلى جملة من الملاحظات الأساسية في المنظور العربي للخطوات الأوروبية حيال الاعتراف بدولة فلسطين:أولا: إن الأطراف العربية تثمِّن دون شك هذه الخطوات وتضعها في دائرة التجاوب مع الدعوات المتكررة من قبل الدكتور نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية للإسراع بالاعتراف بدولة فلسطين وهو ما كان واضحاً في لقائه مؤخراً مع سفراء دول الاتحاد الأوروبي مطالباً حكومات هذه الدول بأن تحذو حذو الخطوة التي أقدمت عليها الحكومة السويدية، خاصة أن هناك 135 دولةً في العالم تعترف بفلسطين كدولة حتى الآن وهي دول تهتم بأحكام القانون الدولي والعمل على عدم وجود مخالفات صارخة له وفق ما أكده العربي نفسه في اللقاء وذلك يعني أن تتم ترجمة مواقف البرلمانات في قرارات عملية على صعيد الاعتراف بدولة فلسطين والتي باتت في حاجة إلى هذا الاعتراف بحسبانه يصحح أوضاعاً تاريخيةً شكل فيها الانحياز الأوروبي لإسرائيل، مرتكزاً قوياً لمشروعها الاستعماري والاستيطاني في فلسطين وجعلها أكثر نزوعاً للعدوان على الرغم من تبني الجانب العربي السلام خياراً استراتيجيا، بل إن رئيس أكبر دولة عربية وهو الرئيس المصري الراحل أنور السادات أعلن في سبعينيات القرن الماضي أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب مع إسرائيل ومع ذلك لم تلتزم بذلك، بل شنت سلسلة من الأعمال العدوانية على فلسطين بضفتها وقطاعها ومارست أكبر قدر من العنف المفرط ضد شعبها، ناهيك عن أعمالها العدوانية في لبنان وسوريا، وفي تقديري فإن الدور العربي لا ينبغي أن يقف عند حدود الحث والإقناع للدول الأوروبية للاعتراف بدولة فلسطين سواء عبر برلماناتها أو حكوماتها ولكنه يتعين أن يمتد إلى التحرك على الأرض أفقياً ورأسياً من خلال إجراء اتصالات مع النخب السياسية والبرلمانية والرموز الإعلامية والدوائر المؤثرة في صناعة القرار داخل الحكومات الأوروبية، وليس ثمة ما يمنع من اللجوء إلى تنظيم حملات إعلامية ممنهجة ووفق المحددات العلمية لإحداث نوع من الاختراق في الكتل الخرسانية التي ما زالت تشكل حائط صد بالنسبة للحقوق الفلسطينية المشروعة، وفي مقدمتها حقه في إقامة دولته والمهيأة تماما للإعلان بحكم ما تمتلكه من مقومات وبنية أساسية ساهم الاتحاد الأوروبي بالنصيب الوافر في توفيرها من خلال المساعدات المقدرة التي قدمها للحكومة الفلسطينية.
ثانيا: إن المأمول من هذا التحول الإيجابي في المواقف الأوروبية أن يشكل ضغطاً على إسرائيل للتجاوب مع الجهود المبذولة إقليميا ودولية وبالذات أمريكيا لإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي برمته باعتبار أن فلسطين هي جوهر هذا الصراع ولا شيء غيرها، وحسب السفير محمد صبيح الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية لشؤون فلسطين والأراضي المحتلة فإنه يفتح سبيلاً حقيقياً للسلام في المنطقة والذي شكل تبني المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت في عام 2002 اللبنة الأولى في تشييد مراحله التمهيدية والتي كان حل الدولتين ومبدأ السلام الكامل مقابل الانسحاب الكامل من مرتكزاتها الأساسية، وحظيت بموافقة أغلبية دول العالم ما عدا إسرائيل التي لم تعر هذه المبادرة أي اهتمام جوهري حتى اللحظة، بل جاء رد حكومتها فور الإعلان عنها في بيروت، متجسدا في عدوان شديد الهمجية على الضفة الغربية ثم إعادة احتلالها ومحاصرة مقر الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وهو الحصار الذي انتهى بموته مسموما بتحريض من أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الزمان وإن كنت شخصياً أشك في إمكانية تجاوب إسرائيل مع أي جهد على هذا الصعيد وهو ما تعكسه مواقفها المتعنتة والتي أجهضت مبادرة جون كيري وزير خارجية أمريكا التي تمثل الحليف الاستراتيجي لها، بل والضامنة لوجودها وأمنها وبقائها، متمددة في المنطقة وصاحبة نفوذ وتفرد وخروج عن كل قواعد الشرعية الدولية والقانون الإنساني.
ثالثاً: ثمة قناعة بأنه حان الوقت الذي يتعين فيه أن تحظى دولة فلسطين باعتراف دولي مما يعطي شعبها الخاضع للاحتلال الاستيطاني والمقيم في ظل أقسى القيود ومختلف ألوان الحصار المادي والمعنوي والاختناق السياسي والاقتصادي، إمكانية أن تسكنه مساحة أمل وسط العتمة التي تفرضها إسرائيل عليه أرضاً وبشراً ومقدرات وفي هذا الصدد تأمل جامعة الدول العربية أن تكون الخطوات الأوروبية الأخيرة والمرتقبة خلال أيام بمثابة جرس إنذار لحكومة إسرائيل على نحو يجعلها تمتثل إلى إرادة وتوجه العالم، لأن الاستعمار لا بد أن ينتهي بأسرع وقت فضلا عن ذلك – والكلام للسفير محمد صبيح – فإن التضليل والخداع التي ظلت – وما زالت – تمارسه إسرائيل ينطوي على أضرار بالغة بمنطقة الشرق الأوسط في ظل حرص زعمائها على إشعال الحروب ونكران حقوق الآخر بها، كما أن العالم «مل» من سياساتها وانتهاكاتها للقانون والقرارات الدولية والاستهتار بالرأي العام العالمي والتطاول على أي دولة يطلب برلمانها الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
رابعا: إن الاعترافات الأوروبية بالدولة الفلسطينية تنطوي على عناصر دعم وإسناد للتحرك العربي المرتقب في مجلس الأمن الدولي والذي بدأت خطواته العملية هذا الأسبوع من خلال تقدم الأردن – وهي الدولة العربية العضو غير الدائم في المجلس – بمشروع القرار العربي الذي يتضمن تحديد سقف زمني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ومن ثم الإعلان عن دولة فلسطين المستقلة في غضون فترة تتراوح بين سنتين وثلاثة سنين، الأمر الذي حظي بالإجماع من قبل وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الطارئ الأخير بعاصمة مصر على الرغم من تحفظات أبداها بعضهم خاصة فيما يتعلق بإمكانية لجوء الولايات المتحدة لاستخدام حق النقض – الفيتو مما يجهض القرار العربي بل ويضربه في مقتل.
خامسا: يكفي ما يصيب الشرق الأوسط من اضطراب وفوضى وعدم استقرار بسبب استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية – وبالطبع العربية والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني والذي من حقه ككل شعوب العالم بأن يتمتع بحق تقرير المصير وهو أمر ليس هبة من أحد، وإنما هو حق مقدس نالته شعوب العالم جميعا ما عدا الشعب الفلسطيني الذي يعد آخر شعب ما زال يرزح تحت احتلال استيطاني بغيض، مما دفع وزراء الخارجية العرب إلى الحرص على التأكيد على استمرار العمل العربي المشترك لضمان الاعتراف الدولي بدولة فلسطين المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من يونيو 1967م خاصة من قبل الدول التي لم تعترف بها بعد لا سيما بعد حصولها على وضعية الدولة المراقب في الأمم المتحدة في عام 2012.


