وعود الدولة الفلسطينية هل تتحقق قريباً؟

عبدالله بن علي العليان –

alaliyan@gmail.com


لا يستطيع المفاوض الفلسطيني أن يحقق نجاحاتٍ سياسيةً قويةً في ظل الخلافات الحادة مع الأحزاب والقوى الأخرى في القضية الفلسطينية، حتى وإن عارضوا المفاوضات، فهذه الفصائل والقوى الأخرى، ورقة قوية في يد المفاوض الفلسطيني من خلال المفاوضات.

منذ انعقاد مؤتمر مدريد، والحديث عن الدولة الفلسطينية، مجرد طمأنة، ووعود بدولة لا تزال قابلة للحياة، وأصبح الآن وعد الرئيس الأمريكي جورج بوش مجرد طمأنة فقط وفق ما تريده إسرائيل، وكعادة الساسة الأمريكيين والإسرائيليين الذين حاولوا أن يعطوا آمالاً بدولة فلسطينية منذ سنوات، لكنها دولة من نوع آخر، دولة تختلج في النفس والأحلام، لكنها لا تكون على ارض الواقع، ومن ما ظهر في السنوات الماضية من خلال اللقاءات والاجتماعات عبر الشاشات المتلفزة، فقط الوعود والطمأنة والكلام الدبلوماسي المعتاد هو البارز على الساحة السياسية. والحقيقة أن الرئيس محمود عباس اعتقد أن الكلام الإيجابي عنه، ولبعض أركان السلطة الفلسطينية، وبأنهم معتدلون وغير متطرفين، وليسوا مثل بعض السياسيين الآخرين الذين يمثلون حماس والجهاد وغيرهما من الفصائل، فمن خلال هذا الإطراء ربما اعتقد الرئيس عباس انه سيحصل على المطالب الفلسطينية العادلة، منذ أكثر من عقدين إلى الآن، خاصة أن أحاديث وتصريحات المسؤولين الأمريكيين لم تتوقف عن الحديث عن هذه الدولة المقبلة التي تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل. وهو ما جعل السلطة الفلسطينية تتمادى في تصديق هذه الوعود حتى أنها تخاصمت مع حركة حماس وتزداد هذه الخصومة إلى حد القطيعة والافتراق بل والتقاتل أحيانا، لأسباب تعود الى الجانبين في الواقع. وهذا للأسف كان خطأً سياسياً واستراتيجياً كبيراً يضر بالقضية الفلسطينية. وكان الأجدى بالرئيس محمود عباس وهو السياسي المخضرم أن يدرك أن الخصومة مع حركة حماس لحد القطيعة -أيا كان الطرف المتسبب فيها- وإنهاء الاتفاقات بينهما، بعد تشكيل الحكومة المشتركة مع فتح برئاسة إسماعيل هنية سوف يسهم في التقليل من الورقة الضاغطة عند التفاوض مع إسرائيل وليس العكس، وهذا بدوره أسهم في جعل إسرائيل تراوغ وتتباطأ في الوعود وتمرير اللقاءات والاجتماعات للرأي العام الدولي بأنه جزء من التحرك السياسي بين الجانبين، وبأن المفاوضات قائمة بين السلطة وإسرائيل، بل إن تمادت في الأمر إلى حد أن الجنرال عاموس جلعاد رئيس القيادة السياسية الأمنية الإسرائيلية السابق، قال منذ فترة وجيزة إنه يستبعد أن يتم التوصل إلى سلام مع القادة الفلسطينيين قبل إعادة بسط سيطرة إسرائيل على قطاع غزة معرباً أن المفاوضات الجارية ويقصد مع السلطة الفلسطينية لوحدها بـ(مفاوضات نصف جسم). ويقصد أن السلطة الآن ضعيفة وأن حماس الآن هي الجسم الآخر الذي لا يسيطر عليه الرئيس محمود عباس وتعطي الكثير من التفسيرات والتأويلات!!هذا القول يبرز أن الخصومة التي لعبت إسرائيل في حدوثها بشكل أو بآخر تستخدمها إسرائيل الآن للهروب من استحقاقات السلام ومن قيام الدولة الموعودة. وهي ألاعيب مكشوفة ومتوقعة من ساسة إسرائيل عبر تاريخهم.صحيح أن الرئيس محمود عباس كان ثابتاً على القضايا الجوهرية الأساسية للحق الفلسطيني الثابت ولم يتراجع عنها في المفاوضات الماضية، لكن هل أن هذه المواقف الثابتة في ظل الانقسام الفلسطيني السياسي لن تعطي له الأرضية المناسبة للتفاوض والحصول على المطالب العادلة والتي حددها في النقاط الست وهي:

القدس، الحدود، قضية اللاجئين، الاستيطان، المياه، الأمن.

كل هذه المطالب إسرائيل لا تريد الحديث عنها بجدية وهي قضايا أساسية وجوهرية للسلام العادل الشامل..لكن هل إسرائيل تريد الحل الشامل والعادل؟ هنا مربط الفرس!! الواقع الذي نشاهده أن إسرائيل لا تريد حلاً كاملاً وتراهن على الظروف الدولية، وعلى الخلافات الداخلية الفلسطينية لعلها تجد فرصة لعقود قادمة دون حدوث الحل العادل الذي يسعى إليه الشعب الفلسطيني.

وقد أعرب الرئيس محمود عباس منذ عدة أسابيع عن تشاؤمه من قيام الدولة الفلسطينية، ومن الحل العادل الشامل في ظل الإدارة الأمريكية الحالية وفي ظل رئاسة نتانياهو للحكومة الإسرائيلية التي أوشكت على الرحيل.

وهذه التطورات الراهنة تتطلب المراجعة الكاملة لكل السياسات الداخلية للسلطة الفلسطينية والتي ترتبط ارتباطاً كبيراً بالمفاوضات والحلول المرتقبة والسياسات الخارجية القائمة.

والحكومة الأمريكية وهي المعنية بالمفاوضات وبوعد الدولة الفلسطينية المنتظر قيامها هذا العام، انشغلت بالأزمة الروسية – الأوكرانية والخلاف السياسي مع موسكو وتناست الحديث عن الدولة الموعودة وهو ما ظهر في الأسابيع الماضية. الحقيقة أن كل المراقبين المتابعين للشأن السياسي الفلسطيني يدركون أن الوعود والطمأنة التي أعطيت للرئيس محمود عباس مجرد تسكين للقضية الفلسطينية وليس الحل الذي يرغب فيه الفلسطينيون، وهذا ليس خافياً حتى على بعض السياسيين الفلسطينيين أنفسهم. فلماذا هذا التوهم والارتباك والتوتر في الوضع الفلسطيني الداخلي؟.

لا يستطيع المفاوض الفلسطيني أن يحقق نجاحات سياسية قوية في ظل الخلافات الحادة مع الأحزاب والقوى الأخرى في القضية الفلسطينية، حتى وإن عارضوا المفاوضات، فهذه الفصائل والقوى الأخرى، ورقة قوية في يد المفاوض الفلسطيني من خلال المفاوضات، وكنت أود أن يقول الرئيس عباس للولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي إنني كرئيس للسلطة أواجه معارضة داخلية شديدة لمفاوضات عديمة الجدوى، ولو أنني حصلت على ما اتفقنا عليه في المؤتمرات السابقة ومنحتمونا ما وعدتم به، فإن الشعب الفلسطيني سوف يلتف حول السلطة ويكسبها الشعبية، وسوف تراجع الأصوات المعارضة ويحل السلام محل الحروب والتوترات والاشتباكات، لكن هل إسرائيل مستعدة لهذا الطرح المنطقي والعقلاني والرغبة في السلام الحقيقي؟ هذا هو السؤال المطروح الآن، والورقة الرابحة للجميع في الوفاق الداخلي الثابت.