«يهودية» إسرائيل .. لوأد الاعتراف الأوروبي!

عماد عريان –


«من المفترض أن الاعتراف الرسمي السويدي بالدولة الفلسطينية المستقلة – وما تليه من خطوات برلمانية أوروبية – يمثل نقلة نوعية كبرى لصالح الفلسطينيين وقضيتهم إلا أن المناورات الإسرائيلية ستبقى عقبة كؤود لوأد أي خطوات إيجابية تالية»

أغلب الظن أن منطقة الشرق الأوسط مقبلة على تطورات مهمة ونقلة مختلفة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية على وجه الخصوص، وليس بعيدا عن ذلك الاعترافات العديدة من جانب عدد من البرلمانات الأوروبية المهمة بالدولة الفلسطينية المستقلة وتلك خطوات في منتهى الأهمية خاصة إذا ما انطلقت من دول بحجم ومكانة فرنسا وأسبانيا وبريطانيا بعد خطوة الحكومة السويدية الرسمية في هذا الاتجاه والتي كانت بمثابة عبور فوق كل الحواجز والموانع، وأيضا وسط توقعات بتصويت برلماني أوروبي جماعي في الأيام المقبلة لصالح الدولة الفلسطينية مما يعني أن هناك تهيئة للمسرح الدولي للقيام بخطوات مؤثرة ومهمة لتحريك هذا الملف الراكد بخطوات تجعل من إغلاقه أمرا ممكنا، وهو ما يصيب الكيان الصهيوني بحالة من الارتباك الهستيري.

وفي ملف سابق نشر في هذا المكان قبل عدة أسابيع تمت الإشارة في موضوع تحليلي إلى الهمجية الإسرائيلية لإجهاض الانتصارات الفلسطينية الدبلوماسية على الصعيد الدولي وكان على رأسها بالقطع الموقف الأوروبي الجديد الذي قد يساعد السلطة الفلسطينية على الذهاب إلى مجلس الأمن الدولي للحصول على اعتراف أممي صريح بالدولة الفلسطينية المستقلة التي تحظى بالفعل باعتراف عشرات الدول في مختلف أنحاء العالم.

ولكن هذا لا يعني أن القرار الدولي – أو حتى الأوروبي – بات في متناول الأيدي ومرد ذلك أساسا المناورات الإسرائيلية القائمة والجارية والمتوقعة فضلا عن حتمية تجاوز بعض العقبات أو المشاكل على الصعيد الأوروبي ذاته حيث ما زالت بعض المواقف الأوروبية تراوح مكانها في التعامل مع هذا الملف. فقد أرجأ البرلمان الأوروبي البحث في القرار الخاص بمبادرات برلمانات الدول الأعضاء بشأن الدولة الفلسطينية.

ويعكس هذا التأجيل خلاف الأوروبيين حول جدوى هذه الخطوة وتأثيراتها المحتملة على عملية السلام على حد قول بعض المحللين وذلك في محاولة للتوصل إلى توافق في الآراء وأيضا نتيجة عدم التوصل لمشروع النص المقدم وبناء على طلب الحزب الشعبي الأوروبي اليميني.

ولا شك في أهمية الخطوة المنتظرة من جانب البرلمان الأوروبي حيث تدخل في سياق مبادرات مماثلة، وبالرغم من أن توصيات البرلمانات الأوروبية غير ملزمة للحكومات، إلا أنها تكتسب أهمية معنوية كبيرة ويتضح ذلك في تصريحات الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي «فيديريكا موجيريني» التي دعت إلى بلورة مبادرة أوروبية لحل الصراع في الشرق الأوسط، بالتعاون مع مجلس الأمن، وبالتوافق أيضا مع المبادرة العربية وقالت المسؤولة الأوروبية أمام جلسة عامة للبرلمان الأوروبي في ستراسبورج مؤخرا: «أضعنا على أنفسنا مبادرة السلام العربية عام 2002، ولهذا لا بد من العمل في إطار إقليمي ودولي لحل الصراع مع ضرورة توجيه رسالة أوروبية موحدة للأطراف المعنية في المنطقة، إذا أراد الاتحاد لعب دور فعال في حل الصراع بالمنطقة».

وأشارت موجيريني إلى أن تنظيم «داعش» بات يشكل خطرا على السلام في المنطقة وباقي أنحاء العالم وهذا التطور يمكن أن يحفزنا على تشكيل جبهة موحدة لمواجهة الخطر ولتعزيز فرص الاستقرار. وهو ما أكدنا عليه في مقال سابق بأن رغبة الدول الغربية في مكافحة الإرهاب وتشكيل تحالف دولي لمواجهة «داعش» تصب بالتأكيد في مصلحة الطرف الفلسطيني. وفي سبيل ذلك ترى مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية «أن المفاوضات المباشرة هي الطريق الوحيد المؤدي إلى حلّ على أساس الدولتين وانه عندما نتحدث عن ذلك فيجب الاعتراف بحق إسرائيل بالوجود وبحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم».

ويتأكد هذا التوجه أيضا حتى مع تباين آراء البرلمانيين الأوروبيين إزاء مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية حيث الرغبة في حل الصراع على أساس الدولتين من خلال عودة الطرفين إلى المفاوضات المباشرة.

وقد نبه رئيس مجموعة حزب الشعب الأوروبي الألماني «إيلمار بروك» خلال المناقشات إلى خطورة وجود أطراف فلسطينية وإسرائيلية لا تريد السلام، إلا أنه شدد على ضرورة وجود اعتراف مشترك بدولة إسرائيل ودولة فلسطين. ورأت مجموعة الاشتراكيين الديمقراطيين أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية أمر يندرج في إطار موقف أوروبا الداعم لحل الدولتين، وأكدت النائبة في هذه المجموعة الفرنسية ماريا آرينا أن الاعتراف بالدولة الفلسطينية ليس مكافأة بل حق، لأنه ضمانة «للعودة إلى المفاوضات ودفعة إلى الأمام من أجل كسر الجمود الحالي». ويشاطر آرينا موقفها هذا، وزير الخارجية الفرنسي «لوران فابيوس» بتأكيده أن «الدولة الفلسطينية ليست امتيازا بل حق».

كما قال النائب الاشتراكي «ريتشارد هويت»: إن الاعتراف بالدولة الفلسطينية سيساعد على كسر الجمود في أفق تحقيق حل الدولتين وتجنب فصل عنصري جديد. أما البرلماني «فيلفيو مارتيشيلو»، من مجموعة حزب الشعب (إيطاليا)، فقد شدد على ضرورة أن يدين الاتحاد الأوروبي كافة أعمال العنف سواء في الأراضي الفلسطينية أو إسرائيل..

بل إن «إيلي برنافي» السفير الإسرائيلي السابق في فرنسا يتبنى هذا الرأي حيث شجّع مؤخرًا على تبنّي هذا القرار، وصرّح بأن الضغط السياسي والأخلاقي سيعبّر عن الرأي العامّ في أوروبا أمام حكومات غير قادرة على الاتفاق على موقف مشترك ودائمًا في ذيل الولايات المتّحدة وأنه ما من بادرة ستأتي من الإسرائيليين أنفسهم ولا من الفلسطينيين دون ضغط سياسي خارجي قوي من أجل رسم الحدود الواضحة وتحديد العوامل وإجبار الطرفين على الاعتراف بها ولن يكون هناك سلام في هذه المنطقة من العالم إلا بذلك.

ومن مجمل هذه التصريحات يبدو أن هناك رغبة حقيقية من جانب الأوروبيين لإصلاح ما أفسدوا في حق الفلسطينيين والعرب على مدار قرن كامل من الزمان خاصة أن أصل الصراع تم تصديره من أراضيهم، ويبدو أنه قد آن الأوان من جانبهم كي يصبحوا جزءا من الحل وهم الذين دوما كانوا جزءا من المشكلة وتفاقمها بل وجمود مفاوضات السلام، وتظل هناك – رغم ذلك – آراء أوروبية متحفظة خاصة على مستوى السلطة التنفيذية فالمستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» على سبيل المثال انتقدت هذه التحركات، وقالت: إن الاعتراف أحادي الجانب بدولة فلسطينية لن يدفعنا في طريق حل الدولتين وأنه من الأفضل التركيز على مساعي السلام والمضي قدما في المحادثات بين إسرائيل والفلسطينيين، ولكن أغلب الظن أن مواقف ميركل وغيرها من المحافظين لن تحول دون تبني موقف أوروبي موحد لفترة طويلة لأن العجلة قد دارت بالفعل على طريق تحقيق الطموحات الفلسطينية وأيضا الرغبات الدولية في إغلاق هذا الملف المهين للإنسانية جمعاء.

ولكن مكمن الخطورة الحقيقي يبقى في الكيان الصهيوني الذي لا يرغب في سلام حقيقي أو تسوية تؤدي لقيام دولة فلسطينية مستقلة فهناك قلق إسرائيلي متزايد تجاه تلك التطورات. وليس أدل على ذلك من تأكيد صحيفة «يديعوت أحرونوت» بأن القلق يزداد داخل أروقة الحكومة الإسرائيلية من احتمال اعتراف برلمان الاتحاد الأوروبي بالدولة الفلسطينية وأن الحكومة الإسرائيلية تبذل كل جهد مستطاع بغية إحباط القرار المتوقع صدوره عن البرلمان.

وتشير تقديرات وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى وجود كتلتين من اليسار الأوروبي تدعمان التصويت لصالح مشروع قرار الاعتراف بدولة فلسطينية، مما دفع المندوب الإسرائيلي في مؤسسات الاتحاد الأوروبي «دافيد فلتسير» ومسؤولين إسرائيليين لإجراء لقاءات عاجلة مع مستشاري الكتل اليسارية الأوروبية في محاولة لإلغاء مشروع قرارهم وإجهاض توجهاتهم.

ولا تنفصل تلك التحركات الصهيونية المريبة والمغرضة عن قرار حل الكنيست ودعوة «بنيامين نتانياهو» لانتخابات تشريعية جديدة في مارس المقبل في سبيل إضاعة الوقت والقيام بمزيد من المراوغات والمناورات ولكن الأخطر من ذلك هو السعي الصارم نحو إعلان «يهودية» الكيان الصهيوني مما يجرد العرب داخل إسرائيل من حقوقهم ويفتح الباب أمام «ترانسفير» جديد، ولكننا لا نستبعد أن ينقلب السحر على الساحر ويهدم نتانياهو المعبد على رأسه لمحاولته وأد المبادرات الأوروبية والتملص من استحقاقات السلام بأساليب عفى عليها الزمن، ولكن أيا كانت تحركاته والنتائج المقبلة فالظروف والزمن يلعبان لصالح الفلسطينيين ودولتهم المستقلة واستمرار الصمود الفلسطيني والعربي هو كلمة السر لتحقيق الطموحات الفلسطينية سواء توالت الاعترافات الأوروبية أو انحسرت.