محمد الشحري –
في الوقت الذي ترحب فيه بعض الدول العربية بالوفود الاسرائيلية رغم عدم وجود علاقات رسمية بينهما، فإن مقاطعة اسرائيل تزداد في العالم بفضل تأثير الرأي العام وتعرفه على عنجهية وعنصرية اسرائيل وممارساتها اللاأخلاقية بحق الشعب الفلسطيني واحتلال أراضيه منذ العام 1948، ويعود الفضل في تنامي الوعي العالمي بمأساة الفلسطينيين إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على المتلقي الغربي، الذي كان مرتهنا في السابق لإعلام تقليدي يهيمن عليه رأس المال اليهودي المؤيد لسياسات الكيان، يقدم في أخباره الشعب الفلسطيني على أنه إرهابي ومعتد على اليهود في مقابل تصوير الاسرائيلي على أنه الضحية المدافعة عن وجودها في فلسطين، وعندما تحررت المعلومة بفضل وسائل الإعلام الحديثة وصارت في متناول الجميع، تغيرت قناعات الفرد في الغرب وأصبحت متحررة من التضليل الإعلامي، ناهيك عن عولمة ثقافة حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير المصير.
إن من يتابع حركة مقاطعة اسرائيل في العالم سيلاحظ أنها ترتفع بشكل تصاعدي في مجالين مهمين بالنسبة للكيان الصهيوني، وهما قطاعا الاقتصاد والثقافة، إذ بنت اسرائيل وجودها على ثلاثة ركائز أساسية هي العلم والإعلام والمال، وكلها تندرج ضمن قطاعي الاقتصاد والثقافة، مما يعني أن المقاطعة ناجحة حين تهتز قواعد الكيان، أضف إلى ذلك وفي الشأن السياسي فقد وصلت حملات الحشد والتأييد إلى الاتحاد الأوروبي، إذ كشفت صحيفة (هارتس) الاسرائيلية في شهر نوفمبر الماضي النقاب عن قيام الاتحاد الأوروبي بإعداد سلسلة من العقوبات الاقتصادية ضد إسرائيل، في ضوء تعنتها ببناء المزيد من المستوطنات، مما يعني أن الخسارة في المجال السياسي باتت شبه مؤكدة.
كما دعت حركة مقاطعة اسرائيل لتحقيق العدالة ( BDS) التي انطلقت عام 2008 من فيلادلفيا، وتطالب بفرض حظر اقتصادي على اسرائيل، إلى مقاطعة عدد من العلامات التجارية بسبب دعمها لإسرائيل وهذه الشركات تعمل الآن في بعض الدول العربية.
وفيما يتعلق بمقاطعة اسرائيل ثقافيا فقد قررت منظمة (ميسا) التي تعتبر واحدة من أهم الاتحادات البحثية العالمية، مقاطعة اسرائيل أكاديميا، وهو الأمر الذي أثار قلق رؤساء الجامعات الاسرائيلية كما نشرت ذلك صحيفة (يديعوت أحرنوت)، وقس على ذلك امتناع العديد من المثقفين من الفنانين والكتاب والصحفيين من التوجه إلى تل أبيب.
هكذا تتقدم مشاريع مقاومة الاحتلال الاسرائيلي سلميا في الغرب، أما على المستوى العربي فقد قاطعت الدول العربية المصالح الاسرائيلية منذ العام 1945، وأسست مكتب مقاطعة الدول العربية لإسرائيل، لكن تلك المقاطعة لم تكن بتلك القوة والتأثير المطلوبين بسبب تراخي بعض الدول في تطبيق قانون المقاطعة إما بسبب إقامة علاقات دبلوماسية مع اسرائيل، أو الدخول في اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، والتي أنهت المقاطعة إلى الأبد.
ويتضح أن الأنظمة العربية لا تستطيع مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني، بسبب هيمنة اللوبي اليهودي على صانع القرار في البيت الأبيض، التي تفرض رأيها على العديد من الأنظمة في المنطقة، ولذلك فإن المقاومة الشعبية للتطبيع هي الخيار الأبقى والممكن والذي ثبت نجاحه في الغرب، والحقيقة أن مقاومة التطبيع باقية في ضمير الشعب العربي ويتجلى ذلك من خلال انسحاب الرياضيين العرب من مقابلة اللاعبين الاسرائيليين في العديد من المسابقات الرياضية، وفي دولنا الخليجية فإن مقاومة التطبيع بدأت تتشكل عبر مبادرات شبابية في المقام الأول، يمكن أن تتوسع وتتفاعل مع بقية مؤسسات المجتمع المدني لمقاومة التطبيع وتفعيل المقاطعة الشعبية، ومن أهم المؤسسات التي يجب أن تصطف مع هذه الجهود الشبابية الجمعيات المهنية مثل جمعيات الصحفيين والكتاب والفنانين إضافة إلى المحامين والنقابات أيضا، وهذا أقل ما يمكن أن يفعله المواطن العربي في مساندة الشعب الفلسطيني.


