هشام منور –
كاتب وباحث –
ربما شكلت خطوة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو حل حكومته غير المتجانسة، والتي يغلب عليها طابع التنافس والحساسية منذ تشكيلها، «صدمة» للمراقبين الذين رأوا في الخطوة تهديداً للاستقرار داخل الكيان الإسرائيلي، في ظل ما تعيشه المنطقة من اضطرابات وتجاذبات سياسية وأمنية، لكن الخطوة التي أقدم عليها نتانياهو وهو يدرك أبعادها ومآلاتها، لم تكن كذلك بالنسبة للرجل الذي يعتبر نفسه وريث «ملوك إسرائيل» وأحد آخر رجالاتها الأقوياء.
الانتخابات العامة في «إسرائيل» والتي تقرر إجراؤها في السابع عشر من مارس المقبل تغيب عن معاركها أي قضية مركزية يمكن أن تتصارع من أجلها الأحزاب الإسرائيلية المختلفة، والتي تشكل أطيافاً متعددة للون سياسي واحد يكاد يهيمن على المشهد السياسي الإسرائيلي.
لقد حدّد رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو المحور الذي ستدور حوله حملته الانتخابية، بإعلانه أن الانتخابات ستكون حول من يدير الدولة، كأنها ستكون بمثابة «استفتاء عام» على شخصه، على الرغم من أن الانتخابات لرئاسة الحكومة ليست مباشرة، إنما للأحزاب التي يفوز زعيمُ أكبرها عادةً بمهمة رئاسة الحكومة.
قال نتانياهو في اجتماع كتلة حزبه البرلمانية، إن الانتخابات المقبلة ستدور حول سؤال واحد فقط، هو من يقود الدولة ويواجه التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية، «ولأجل ذلك نحن بحاجة إلى ليكود يحصل على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية ليتمكن من إدارة شؤون الدولة».
يحاول نتانياهو إذن الاختباء وراء شعار حزبه الليكود لتمرير الاستفتاء على شخصه السياسي في ظل هيمنة الحزب اليميني وحلفائه على الكنيست الحالي، وعدم وجود أي بوادر إزعاج مقبلة أو محتملة من أحزاب تعارض نهجه السياسي، لكن ضاق ذرعاً بأشخاص الحكومة التي من المفترض أن تتحالف لقيادة الحكومة، ويريد تكريس نفسه ملكاً على الكيان المتآكل على الساحة الداخلية.
وكان نتانياهو بدأ معركته بإقالة زعيمي «يش عتيد» و«الحركة» الوزيرين يئير لبيد وتسيبي ليفني من الحكومة بداعي محاولتهما التآمر على رئيس الحكومة، والإكثار من انتقاداتهما الشديدة لحكومته، تبعتها استقالة سائر وزراء «يش عتيد»، ما استدعى جميع الأحزاب للاتفاق رسمياً على حل الكنيست والذهاب إلى انتخابات مبكرة في 17 مارس لمقبل.
وردت ليفني على نتانياهو باتهامه بإطلاق «تصريحات هستيرية» وأنه شخص «لا ينطق بالحقيقة، وهذا طبعه»، ووصفته بـ «الجبان، يخاف العالم ويخاف الوزراء والمتطرفين في حزبه وحكومته».
يرى مراقبون أن «انهيار» الحكومة الحالية على خلفية خلافات شخصية بين نتانياهو وعدد من وزرائه لا على أجندة سياسية أو خلفية أيديولوجية، دفع إلى تحويل المعركة المقبلة «شخصية»، خصوصاً بعدما فقد رئيس الحكومة «الورقة الرابحة» التي لوّح بها في المعركتين الانتخابيتين السابقتين، المتمثلة بـ «الهدوء الأمني»، وذلك في أعقاب العدوان على غزة، وتدهور الوضع الأمني في القدس المحتلة منذ الصيف الماضي. فضلاً عن ذلك، يدرك نتانياهو عجز معسكر الوسط واليسار عن التوافق حول مرشح منافس له، فيما تفيد استطلاعات الرأي بأن نحو نصف الإسرائيليين ما يزالون يرون فيه المرشح الأنسب لهذا المنصب، بفارق 30 في المائة عن مرشح الوسط واليسار زعيم حزب العمل إسحاق هرتسوج.
يسعى نتانياهو إذن لإخراج حزب الليكود في الانتخابات المقبلة أكبر الأحزاب أصواتاً لينال الترشح (بدعم أحزاب اليمين) لرئاسة الحكومة. وأكد استطلاعان جديدان للرأي أن تكتل اليمين المتشدد سيواصل السيطرة على غالبية مقاعد البرلمان، إذ يحصل الليكود على 22 مقعداً (18 في الكنيست الحالية) يليه «البيت اليهودي» الأكثر تطرفاً بزعامة نفتالي بينيت مع 17 مقعداً، أي بزيادة خمسة مقاعد، ثم «إسرائيل بيتنا» بـ10-12 مقعداً، ليشكلوا معاً 51 مقعداً (من مجموع 120). ويتوقع أن ينضم إليهم الحزبان الدينيان المتزمتان «شاس» و«يهودوت هتوراه» مع 15-17 مقعداً.
تعني هذه الأرقام أن مهمة تشكيل نتانياهو حكومة يمينية متطرفة (رابعة برئاسته وثالثة على التوالي) تبدو سهلة. وحكومة كهذه ستعود إلى أجندة حكومات اليمين الأكثر تطرفاً، فتزيد موازنة الأمن وتعزز الاستيطان في أنحاء الضفة الغربية وقد لا تتردد في بحث ضمها إلى «إسرائيل»، وتصعد القمع تجاه فلسطينيي 1948.
في المقابل، تتراجع شعبية أحزاب الوسط الثلاثة، خصوصاً «يش عتيد» برئاسة يئير لبيد (من 19 مقعداً إلى تسعة)، و«الحركة» بقيادة تسيبي ليفني (من ستة مقاعد إلى أربعة)، وحزب «العمل» الذي قاد الحكومة الإسرائيلية أربعة عقود (من 15 إلى 13 مقعداً فقط)، ويختفي «كاديما» تماماً.
وتوقع الاستطلاعان أن تذهب المقاعد التي تخسرها هذه الأحزاب إلى الحزب الجديد الذي شكله الوزير السابق الذي انسلخ عن حزب الليكود موشيه كحلون وتبنى أجندة اجتماعية (10-12 مقعداً)، فيما ارتفعت أصوات داخل أحزاب الوسط الثلاثة لتشكيل قائمة مشتركة تشكل نداً لأحزاب اليمين، إلا أن احتمالات ذلك تبدو ضعيفة.
هي محاولة جديدة لخلط أوراق اللعب من قبل نتانياهو ربما تجد طريقها إلى النور والنجاح مجدداً، لكنها خطة تبدو أقرب إلى التحرر من أعباء الوزر السياسي وتحمل مسؤولية كافة القرارات التي من المتوقع أن تكون هامة وخطيرة خلال الشهور المقبلة، لا سيما مع اقتراب حدوث تبدل استراتيجي في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية بعد أن باتت إقالة وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل شماعة لتبرير التغيير العسكري الاستراتيجي المقبل.


