فيرجسون تروي قصة أمريكتين

عاصم عبدالخالق –

assem@ahram.org.eg –


ثورة الغضب التي اجتاحت المدن الأمريكية في الأسبوع الماضي، بعد تبرئة شرطي أبيض كان قد قتل شابا أسود، نكأت جراحا لم تندمل لدى الأمريكيين السود حول حقوقهم المدنية ونزاهة النظام القضائي والعنصرية والعدالة الغائبة. التناقضات في المجتمع الأمريكي قضية مهمة أخرى فجرتها الأحداث ضمن كل تلك القضايا التي أعادت التذكير بها.

فكما أن الولايات المتحدة هي جنة الحريات وأكبر الديمقراطيات على وجه الأرض فهي أيضا دولة الظلم والاضطهاد الذي جسدته حادثة فيرجسون حيث قتل شرطي أبيض في أغسطس الماضي الفتى الأسود مايكل براون (19 عاما) من غير أن يكون مسلحا ودون أن يهاجمه.


ازدهرت الحضارة الأمريكية الحديثة وقامت على أساس مبادئ وقيم راقية من العدل والمساواة واحترام حقوق الإنسان، وهو ما جعل من الولايات المتحدة القوة الأعظم في العالم وعبر التاريخ الإنساني. ولكن ماضي وحاضر هذا البلد يمتلآن بفصول مرعبة من الظلم والاضطهاد والقتل والعنصرية. الضحايا كانوا وما زالوا من السود، وقبلهم السكان الأصليين أي الهنود الحمر.

تعايشت أمريكا مع ماضيها وحاضرها بكل تناقضاتهما. ولم يكن الظلم مقابل العدل، والسلام مقابل القتل، والاحتواء مقابل الاستئصال أو الإبادة هي التناقضات الوحيدة في شخصية الولايات المتحدة. فقد ظلت دولة المتناقضات جميعها. هي أرض الفرص الواعدة والثراء الفاحش وهي أيضا بلاد الضياع والإحباط والفقر المر، دولة القيم الرفيعة والرذائل الممقوتة. الحديث عن أمريكا يتطلب أولا أن نحدد عن أي الأمريكيتين نتكلم. أهي دولة المساواة والديمقراطية التي انتخبت بأغلبيتها البيضاء رئيسا أسود من أب أفريقي مسلم؟ أم هي تلك الدولة التي لم تتطهر بعد من عنصريتها القديمة والتي تقتل شرطتها سنويا من السود ضعف ما تقتل من البيض بلا سبب واضح في أغلب الأحيان.

للوهلة الأولى يبدو غريبا أن يشكو السود من الاضطهاد والعنصرية بينما ساكن البيت الأبيض من أبناء جلدتهم. غير أنه لا يوجد تفسير لذلك سوى أنها هذه هي أمريكا. انتخاب أوباما جسد الاعتدال في الشخصية الأمريكية، ومقتل الفتى الأسود كشف عن العنصرية القابعة في نفوس جانب من مواطنيها.

لهذا فإن الاحتجاجات التي فجرتها تبرئة الشرطي القاتل لن تكون الأخيرة، لأنها لم تكن ردا على هذه الواقعة فحسب بل هي احتجاج على أوضاع عامة كثيرة ومظالم متراكمة يشعر بها السود، وتفجير لغضب كامن في صدورهم منذ عقود طويلة. لدى السود احتياجات وشكاوى لم تنجح الحكومات المتعاقبة في مواجهتها حتى في ظل حكم رئيس أسود.

التعامل القاسي، إن لم يكن العنصري، من جانب الشرطة واحدة من تلك الشكاوى المريرة. وتثبت الإحصائيات الرسمية أنهم على حق في شكواهم إذ يموت من السود داخل مراكز الاحتجاز أو خلال الاعتقال أربعة أمثال من يموتون في الظروف نفسها من البيض.

ولا تتوقف مظالمهم عند المعاملة الأمنية غير المنصفة لكنها تمتد إلى مجمل المعاملة التي يلقونها والحقوق التي يحصلون عليها من الدولة بصفة عامة. ويقدم مستوى الرعاية الصحية نموذجا واضحا للتمييز الذي يشكو منه السود. وعلى سبيل المثال فإن معدل وفيات الأطفال الرضع بين السود يزيد مرتين ونصف المرة عن مثيله بين الأطفال البيض. بينما يقل متوسط أعمار السود بنحو 6 سنوات عن البيض.

أما على المستوى الاقتصادي فإن مشكلة التمييز تبدو أكبر وأشد قسوة. وفي دراسة لمركز بيو الشهير تبين أن ثروة الأسرة البيضاء في المتوسط تبلغ 91 ألفا و405 دولارات سنويا، بينما ينخفض هذا الرقم للأسرة السوداء الى 6446 دولارا فقط. وهو ما يبين عمق الفجوة في مستوى المعيشة بين الجانبين. وللعلم فقد زادت هذه الفجوة ثلاث مرات خلال الأعوام الـ25 الأخيرة.

وتحكي الإحصائيات المتاحة جوانب أخرى من قصص الظلم في الولايات المتحدة، فمنذ عام 2007 انخفض دخل الأسرة في الطبقة المتوسطة من السود بنسبة 15.8% بينما لم يتعد الانخفاض 6.3% فقط بين البيض، وبلغ 11.8% بين الأمريكيين المنحدرين من أمريكا اللاتينية و7.7% بين ذوي الأصول الآسيوية، أي أن السود يقبعون في قاع السلم الاجتماعي.

مشكلة الباحثين عن عمل بدورها تعكس هذه المظالم وتؤججها في الوقت نفسه، حيث يظل معدل الباحثين عن عمل بين السود ضعف معدله بين البيض. ووفقا للأرقام الرسمية فإن نسبة الباحثين عن عمل عموما تبلغ نحو 8.1% وترتفع هذه النسبة بين السود وحدهم إلى 13.8%. الغريب أن هذا الوضع يبدو أشبه بالمرض المزمن وهي حقيقة نبه إليها أستاذ اقتصاد أمريكي يدعى الدكتور «فيلمر ليون» والذي أوضح أنه في عام 1968 كان معدل الباحثين عن عمل العام 4% ومعدلها بين السود 8% أي أن حظوظهم التعسة من فرص العمل ما زالت بمعدلها النسبي نفسه عند المقارنة مع البيض.

ليس غريبا بعد ذلك أن تكون نسبة الفقر بين السود 27.4% بينما تنخفض على المستوى القومي الأمريكي الإجمالي الى 15.1%. ولن يكون غريبا أيضا أن يكشف عالم آخر هو الدكتور توماس شاميرو أستاذ علم الاجتماع والسياسات العامة بجامعة «برانديز» أن الفجوة بين البيض والسود في الثروة تضاعفت ثلاث مرات منذ 1984 وحتى 2009.

الأخطر من كل تلك الأرقام أن المجتمع الأمريكي لا ينظر بجدية كافية إلى هذه الأزمات بتداعياتها الأمنية والسياسية والاجتماعية. وتلك في حد ذاتها أزمة أخرى يعاني منها المجتمع الذي يبدو منقسما إلى حد كبير عندما يتعلق الأمر بقضايا التمييز العنصري والشكاوى المرتبطة بها.

وقد كشفت استطلاعات الرأي هذه الحقيقة حيث بينت أن البيض والجمهوريين منهم على نحو خاص اعتبروا بأغلبيتهم أن المظاهرات التي فجرتها مشكلة فيرجسون تتعلق بالاحتجاج على قتل الفتى الأسود في شهر أغسطس الماضي ثم تبرئة الشرطي الأبيض الأسبوع الماضي. وأن الأمر لا يزيد على هذا الحجم.

غير أن معظم السود وأغلبية من الديمقراطيين رأوا في الاحتجاجات تعبيرا عن أزمات أكبر بكثير من جريمة القتل أو قرار المحلفين في المحكمة. واعتبروا أن المشكلة أعمق وتتعلق بالحقوق المدنية والتمييز على أساس اللون، والمظالم المختلفة التي يعاني منها السود في الولايات المتحدة.

في كل الأحول تظل هذه هي أمريكا ومن يريد أن يتعامل معها ويفهمها لا بد أن ينظر إلى وجهيها معا.