عماد عريان –
منذ نشأته قبل أكثر من ثلاثين عاما ابتعد مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى حد كبير عن أسلوب الصدمات أو المفاجآت الصارخة في التعامل مع قضاياه الداخلية والتطورات الجارية إقليميا ولعل ذلك من ضمن الأسباب التي حافظت على لحمته حتى اليوم.
جاءت قمة الدوحة الأخيرة لتؤكد استمرار هذا المنهج الذي يتدرج في التعامل مع المواقف والأحداث الجارية أو الناشئة وفقا لمقتضى الحال بعيدا عن المغامرات غير المحسوبة، ولكن القمة بمقدماتها وفعالياتها وبياناتها الختامية أكدت مجددا أن الهاجس الأمني هو الأقوى على الإطلاق في مسيرة المجلس الخليجي وأنه لا يزال العنصر الأهم في تجمع الدول الخليجية للاتفاق على رؤية موحدة من شأنها درء الأخطار الجسيمة التي تحيط بها من كل جانب بل وتتصاعد يوما بعد آخر، وليس في هذا ما يعيب أو يستوجب الملاحظة النقدية لأن الظروف التاريخية التي تأسس في ظلها المجلس عكست في وقتها أيضا ضرورات أمنية فرضتها حرب الخليج الأولى بين العراق وايران (1980 – 1988) وتبنت خلالها دول المجلس من مواقف ما يتفق وضرورات حماية الأمن الوطني الخليجي.
واستتبع ذلك تشكيل قوة درع الجزيرة وهي أقرب ما تكون إلى قوة تدخل سريع ولكنها ظلت رغم أهميتها تفصيلة محدودة في منظومة الأمن الخليجي المشترك، وبرغم ذلك فقد بقيت مظلة العمل المشترك تحت دوافع الهاجس الأمني هي الأكثر بروزا بمواقف واضحة في عمليات درع الجزيرة وعاصفة الصحراء لتحرير الكويت (1990 -1991) ثم الغزو الأمريكي للعراق (2003) وكذلك الملف النووي الإيراني بكل مشاكله وتعقيداته إقليميا، وبلا شك فقد فرضت الضرورات ذاتها أجندة أمنية أكثر عملانية على قمة الدوحة، وأغلب الظن – وهذا مجرد تحليل أو استنتاج وليس طرحا معلوماتيا – ان المصالحة الخليجية التي أمكن تحقيقها في قمة الرياض التمهيدية وجعلت نجاح قمة الدوحة أمرا ممكنا بنيت أساسا على مثل هذه الضرورات والدوافع الأمنية، فليس خافيا أن اعلان الرياض التصالحي هو في جوهره برنامج للنوايا الطيبة وليس نتيجة تراكمات سياسية أوسلوكية تبرهن على تبدل حقيقي في المواقف والتوجهات التي كانت سببا في أصعب أزمة تعرض لها المجلس في عام 2014.
وربما كان هذا الدافع لكثير من المحللين وأيضا السياسيين للحديث عن نجاح المجلس في تجاوز الصعاب بالحفاظ على العوامل (الزمكانية) التي تمكن الدول الأعضاء من الحفاظ على دورية قمم واجتماعات المجلس وفقا لما هو مخطط لها حسب الجداول الزمانية والمكانية المقررة سلفا، وإذا صحت هذا التحليلات بعيدا عن مظاهر التهويل والتهوين فانها بلا شك تكرس نظرية «أضعف الإيمان» في العمل السياسي أو غيره من برامج وحدة المصير، وتلك آفة العمل العربي المشترك حيث وصلنا – خاصة في اجتماعات جامعة الدول العربية – إلى اعتبار دورية الإنعقاد أو حتى الإجتماع «بمن حضر» هو نجاح في حد ذاته، ولا محل هنا الآن أو من السابق لأوانه الحديث عن اسقاط مثل هذه التحليلات على العمل المشترك لمجلس التعاون الخليجي، حيث لا تزال فاعليته واضحة وقدرته على اتخاذ خطوات حاسمة أو يمكن البناء عليها قائمة دون خلل، أي أن حيوية المجلس لاتزال مستمرة حتى وإن لم يستطع بشكل تام الخروج كلية من العباءة الأمنية نحو المجال الأوسع للتكامل أو للاتحاد الجماعي رغم امتلاكه لكل المقومات اللازمة لتحقيق هذا الحلم من تناسق سياسي واجتماعي وثقافي وتراثي ولغوي وديني واجتماعي واقتصادي.
والغريب في هذه الإشكالية أن الهاجس الأمني الذي يعد أقوى رابط يجمع بين دول الخليج العربية ربما كان هو ذاته العنصر المعطل لاستكمال مسيرة الاتحاد في القطاعات الأخرى، وتلك ليست مسألة محيرة كثيرا لأن سببها الأساسي في الغالب هو مبدأ الأولويات، فدول الخليج العربية تعيش منذ أواخر السبعينيات في القرن الماضي – وتحديدا منذ نجاح الثورة الإيرانية في إطاحة الشاه الراحل وإعلان الدولة الإسلامية – حالة من التوتر الأمني المرتبط بالعوامل الإقليمية المحيط بعيدا عن أحوالها الداخلية وجعلتها بالفعل منطقة لا تنام على حرير، فعلى مدار خمسة وثلاثين عاما تعيش المنطقة حالات من الفوران الأمني والعسكري بداية من الثورة الإيرانية ثم الحرب الإيرانية – العراقية بتكاليفها المرهقة ماليا وبشريا وتنمويا وأمنيا ثم الغزو العراقي الغاشم وغير المبرر للأراضي الكويتية وما استتبع ذلك من عمليات عسكرية لتحرير الكويت وحصار صدام لسنوات طويلة حتى اقصائه وتدمير بلاده عام 2003، وطوال تلك السنوات لم تسلم دول خليجية خاصة السعودية والكويت من عمليات إرهابية وتخريبية عديدة استنزفت الكثير من الأرواح وأيضا الكثير من الموارد.أضف إلى ذلك مخاطر إقليمية أخرى قائمة بالفعل وتبدو مرشحة للتصعيد مثل الملف النووي الإيراني.
وبرغم أن دول الخليج العربية كانت بعيدة عن تفاعلات الربيع العربي وأيضا لم تكن مستهدفة بأحداثه أو مخططاته في الأمد المنظور على الأقل إلا أنها لم تسلم كثيرا من تبعاته وتداعياته فأصابتها بعض شظاياه وحممه فظهرت بعض حالات التوتر والتذمر محدودة الزمان والمكان ولكن أمكن احتواؤها بتدخل سريع وبعمل أمني مشترك لإعادة الأمور إلى طبيعتها مثلما جرى في أحداث ميدان اللؤلؤة بالمنامة أو ببرامج إصلاح مالية واجتماعية في دول أخرى لتحسين الظروف المعيشية الشاملة للمواطنين وزيادة مدخولاتهم وتحمل الكثير من النفقات عنهم خاصة في مجالي الخدمات الصحية والتعليمية حتى ولو كان ذلك على حساب الميزانيات المالية للدولة، وبذلك أمكن لدول الخليج أن تبطل مفعول أي عوامل داخلية لتكرار مظاهر الربيع العربي على أراضيها، ساعدها على ذلك إمكاناتها الاقتصادية المستقرة والوفورات المالية المتراكمة بفعل عوائد النفط المرتفعة عبر السنوات الماضية، وأيضا بفضل المنظومة الأمنية القوية القائمة داخل مجلس التعاون.
إلا أن شظايا الربيع العربي التي طالت دول الخليج العربية لم يكن مقدرا لها أن تقف عند هذا الحد، فمع تحول هذا الربيع الى خريف وهواجس مروعة بدأت التبعات الهائلة تلقي بظلالها على المنظومة الأمنية خاصة وأن دول مجلس التعاون أخذت على عاتقها مهمة القيام بدور فاعل فيما يحدث في الأمة العربية من تطورات لأنها ما كانت تستطيع الوقوف ساكنة أو تغض الطرف عما يحدث حولها بحكم أن ذلك عاجلا أو آجلا – وفقا لرؤية محللين وسياسيين خليجيين – سيلقي بظلال قاتمة على الدول الخليجية ولذلك كانت المبادرة الخليجية بالتدخل في دول الربيع العربي هي محاولة جديدة لحماية منظومة الأمن الخليجي بغض النظر عن مدى التوفيق أوعدم التوفيق المصاحب لتلك المبادرات خاصة وأنها أخذت أشكالا متعددة حسب كل حالة، فالتدخل الخليجي في مصر لم يكن هو نفسه في ليبيا أوسوريا أو العراق أو اليمن وحتى في الحرب على (داعش) ولكن يبقى الهدف واحد وهو حماية الأمن الخليجي في مواجهة الأخطار المحيطة وإن تعددت السبل وأختلفت الوسائل. وبذلك يتأكد التوجه الذي فرض نفسه على قمة الدوحة مرة أخرى، ألا وهو الهاجس الأمني، وهو أمر منطقي في ضوء الظروف والعوامل السابق رصدها وشرحها، ولم يكن مستغربا في ضوء ذلك أن تكون الجوانب الأمنية التي تم الحديث عنها في البيان الختامي هي الأبرز والأهم في قمة الدوحة خاصة ما يتعلق بالقوة البحرية المشتركة وأيضا خطوات إقامة القيادة العسكرية المشتركة أو الموحدة، فتلك انجازات حقيقية أو مؤكدة على أرض الواقع، وبرغم أهميتها في مسيرة العمل الخليجي المشترك إلا أن مجلس التعاون بات بالفعل مطالبا بتفعيل البرامج الأخرى على أرض الواقع سواء المرتبطة بالامور الداخلية أوالمتعلقة بالمواقف الخليجية تجاه مجمل القضايا العربية وتحويلها من بيانات مكتوبة إلى برامج تنفيذ عملي حتى لا يظل المجلس أسيرا للهواجس الأمنية فقط وحتى لا يصل إلى مرحلة الإشادة بقدرته على الحفاظ على دورية انعقاده من حيث الزمان والمكان فحسب، وهذا أضعف الإيمان كما سبق الذكر.


