التحديات الداخلية والخارجية بعد قمة الدوحة

أحمد سيد أحمد –


«شكلت القمة الخليجية الـ35 التي عقدت بالدوحة نقطة تحول مهمة في احتواء الخلافات التي طرأت على البيت الخليجي هذا العام بعد قرار السعودية والإمارات والبحرين سحب سفرائها من قطر نتيجة ارتباطها بمواقف سياسية وتباينات في المواقف»

. عكس قرار عودة السفراء مرة أخرى، والبيان الذي صدر عن القمة، فلسفة مجلس التعاون الخليجي التي ترتكز على أن وجود الاختلافات هو أمر طبيعي، وأن المجلس كمؤسسة، استمرت لأكثر من 33 عاما، قادرة على احتواء أية خلافات طارئة وعدم السماح لها بأن تتجاوز سقفا معينا، وهذا سر نجاح مجلس التعاون من بين التجارب الوحدوية العربية، فاستمرار المجلس وانعقاد القمة الخليجية هو إنجاز بحد ذاته.

لكن رغم الإنجازات الكبيرة التي تحققت عبر مسيرة المجلس سواء في الجانب الاقتصادي، بإقامة منطقة التجارة الحرة وإقرار الاتحاد الجمركي واتخاذ العديد من الخطوات على طريق الوحدة الاقتصادية، أو على الجانب السياسي في استمرار التنسيق وتوحيد المواقف إزاء الأخطار الخارجية، إلا أن هناك حاجة لمزيد من الخطوات حتى تتوافق مع طموحات وآمال مواطني مجلس التعاون في تحقيق الوحدة الكاملة، والارتقاء بمستوى التنمية الاقتصادية، وتزداد أهمية هذه الجهود في ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها مجلس التعاون الخليجى الداخلية والخارجية وعلى المستويات السياسية والاقتصادية.

تحديات خارجية:هناك العديد من التحديات الخارجية الأمنية السياسية والاقتصادية ومنها:

أولا: التحديات الأمنية الناجمة عن استمرار وضع البيئة العربية المضطربة، خاصة بعد ثورات الربيع العربي واندلاع الأزمات والصراعات في العديد من دوله مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا والصومال، وتتجاوز تلك الدول لتمثل مصدر تهديد للأمن والاستقرار في المنطقة العربية ككل، خاصة مع ارتكاز هذه الصراعات والأزمات على أسس دينية وطائفية، وكذلك تصاعد خطر التنظيمات الإرهابية المتطرفة كأمثال تنظيم داعش وجبهة النصرة وتنظيم القاعدة فى جزيرة العرب وغيرها، ومحاولات تلك التنظيمات تجنيد أعداد من الشباب العربي للانخراط والقتال في صفوفها، بما يمثل تهديدا للأمن القومي لدولهم، وهو ما دفع السعودية ودول المجلس إلى تصنيف هذه التنظيمات كمنظمات إرهابية وتجريم الانضمام إليها. وفي ظل غياب أفق للتسوية السياسية والخروج من دوامة العنف المستعرة في تلك الدول، فإن التحدي هو كيف يمكن لدول مجلس التعاون احتواء هذه الأخطار ومنع امتداد مخاطرها إلى دول المجلس، وكيفية المساعدة في تسوية هذه الأزمات بطريقة سلمية تحفظ وحدة واستقرار هذه الدول، وتوقف دوامة العنف والقتل والتدمير والإرهاب فيها.

ثانيا: تحدي حل مشكلة البرنامج النووي الايراني بطريقة سلمية، بما يضمن عدم انتشار الأسلحة النووية فى المنطقة والدخول في سباق للتسلح النووى، فبرغم المحادثات الجارية بين مجموعة الخمسة زائد واحد وإيران، والتي توحي بتغليب الحل السلمي والتوصل لأي اتفاق في نهاية المطاف، ومارست سلطنة عمان دورا إيجابيا كبيرا فيها، إلا أن هناك تخوفات من فشل تلك المحادثات، كذلك تخوفات من تزايد الدور والنفوذ الإيرانى فى المنطقة، خاصة في العراق وسوريا، ، ولذلك فإن التحدي هو كيف يمكن تسوية هذا الملف بطريقة سلمية تفضي إلى إقامة علاقات جيران بين إيران والدول العربية والخليجية تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتحويل التوتر إلى تعاون واستقرار في مصلحة شعوب المنطقة، لذلك من المهم أن تقدم طهران الضمانات التي تطمئن دول المنطقة، وتزيل الشكوك حول التفاهمات التى قد تنتج من إبرام صفقة في الملف النووي وربطه بالقضايا والأزمات فى المنطقة.

ثالثا: تحدي انخفاض أسعار النفط إلى 60 دولار للبرميل، وما يحمله من تداعيات سلبية على الكثير من اقتصاديات دول المجلس التعاون الخليجي، التي تعتمد بشكل كبيرا على تصدير النفط كمصدر رئيسي للدخل والميزانية، ويؤثر سلبا على الخطط التنموية لتلك الدول. ورغم أن الكثير من دول المجلس، ومنها السلطنة اتخذت خطوات مهمة لتنويع مصادر الدخل القومي عبر تنويع القاعدة الاقتصادية والإنتاجية وعدم الاعتماد على النفط كمصدر أساسي للدخل، بما قد يعرضها للمخاطر، نظرا لتقلب أسعار النفط وارتباطها بعوامل خارجية، مثل وضع الاقتصاد العالمي وحالة الاستقرار في المنطقة، وبالفعل أقامت عمان العديد من المناطق الصناعية المهمة التي ساهمت بشكل كبير في تدعيم الدخل القومي وتوفير فرص العمل، إلا أنه مع ذلك فإن التحدي هو كيفية بلورة إستراتيجية خليجية موحدة إزاء الانخفاض في أسعار النفط وتوفير البدائل المختلفة لاحتواء تداعيات هذا الانخفاض، والتحرك الناجح لإعادة ارتفاع الأسعار إلى مستوياتها السابقة التي تتجاوز المائة دولار للبرميل، وذلك من خلال التنسيق فيما بين دول المجلس، وفيما بينها وبين دول أوبك المصدرة للنفط.

تحديات داخلية:هناك العديد من التحديات الداخلية التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجى وأبرزها:

أولا: تحدي تسريع وتيرة مسار العمل الوحدوي الاقتصادي، واستكمال بقية الخطوات لإنجاز الوحدة الاقتصادية الخليجية وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين دول المجلس بما يلبي تطلعات الشعوب الخليجية، وبما يعكس الإمكانيات والمقومات الكبيرة التي تمتلكها دول المجلس ويؤهلها لتبوؤ مكانة عالمية، وجعله من أنجح التجارب التعاونية العربية وأكثر استقرارا ومؤسساتية. ورغم أن دول المجلس حققت 80% من عناصر الوحدة الاقتصادية، وتضاعف حجم التجارة البينية بين دول مجلس التعاون نحو 20 مرة منذ 1983، حيث كان حجم التبادل التجاري وقتها خمسة مليارات دولار حتى وصل إلى 47 مليار دولار سنة تأسيس الاتحاد الجمركي المشترك في 2003، وواصل ارتفاعه ليصل إلى 92 مليارا في 2013، متوقعا أن يكون حجم التبادل التجاري بنهاية العام الجاري 2014 نحو 97 مليار دولار. إلا أنه مع ذلك فإن التحدي هو كيفية إزالة العقبات والتحديات التي تحول دون الإسراع فى استكمال مسيرة التعاون الخليجي، وكذلك مشروع العملة الموحدة، واتفاقية الجمركية الموحدة، وإنجاز مشروع سكة حديد الخليج في موعده بحلول عام 2018.

ثانيا: التحديات الأمنية، ففي ظل المخاطر الناجمة عن الإرهاب فى المنطقة، فإن هناك حاجة لمزيد من التعاون والتنسيق الأمني بين دول المجلس، وإرساء التكامل الدفاعي بين دول الخليج، ورغم أن القمة الخليجية الأخيرة اعتمدت قرار مجلس الدفاع المشترك بشأن إنشاء قوات بحرية موحدة تحمل رقم 81، كما اعتمدت ما أقره وزراء الداخلية بمجلس التعاون في نوفمبر 2014 فيما يتعلق ببدء العمل بجهاز الشرطة الخليجية ومقره في العاصمة الإماراتية أبوظبي، لكن تظل حجم الأخطار الأمنية الناجمة عن الصراعات وحالة عدم الاستقرار وتصاعد الإرهاب فى المنطقة بحاجة إلى تكثيف التعاون الأمني بين الدول الخليجية، سواء من الناحية الاستخباراتية أو تقوية قدرات دول المجلس العسكرية والأمنية لاحتواء ومواجهة التهديدات الحالية.

ثالثا: التحديات الاجتماعية والاقتصادية المتمثلة فى استكمال خطوات إحلال العمالة المحلية محل العمالة الأجنبية الوافدة، والتي تحمل مخاطر على التركيبة الديمغرافية لبعض دول المجلس، إضافة إلى ما قد تفرزه من مشكلات أمنية، وبالفعل قطعت دول المجلس، مثل عمان والسعودية والكويت، خطوات كبيرة فى إطار سياسات التعمين والسعودة والتكويت، لإحلال العمالة الوطنية بدلا من العمالة الأجنبية الوافدة، وتوفير فرص العمل لأبناء الدول الخليجية، والقضاء على مشكلات البطالة، والتحدي هنا هو استكمال تلك السياسات وتشجيع الشباب الخليجي على الانخراط في العمل المهني والقطاع الخاص، خاصة في ظل التجارب العديدة الناجحة للمشروعات الصغيرة في دول المجلس.

ورغم التحديات العديدة الداخلية والخارجية التي تواجه مجلس التعاون الخليجى، إلا أن تجربة المجلس أثبتت قدرته على الصمود وسط العواصف والتحديات التي واجهها عبر مسيرته، ورغم الإنجازات الكبيرة والضخمة التى حققها المجلس على الصعيد التنموي والسياسي والأمني، إلا أن هناك المزيد من الخطوات والجهود التي ينبغي اتخاذها لاستكمال مسيرة المجلس، وتعزيز دوره الاستراتيجي والإقليمي في المنطقة في حل الصراعات والأزمات العاصفة ببعض دوله، خاصة الأزمات في اليمن والعراق وسوريا وليبيا، وفي ظل تراجع دور الجامعة العربية حاليا مع حالة الانقسام التى تشهدها الدول العربية وانكفاء دول الجامعة على أزماتها الداخلية، فإن الرهان الآن على مجلس التعاون الخليجى ليكون قاطرة العمل العربي المشترك، وصاحب الدور الفاعل والمؤثر في معالجة الأزمات العربية، ومواجهة التهديدات والتحديات العديدة خاصة مع استمرار العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطينى، وتزايد المخاطر والتحديات الخارجية والداخلية.