السماء الثامنة: رحلة على رحلة محاولة – لاستكشاف أدغال إفريقيا عبر كتابات أوروبية (1)

عاصم الشيدي –

لا أخفي أنني كنت أبحث عن فرصة مناسبة لزيارة المهجر العماني، أو كما يحلو للبعض تسميته اليوم بالأندلس العماني المفقود. فلم أصل رغم بعض القراءات إلى فهم السر الحقيقي الذي أخفاه العمانيون القدماء عندما اختاروا التوجه جنوبا في هجراتهم لا شمالا ولا شرقا، ولا حتى غربا رغم أنها تبدو أيسر بكثير. ولا التحديات التي واجهتم في طريق تلك الهجرات وتاليا إقامة إمبراطورية كبرى في شرق ووسط إفريقيا. وأكاد أجزم، رغم كل الدراسات، أن تاريخ عمان في منطقة شرق ووسط إفريقيا يحتاج إلى دراسة أوسع وإلى تتبع الوثائق المحلية في تلك البلدان والوثائق الغربية التي يمتلكها المستعمر الأوروبي والتي يمكن أن تقول أشياء مختلفة. صحيح أن الحقائق الأخيرة بدأت توضح أن الكثير من كتابات الغرب والرحالة منهم على وجه التحديد تفقد بعض المصداقية وتنسب للأوروبيين ما لم يفعلوه خاصة في مسألة الكشوفات الجغرافية، وعلاقة كتابها بأجهزة المخابرات العالمية الاستعمارية، لكن هذا لا يعني إهمال تلك الوثائق بشكل مطلق. لا أستطيع القول أن هناك ندرة في معالجة التاريخ العماني في تلك المناطق والأدغال ولكن سأكون متيقنا عندما أقول إنني لم ألتفت إلى قراءاتها بشكل أكثر جدية. وعندما جاءتني دعوة هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية للمشاركة معهم صحفيا، في أعمال المؤتمر الثالث حول الحضارة والثقافة الإسلامية والدور العماني في دول البحيرات العظمى الإفريقية المقرر المقام في جمهورية بوروندي وافقت على الفور رغم علمي بظروف البلد ورغم الحديث الطويل عن الأمراض المعدية والفتاكة المنتشرة في تلك الأصقاع والأدغال. وعندما عرفت التفاصيل قلت إن 50 بحثا خلال أربعة أيام، رغم كثافتها، يمكن أن تعطي تصورا شاملا عن المنطقة وتاريخها من وجهة نظر علمية أكاديمية وليست من وجهة نظر قد تبدو شفوية يغلب عليها التوجه الأسطوري.

ووجدتني ذات ظهيرة في مطار مدينة بوجومبورا العاصمة البوروندية أجر حقيبة سفر ملأى بالأحلام وبالأسئلة التاريخية والسياسية والثقافية ولا فرق بينهم كثيرا في دولة مثل بوروندي حيث تتداخل التصنيفات كثيرا، وكنت متطلعا لمحاولة فهم لغز عميق لا إجابة له شافية حتى الآن. بدت المدينة للوهلة الأولى هادئة كثيرا، ولولا حفاوة الاستقبال لاعتقدنا أنها خالية من السكان. وشعور الهدوء رافقني لأسبوع كامل في هذه المدينة وكذلك في ضواحيها البعيدة. حاولت وأنا أسير باتجاه فندق «رويال بلاس» الذي نزلت فيه بالقرب من بحيرة تنجانيقا العظيمة أن أستذكر بعض تفاصيل حرب أهلية عظيمة دارت رحاها في هذه الميادين والساحات وعلى مدى عشر سنوات كاملة بين قبائل «التوتسي» التي تشكل أقلية في بوروندي وبين قبائل «الهوتو» التي تشكل الأغلبية. ويبدو أن مصير كل الدول التي ما زالت تحاول تجريب الديمقراطية أن تقع في نفس الفخ.. عندما فاز ملكيور ندادي بأول انتخابات ديمقراطية عقدت في بوروندي عام 1993 وهو أول رئيس للجمهورية من أغلبية الهوتو لم تقبل الأقلية بذلك، وبعد ثلاثة أشهر فقط استطاع ضباط من قبائل التوتسي «الأقلية» أن يسقطوا طائرة الرئيس في انقلاب لم يكتب له النجاح، إذ شبت حرب أهلية طاحنة على الفور راح ضحيتها أكثر من 300 ألف إنسان. وشهدت المنطقة أحد أسوأ المذابح في التاريخ البشري. إلى أن وقع اتفاق سلام مطلع القرن الحالي (2003) بين قوات الدفاع عن الديمقراطية المنتمية لعرق الهوتو، وحكومة الرئيس بيير بويويا بوساطة نائب رئيس جنوب إفريقيا جاكوب زوما.

أحاول أن أفهم من هذا الهدوء أن كل ذلك ذهب إلى طي النسيان، وأن ضجيج الفوضى والحروب الأهلية تحولت إلى ضجيج سياسي يبدو غالبا ظاهرة صحية. والغريب في هذه البلاد أن الذي يشغل منصب الوسيط بين الحكومة وبين الشعب «منصبه يعادل منصب نائب رئيس الجمهورية» هو مسلم اسمه د. محمد خلفان روكارا رغم أن المسلمين لا يشكلون أكثر من 15% فقط. ولعله اعتراف بالحكمة والإسلامية ورسالة السلام التي يتبناها المسلمون.

لكن هذا الهدوء لم يدم طويلا، فلم تمض أكثر من 24 ساعة حتى تحول كل ذلك الهدوء إلى ضجيج وحراك، لكنه هذه المرة ليس بين «التوتسي» وبين «الهوتو» ولكنه بين العمانيين الذين عادوا إلى بوروندي وبين سكان دول البحيرات العظمى الإفريقية.. كان ضجيجا علميا وبحثيا هذه المرة ولكنه كان كفيلا بتحويل صباحات ومساءات المدينة إلى حراك بناء.

تساءلت في قرارة نفسي وأنا أرى ذلك العدد الكبير من الباحثين والأكاديميين المشاركين في المؤتمر من السلطنة ودول البحيرات العظمى ومن دول عربية عدة مثل مصر والأردن والسودان والجزائر وتونس والمغرب ومن دول أوروبية عدة ما هي الأهداف التي يمكن أن يقدمها هذا المؤتمر، غير تلك التي يمكن أن تضع لي الكثير من الإجابات على أسئلتي الكثيرة.

لكن الذي يتبين أن أوراق العمل الـ50 كان يمكن لها أن تقدم أيضا دراسة لتاريخ الحضارة والثقافة الإسلامية والدور العماني في هذه المنطقة الملتبسة من العالم. على أن تلك الدراسة التي تطرحها أوراق العمل تشمل تاريخ المنطقة السياسي والحضاري والاقتصادي والاجتماعي.

لكن بعد كل تلك الأوراق والمحاضرات والمناقشات الهادئة أحيانا والحادة أحيانا أخرى لا أستطيع القول أنني وصلت إلى الكثير من الإجابات، وليس ذلك مشكلة في الندوة على الإطلاق بل لأن الأسئلة الكبرى لا يمكن أن تكون أجوبتها في سياقات سريعة وبسيطة. لكن المجمل أنني أستطيع القول بأنني استمعت إلى الكثير من المعلومات والكثير من وجهات النظر حول هذه المنطقة المجهولة من العالم والتي اختارها العمانيون ليمموا وجوههم شطرها ويبقى بعضهم فيها إلى النفس الأخير.

ليس من السهل أن أستعرض هنا خمسين بحثا، وكل بحث يصلح أن يكون كتابا وحده «حاولت القيام بهذا الأمر خلال التغطيات اليومية للمؤتمر» ولكن أجدني أنحاز إلى بحوث بعينها، وهي هنا ثلاثة، حاولت أن أبحث فيما كتبه الرحالة والمستكشفون الغربيون عن منطقة البحيرات العظمى والدور العماني. واخترت بحثا للدكتور أحمد بن إبراهيم الكندي وحمل عنوان «التمازج الحضاري العماني الإفريقي في منطقة البحيرات الإفريقية العظمى من خلال كتابات الرحالة والمستكشفين الغربيين» وهو بحث طويل وشامل. أما البحث الثاني فهو للدكتور سليمان بن سالم الحسيني وحمل عنوان «العمانيون وشرق إفريقيا في بعض الدراسات الغربية المعنية بالشأن الإفريقي»والبحث الثالث للجزائري الدكتور بن نعيمة عبد المجيد وحمل عنوان «العمانيون في شرق إفريقيا من خلال وثائق وكتابات فرنسية: قراءة في الأبعاد التاريخية».

وصلت الكشوف الجغرافية الأوروبية أقصى مداها خلال القرن التاسع عشر، وفي سنة 1826م كان المكتشف الإنجليزي ألكسندر جوردون لاينج، أول أوروبي يصل إلى تمبكتو، وهي مركز تجاري في المنطقة التي تعرف بمالي حاليا، وزار المكتشف الفرنسي رينيه كاليه تمبكتو عام 1828 ثم قام بعبور الصحراء الكبرى.

وأدى البحث عن منبع النيل الأبيض إلى التوصل إلى المزيد من الاكتشاف الأوروبي لشرقي إفريقيا. وفي عام 1858م وصل المكتشفان البريطانيان ريتشارد بيرتون وجون هاننج سبيك إلى بحيرة تنجانيقا، التي تشكل جزءًا من الحدود بين كل من زائير وتنزانيا،وكان ديفيد ليفنجستون هو أول أوروبي يصل إلى نهر الزمبيزي في فترة الخمسينات والستينات من القرن التاسع عشر الميلادي. ومن أبرز الرحالة الغربيين الذين سبقوا أو عاصروا ليفينجستون وستانلي للقارة الإفريقية جيمس بروس وهو أسكتلندي حصل في عام 1768م على تصريح من الحكومة البريطانية لكي يبدأ رحلته إلى إفريقيا للبحث عن منابع النيل، حيث كان بروس يعمل قنصلا لبريطانيا في الجزائر، توجه إلى الإسكندرية قادما من الجزائر وأثناء وجوده في مصر حصل على خطابات توصية من عدد من أصحاب النفوذ المصريين إلى الشخصيات المهمة في سواحل البحر الأحمر.

وكذلك المستكشف بيرتون وسبيك. وفي منبع النيل وبالقرب من المساقط يوجد عمود من صوان رمادي اللون يحمل لوحا مكتوبا عليه: «وجد سبيك منبع النيل». ولكن كيف نجح سبيك في الوصول إلى منبع النيل؟

قصة اكتشاف المنابع الاستوائية كما يوردها الدكتور الكندي في بحثه الشيق تتلخص في عدة نقاط بدأت باللقاء بين ريتشارد بيرتون وجون هاننج سبيك في لندن، حيث كانا يعملان في الجيش البريطاني في الهند واتفقا سويا على القيام برحلة إلى شرق إفريقيا والتوغل منها إلى الداخل، وفي نهاية عام 1856 سافرا إلى جزيرة زنجبار ومنها اتجها إلى الساحل الشرقي لإفريقيا عن طريق البحر ووصلا إلى بلدة تابورا على الساحل حيث قابلا بعض التجار العرب وأكثرهم من العمانيين وتعرفا منهم على الكثير من أسرار المناطق الداخلية المجاورة لساحل شرق إفريقيا والتي كان العرب يعرفونها قبل الأوروبيين.

وبعد ذلك تابعا سيرهما حتى وصلا إلى بحيرة تنجانيقا، وقد تخلف بيرتون عن صاحبه بسبب عدم استطاعته مواصلة السفر، في حين أن سبيك تابع سيره باتجاه الشمال ووصل في أغسطس من عام 1858م إلى الشاطئ الجنوبي للبحيرة التي أطلق عليها اسم بحيرة فيكتوريا، بالتالي نجح سبيك في اكتشاف أهم نقطة في المنابع الاستوائية وفك بذلك لغز منابع النيل.

وعاد سبيك لزميله ورجعا إلى ساحل شرق إفريقيا ومنه اتجها إلى زنجبار، ثم أبحرا باتجاه عدن ثم إلى بريطانيا، وحدث خلاف علمي بينهما فسبيك أصر على أن بحيرة فيكتوريا هي منابع النيل، بينما أكد بيرتون أن بحيرة تنجانيقا التي وصلا إليها سويا هي الأصل، وفى سبتمبر من عام 1860 رتبت الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية لمناظرة بين كل من سبيك وبيرتون ليعرض كل منهما الأدلة والحجج التي تدعم موقفه حول الخلاف على أصل منابع النيل، لكن سبيك نفسه فارق الحياة قبل عقد هذه المناظرة بسبب رصاصة أطلقها خطأ من بندقيته.

واستمر الجدل حول منابع النيل بعد موت سبيك، فقد تمسك بيرتون بنظريته حتى تم دحضها لاحقا بواسطة ستانلي. ومن بين الرحالة المعروفين الذين استكشفوا الأدغال الإفريقية الرحالة ديفيد ليفينجستون وهو من مواليد 1813 في مدينة بلانتاير باسكتلندا. وقد بدأ ديفيد ليففنجستون عمله في معمل للقطن وهو طفل لم يتعدَ العاشرة، وكان يأخذ دروسه المسائية في المدرسة. ثم درس الطب وعلم الإلهيات في كلية أندرسون بجلاسكو عام 1836، وبعد ذلك قضى عامي 1938-1939م في الجمعية التبشيرية بلندن، وقد أكمل دراسة الطب في عدة مؤسسات تعليمية، وفي عام 1940م اجتاز رخصة مزاولة مهنة الطب من كلية الجراحة والطب في جلاسكو، ثم قرر أولا أن يكون مبشرا طبيا في الصين، ولكن حرب الأفيون آنذاك منعته من الذهاب إلى الصين.

وفي لندن 1940م التقى بالمبشر الدكتور روبرت موفات الدكتور روبرت موفات الذي عمل في جنوب إفريقيا وتزوج من ابنته وتوثقت الصلات بينهما بدرجة كبيرة، وهو الذي شجعه على الذهاب إلى إفريقيا، ووصل إلى كيب تاون في جنوب إفريقيا، وذلك عام 1841م،وقد قام لفنجستون بثلاث رحلات إلي أفريقيا.

بدأت الأولى 1841م واتخذ من كورومان مركزا للانطلاق والتوغل داخل القارة، ثم عبر صحراء كلهاري.

وعين الرحالة خلال الفترة من 1858 إلى 1864م قنصلا عاما لبريطانيا في الساحل الشرقي لإفريقيا وفيها بدأ المرحلة الثانية من رحلاته، فجاء إلى مدينة الرأس (الكاب) مرة أخرى وفيها استأنف فيها اكتشاف مجرى نهر الزمبيزي ووصل إلي نهر شيريه أحد فروعه ثم وصل إلى بحيرة نياسا وتجول في المنطقة الواقعة بين بحيرة نياسا وتنجانيقا وعاد للساحل الإفريقي ثم أبحر للهند ومنها إلى إنجلترا.

أما رحلته الثالثة والأخيرة 1866 – 1876م، تلك الرحلة التي كلفته بها الجمعية الجغرافية الملكية في لندن، فقد كان الهدف منها كشف لغز شبكة الأنهار في وسط إفريقيا والتأكد من الأنهار والبحيرات فيها، وتأكيد اكتشافات غيره من المكتشفين.

وقد بدأ رحلته هذه من زنجبار حيث كان يقيم في المدينة الحجرية في يناير 1966م، وأمده السلطان السيد ماجد بن سعيد الذي خلف أبيه السيد سعيد بن سلطان في حكم زنجبار بخطاب كان بمثابة جواز سفر وصك حماية لعبور الأراضي الإفريقية، وقد أورد في مذكراته كثيرا من مرافقيه العرب والعمانيين الذين صاحبهم أو من قابلهم في رحلاته الاستكشافية، منهم: سيف بن ربيعة وخميس بن سعيد وسعيد بن حبيب وسعيد بن عمر ومحمد بن صالح ومحمد بن غريب وغيرهم، وأثنى على سلوكهم معه وتصرفهم لحمايته ومد يد العون لمساعدته، إلا أنه لم يأل جهدا في إلصاق التهم المغرضة لهم بمزاولة تجارة الرقيق، والتي كشفت لاحقا عن نياته المبيتة في تأليب الرأي العام في أوروبا والتي قادت للتدخل المأساوي في هذه القارة.

ووصل إلى بحيرة نياسا ثم اتجه إلى بحيرة تنجانيقا وانقطعت أخباره فترة طويلة أثناء هذه الرحلة عن العالم فأرسل ستانلي، رحالة آخر لتقصي أخباره، والتقى به وقاما معا برحلة كشفا فيها الطرف الشمالي لبحيرة تنجانيقا، وأكد ستانلي أنها ليست من منابع النيل الاستوائية كما كان يعتقد المستكشف برتون.

وستانلي هذا رحالة وصحفي ومن الشخصيات المثيرة للجدل لدى المؤرخين.

عثر ستانلي على مكان المستكشف ليفينجستون في بحيرة تانجانيكا في 10 نوفمبر 1871م، وخاطبه بكلماته المشهورة «أفترض أنك الدكتور ليفينجستون؟»، وعاد ستانلي ومعه مذكرات ليفنجيستون الذي رفض العودة للوطن إلا بعد إتمام استكشافاته،فقد عاد ليفنجستون إلى نهر لولابا لاستكمال اكتشاف منابع النيل، في حين توجه ستانلى إلى إنجلترا حاملاً معه تقارير ليفنجستون عن منطقة نهر لولابا.

قاد ستانلي بعثة أخرى (1874 – 1877)، ففي عام 1874م كلفته الجمعية الجغرافية الملكية بلندن بالقيام برحلة للتحقق حول ما إذا كانت بحيرة فكتوريا هي المنبع الرئيسي للنيل في الجنوب، وأن المجرى المنبثق منها عند شلالات ريبون هو المخرج الوحيد لها. وكذلك التأكد من أن بحيرة تنجانيقا غير متصلة بمنابع النيل الاستوائية.

والوصول إلى نهر اللولابا وتتبعه لمعرفة إذا كان متصلا بالنيل أم بالكونغو والوصول إلى مصب الكونغو.

وبهذا تعرف ستانلي على حقيقة الأنهار والمسطحات المائية في وسط القارة.

فغادر إنجلترا في 1874م إلى زنجبار وبدأ رحلته للداخل فوصل إلى الشاطئ الجنوبي لبحيرة فيكتوريا وجمع أجزاء قاربه وأبحر بمحاذاة الشاطئ الشرقي للبحيرة ووصل قرب شلالات ريبون وشاهد المياه تندفع للشمال فيما أطلق عليه اسم (نيل فيكتوريا) ودخل مملكة أوغنده وله محاولات في ثني ملكها ماتيسا عن التواصل مع السيد برغش بن سعيد والتحالف معه، وطاف ببحيرة فكتوريا واكتشف نهر كاجيرا الذي يصب في البحيرة من الغرب وأثبت أن (بحيرة فكتوريا) بحيرة واحدة ولا يخرج منها سوى مجرى واحد كبير وهو نهر كاجيرا، وهكذا حقق الهدف الأول من رحلته.

وفي طريق ستانلي إلى الغرب لاكتشاف نهر اللوالابا التقى بالزعيم العربي (حمد أو حميد بن محمد المرجبي) الذي اشتهر في كتب الرحالة باسم تيبو تيب وكان قد سبق أن قام بجولات في المنطقة وكان له نفوذ واسع في منطقة ممتدة الأطراف بأعالي نهر الكونغو، فاتفق معه على أن يرافقه في رحلته هو وبعض أتباعه لاكتشاف نهر الكونغو،.وقد استغل المستعمرون شخصية تيبو تيب ومعرفته بالبر الإفريقي.

و يذكر تيبو تيب التردد الذي أبداه عندما عرض عليه ستانلي الأمر أول مرة بحضرة القنصل البريطاني للضغط عليه. وكيف دفع لتوقيع اتفاق لم ينصفه أي بند من بنوده، فحتى الراتب الشهري الذي قرروه له مقابل أن يكون والياً للبلجيك هو ثلاثون جنيهاً وهو مبلغ زهيد جدا لتاجر وزعيم في حجم تيبو تيب، وينقل تيبو تيب هذا الأمر إلى سلطانه السيد برغش بن سعيد الذي كان أكثر إدراكاً منه لأبعاد الأطماع الأوروبية، والذي كان قد تحدث إليه في ما يشبه الخطبة المؤثرة عن حجم الكارثة مؤكداً أن سابقيه من السلاطين استراحوا بموتهم إذ لم يسمعوا بهذا الأمر. ثم نصحه بقبول العرض ولو أعطوه عشرة جنيهات فقط.

لا يُعرف بالتحديد الفترة الزمنية التي وصل فيها العرب العمانيون لتلك الأدغال البعيدة جدا عن سواحل إفريقيا وزنجبار لكن مما لا شك فيه أن وجود هم تعزز بقوة زمن السيد سعيد بن سلطان،ويذكر هايند «أن العمانيين أُخذوا بسحر الحياة البدائية وأسسوا فيها محطات متقاربة وخطوط إمداد لم تكن موجودة من قبل مما فتح وسط إفريقيا للعالم لأول مرة».

وقد اعترف هايند (2010) بأن الحروب التي قادها الأوروبيون وفي مقدمتهم البلجيك كانت تسعى لمنع العرب وحلفاؤهم الأفارقة من تأسيس إمبراطورية إسلامية مترامية الأطراف في الكونغو وما حولها. وفي تلك الحرب التي قادها الأوروبيون من جهة ضد السكان الأصليين وزعمائهم من أمثال الزعيم موهارا ومن معهم من العرب بقيادة سيف بن حميد المرجبي ومحمد بن خلفان البرواني الملقب بروماليزا لم يأل هؤلاء الغزاة جهدا في استخدام كافة الأساليب الوحشية والشرسة والغدر حتى بحلفائهم مثل الزعيم جونجو لوتيه الذي أعدموه بعد سقوط نيانجوي وكاسونجو.

وعلى الرغم من قدحه وتعريضه بالعرب والمسلمين في ثنايا مذكراته إلا أن هايند لم يستطع أن يخفي إعجابه بالعرب». هكذا يبدو دور العمانيين في الكشوفات الجغرافية التي قادها الغرب إلى عمق أدغال إفريقيا.. رغم التشويه إلا أن الكثير من الرحالة لا يستطيع أن ينكرها وينكر التمازج بين العمانيين والعرب وبين السكان المحليين ومآثرهم الطيبة.

• تفاصيل هذا المقال العلمية جميعها عن بحث الدكتور أحمد بن إبراهيم الكندي

لكن هذا الهدوء لم يدم طويلا، فلم تمض أكثر من 24 ساعة حتى تحول كل ذلك الهدوء إلى ضجيج وحراك، لكنه هذه المرة ليس بين «التوتسي» وبين «الهوتو» ولكنه بين العمانيين الذين عادوا إلى بوروندي وبين سكان دول البحيرات العظمى الأفريقية.. كان ضجيجا علميا وبحثيا هذه المرة ولكنه كان كفيلا بتحويل صباحات ومساءات المدينة إلى حراك بناء.

تساءلت في قرارة نفسي وأنا أرى ذلك العدد الكبير من الباحثين والأكاديميين المشاركين في المؤتمر من السلطنة ودول البحيرات العظمى ومن دول عربية عدة مثل مصر والأردن والسودان والجزائر وتونس والمغرب ومن دول أوروبية عدة ما هي الأهداف التي يمكن أن يقدمها هذا المؤتمر، غير تلك التي يمكن أن تضع لي الكثير من الإجابات على أسئلتي الكثيرة.

لكن الذي يتبين أن أوراق العمل الـ50 كان يمكن لها أن تقدم أيضا دراسة لتاريخ الحضارة والثقافة الإسلامية والدور العماني في هذه المنطقة الملتبسة من العالم. على أن تلك الدراسة التي تطرحها أوراق العمل تشمل تاريخ المنطقة السياسي والحضاري والاقتصادي والاجتماعي.

لكن بعد كل تلك الأوراق والمحاضرات والمناقشات الهادئة أحيانا والحادة أحيانا أخرى لا أستطيع القول أنني وصلت إلى الكثير من الإجابات، وليس ذلك مشكلة في الندوة على الإطلاق بل لأن الأسئلة الكبرى لا يمكن أن تكون أجوبتها في سياقات سريعة وبسيطة. لكن المجمل أنني أستطيع القول بأنني استمعت إلى الكثير من المعلومات والكثير من وجهات النظر حول هذه المنطقة المجهولة من العالم والتي اختارها العمانيون ليمموا وجوههم شطرها ويبقى بعضهم فيها إلى النفس الأخير.

ليس من السهل أن أستعرض هنا خمسين بحثا، وكل بحث يصلح أن يكون كتابا وحده «حاولت القيام بهذا الأمر خلال التغطيات اليومية للمؤتمر» ولكن أجدني أنحاز إلى بحوث بعينها، وهي هنا ثلاثة، حاولت أن أبحث فيما كتبه الرحالة والمستكشفون الغربيون عن منطقة البحيرات العظمى والدور العماني. واخترت بحثا للدكتور أحمد بن إبراهيم الكندي وحمل عنوان «التمازج الحضاري العماني الأفريقي في منطقة البحيرات الأفريقية العظمى من خلال كتابات الرحالة والمستكشفين الغربيين» وهو بحث طويل وشامل. أما البحث الثاني فهو للدكتور سليمان بن سالم الحسيني وحمل عنوان «العمانيون وشرق إفريقيا في بعض الدراسات الغربية المعنية بالشأن الأفريقي»، والبحث الثالث للجزائري الدكتور بن نعيمة عبد المجيد وحمل عنوان «العمانيون في شرق إفريقيا من خلال وثائق وكتابات فرنسية: قراءة في الأبعاد التاريخية».

وصلت الكشوف الجغرافية الأوروبية أقصى مداها خلال القرن التاسع عشر، وفي سنة 1826م كان المكتشف الإنجليزي ألكسندر غوردون لاينج، أول أوروبي يصل إلى تمبكتو، وهي مركز تجاري في المنطقة التي تعرف بمالي حاليا، وزار المكتشف الفرنسي رينيه كاليه تمبكتو عام 1828 ثم قام بعبور الصحراء الكبرى.

وأدى البحث عن منبع النيل الأبيض إلى التوصل إلى المزيد من الاكتشاف الأوروبي لشرقي إفريقيا. وفي عام 1858م وصل المكتشفان البريطانيان ريتشارد بيرتون وجون هاننج سبيك إلى بحيرة تنجانيقا، التي تشكل جزءًا من الحدود بين كل من زائير وتنزانيا،وكان ديفيد ليفنجستون هو أول أوروبي يصل إلى نهر الزمبيزي في فترة الخمسينات والستينات من القرن التاسع عشر الميلادي.

ومن أبرز الرحالة الغربيين الذين سبقوا أو عاصروا ليفينجستون وستانلي للقارة الإفريقية جيمس بروس وهو أسكتلندي حصل في عام 1768م على تصريح من الحكومة البريطانية لكي يبدأ رحلته إلى إفريقيا للبحث عن منابع النيل، حيث كان بروس يعمل قنصلا لبريطانيا في الجزائر، توجه إلى الإسكندرية قادما من الجزائر وأثناء وجوده في مصر حصل على خطابات توصية من عدد من أصحاب النفوذ المصريين إلى الشخصيات المهمة في سواحل البحر الأحمر.

وكذلك المستكشف بيرتون وسبيك. وفي منبع النيل وبالقرب من المساقط يوجد عمود من صوان رمادي اللون يحمل لوحا مكتوبا عليه: «وجد سبيك منبع النيل». ولكن كيف نجح سبيك في الوصول إلى منبع النيل؟

قصة اكتشاف المنابع الاستوائية كما يوردها الدكتور الكندي في بحثه الشيق تتلخص في عدة نقاط بدأت باللقاء بين ريتشارد بيرتون وجون هاننج سبيك في لندن، حيث كانا يعملان في الجيش البريطاني في الهند واتفقا سويا على القيام برحلة إلى شرق إفريقيا والتوغل منها إلى الداخل، وفى نهاية عام 1856 سافرا إلى جزيرة زنجبار ومنها اتجها إلى الساحل الشرقي لإفريقيا عن طريق البحر ووصلا إلى بلدة تابورا على الساحل حيث قابلا بعض التجار العرب وأكثرهم من العمانيين وتعرفا منهم على الكثير من أسرار المناطق الداخلية المجاورة لساحل شرق إفريقيا والتي كان العرب يعرفونها قبل الأوروبيين.

وبعد ذلك تابعا سيرهما حتى وصلا إلى بحيرة تنجانيقا، وقد تخلف بيرتون عن صاحبه بسبب عدم استطاعته مواصلة السفر، في حين أن سبيك تابع سيره باتجاه الشمال ووصل في أغسطس من عام 1858م إلى الشاطئ الجنوبي للبحيرة التي أطلق عليها اسم بحيرة فيكتوريا، بالتالي نجح سبيك في اكتشاف أهم نقطة في المنابع الاستوائية وفك بذلك لغز منابع النيل.

وعاد سبيك لزميله ورجعا إلى ساحل شرق إفريقيا ومنه اتجها إلى زنجبار، ثم أبحرا باتجاه عدن ثم إلى بريطانيا، وحدث خلاف علمي بينهما فسبيك أصر على أن بحيرة فيكتوريا هي منابع النيل، بينما أكد بيرتون أن بحيرة تنجانيقا التي وصلا إليها سويا هي الأصل، وفى سبتمبر من عام 1860 رتبت الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية لمناظرة بين كل من سبيك وبيرتون ليعرض كل منهما الأدلة والحجج التي تدعم موقفه حول الخلاف على أصل منابع النيل، لكن سبيك نفسه فارق الحياة قبل عقد هذه المناظرة بسبب رصاصة أطلقها خطأ من بندقيته.

واستمر الجدل حول منابع النيل بعد موت سبيك، فقد تمسك بيرتون بنظريته حتى تم دحضها لاحقا بواسطة ستانلي. ومن بين الرحالة المعروفين الذين استكشفوا الأدغال الإفريقية الرحالة ديفيد ليفينجستون وهو من مواليد 1813 في مدينة بلانتاير باسكتلندا. وقد بدأ ديفيد ليففنجستون عمله في معمل للقطن وهو طفل لم يتعدَ العاشرة، وكان يأخذ دروسه المسائية في المدرسة. ثم درس الطب وعلم الإلهيات في كلية أندرسون بجلاسكو عام 1836، وبعد ذلك قضى عامي 1938-1939م في الجمعية التبشيرية بلندن، وقد أكمل دراسة الطب في عدة مؤسسات تعليمية، وفي عام 1940م اجتاز رخصة مزاولة مهنة الطب من كلية الجراحة والطب في جلاسكو، ثم قرر أولا أن يكون مبشرا طبيا في الصين، ولكن حرب الأفيون آنذاك منعته من الذهاب إلى الصين.

وفي لندن 1940م التقى بالمبشر الدكتور روبرت موفات الدكتور روبرت موفات الذي عمل في جنوب إفريقيا وتزوج من ابنته وتوثقت الصلات بينهما بدرجة كبيرة، وهو الذي شجعه على الذهاب إلى إفريقيا، ووصل إلى كيب تاون في جنوب إفريقيا، وذلك عام 1841م،وقد قام لفنجستون بثلاث رحلات إلي إفريقيا.

بدأت الأولى 1841م واتخذ من كورومان مركز للانطلاق والتوغل داخل القارة، ثم عبر صحراء كلهاري.

وعين الرحالة خلال الفترة من 1858 إلى 1864م قنصلا عاما لبريطانيا في الساحل الشرقي لإفريقيا وفيها بدأ المرحلة الثانية من رحلاته، فجاء إلى مدينة الرأس (الكاب) مرة أخرى وفيها استأنف فيها اكتشاف مجرى نهر الزمبيزي ووصل إلي نهر شيريه أحد فروعه ثم وصل إلى بحيرة نياسا وتجول في المنطقة الواقعة بين بحيرة نياسا وتنجانيقا وعاد للساحل الأفريقي ثم أبحر للهند ومنها إلى إنجلترا.

أما رحلته الثالثة والأخيرة 1866 – 1876م، تلك الرحلة التي كلفته بها الجمعية الجغرافية الملكية في لندن، فقد كان الهدف منها كشف لغز شبكة الأنهار في وسط إفريقيا والتأكد من الأنهار والبحيرات فيها، وتأكيد اكتشافات غيره من المكتشفين.

وقد بدأ رحلته هذه من زنجبار حيث كان يقيم في المدينة الحجرية في يناير 1966م، وأمده السلطان السيد ماجد بن سعيد الذي خلف أبيه السيد سعيد بن سلطان في حكم زنجبار بخطاب كان بمثابة جواز سفر وصك حماية لعبور الأراضي الإفريقية، وقد أورد في مذكراته كثيرا من مرافقيه العرب والعمانيين الذين صاحبهم أو من قابلهم في رحلاته الاستكشافية، منهم: سيف بن ربيعة وخميس بن سعيد وسعيد بن حبيب وسعيد بن عمر ومحمد بن صالح ومحمد بن غريب وغيرهم، وأثنى على سلوكهم معه وتصرفهم لحمايته ومد يد العون لمساعدته، إلا أنه لم يأل جهدا في إلصاق التهم المغرضة لهم بمزاولة تجارة الرقيق، والتي كشفت لاحقا عن نياته المبيتة في تأليب الرأي العام في أوروبا والتي قادت للتدخل المأساوي في هذه القارة.

ووصل إلى بحيرة نياسا ثم اتجه إلى بحيرة تنجانيقا وانقطعت أخباره فترة طويلة أثناء هذه الرحلة عن العالم فأرسل ستانلي، رحالة آخر لتقصي أخباره، والتقى به وقاما معا برحلة كشفا فيها الطرف الشمالي لبحيرة تنجانيقا، وأكد ستانلي أنها ليست من منابع النيل الاستوائية كما كان يعتقد المستكشف برتون.

وستانلي هذا رحالة وصحفي ومن الشخصيات المثيرة للجدل لدى المؤرخين.

عثر ستانلي على مكان المستكشف ليفينجستون في بحيرة تانجانيكا في 10 نوفمبر 1871م، وخاطبه بكلماته المشهورة «أفترض أنك الدكتور ليفينجستون؟»، وعاد ستانلي ومعه مذكرات ليفنجيستون الذي رفض العودة للوطن إلا بعد إتمام استكشافاته،فقد عاد ليفنجستون إلى نهر لولابا لاستكمال اكتشاف منابع النيل، في حين توجه ستانلى إلى إنجلترا حاملاً معه تقارير ليفنجستون عن منطقة نهر لولابا.

قاد ستانلي بعثة أخرى (1874 – 1877)، ففي عام 1874م كلفته الجمعية الجغرافية الملكية بلندن بالقيام برحلة للتحقق حول ما إذا كانت بحيرة فكتوريا هي المنبع الرئيسي للنيل في الجنوب، وأن المجرى المنبثق منها عند شلالات ريبون هو المخرج الوحيد لها. وكذلك التأكد من أن بحيرة تنجانيقا غير متصلة بمنابع النيل الاستوائية.

والوصول إلى نهر اللولابا وتتبعه لمعرفة إذا كان متصلا بالنيل أم بالكونغو والوصول إلى مصب الكونغو.

وبهذا تعرف ستانلي على حقيقة الأنهار والمسطحات المائية في وسط القارة.

فغادر إنجلترا في 1874م إلى زنجبار وبدأ رحلته للداخل فوصل إلى الشاطئ الجنوبي لبحيرة فيكتوريا وجمع أجزاء قاربه وأبحر بمحاذاة الشاطئ الشرقي للبحيرة ووصل قرب شلالات ريبون وشاهد المياه تندفع للشمال فيما أطلق عليه اسم (نيل فيكتوريا) ودخل مملكة أوغنده وله محاولات في ثني ملكها ماتيسا عن التواصل مع السيد برغش بن سعيد والتحالف معه، وطاف ببحيرة فكتوريا واكتشف نهر كاجيرا الذي يصب في البحيرة من الغرب وأثبت أن (بحيرة فكتوريا) بحيرة واحدة ولا يخرج منها سوى مجرى واحد كبير وهو نهر كاجيرا، وهكذا حقق الهدف الأول من رحلته.

وفي طريق ستانلي إلى الغرب لاكتشاف نهر اللوالابا التقى بالزعيم العربي (حمد أو حميد بن محمد المرجبي) الذي اشتهر في كتب الرحالة باسم تيبو تيب وكان قد سبق أن قام بجولات في المنطقة وكان له نفوذ واسع في منطقة ممتدة الأطراف بأعالي نهر الكونغو، فاتفق معه على أن يرافقه في رحلته هو وبعض أتباعه لاكتشاف نهر الكونغو،.وقد استغل المستعمرون شخصية تيبو تيب ومعرفته بالبر الأفريقي.

و يذكر تيبو تيب التردد الذي أبداه عندما عرض عليه ستانلي الأمر أول مرة بحضرة القنصل البريطاني للضغط عليه. وكيف دفع لتوقيع اتفاق لم ينصفه أي بند من بنوده، فحتى الراتب الشهري الذي قرروه له مقابل أن يكون والياً للبلجيك هو ثلاثون جنيهاً وهو مبلغ زهيد جدا لتاجر وزعيم في حجم تيبو تيب، وينقل تيبو تيب هذا الأمر إلى سلطانه السيد برغش بن سعيد الذي كان أكثر إدراكاً منه لأبعاد الأطماع الأوروبية، والذي كان قد تحدث إليه في ما يشبه الخطبة المؤثرة عن حجم الكارثة مؤكداً أن سابقيه من السلاطين استراحوا بموتهم إذ لم يسمعوا بهذا الأمر. ثم نصحه بقبول العرض ولو أعطوه عشرة جنيهات فقط.

لا يُعرف بالتحديد الفترة الزمنية التي وصل فيها العرب العمانيون لتلك الأدغال البعيدة جدا عن سواحل أفريقيا وزنجبار لكن مما لا شك فيه أن وجود هم تعزز بقوة زمن السيد سعيد بن سلطان،ويذكر هايند «أن العمانيين أُخذوا بسحر الحياة البدائية وأسسوا فيها محطات متقاربة وخطوط إمداد لم تكن موجودة من قبل مما فتح وسط أفريقيا للعالم لأول مرة».

وقد اعترف هايند (2010) بأن الحروب التي قادها الأوروبيون وفي مقدمتهم البلجيك كانت تسعى لمنع العرب وحلفاؤهم الأفارقة من تأسيس إمبراطورية إسلامية مترامية الأطراف في الكونغو وما حولها. وفي تلك الحرب التي قادها الأوروبيون من جهة ضد السكان الأصليين وزعمائهم من أمثال الزعيم موهارا ومن معهم من العرب بقيادة سيف بن حميد المرجبي ومحمد بن خلفان البرواني الملقب بروماليزا لم يأل هؤلاء الغزاة جهدا في استخدام كافة الأساليب الوحشية والشرسة والغدر حتى بحلفائهم مثل الزعيم جونجو لوتيه الذي أعدموه بعد سقوط نيانجوي وكاسونجو.

وعلى الرغم من قدحه وتعريضه بالعرب والمسلمين في ثنايا مذكراته إلا أن هايند لم يستطع أن يخفي إعجابه بالعرب». هكذا يبدو دور العمانيين في الكشوفات الجغرافية التي قادها الغرب إلى عمق أدغال أفريقيا.. رغم التشويه إلا أن الكثير من الرحالة لا يستطيع أن ينكرها وينكر التمازج بين العمانيين والعرب وبين السكان المحليين ومآثرهم الطيبة.


•تفاصيل هذا المقال العلمية جميعها عن بحث الدكتور أحمد بن إبراهيم الكندي