إثارة خيال الأطفال وتوسيع آفاقهم الفكرية والتخيلية

ماذا يحدث في حديقة البيّارة؟.. لهدى الشوا –

تحسين يقين –

في القصة تحفيز لإجابة أدبية رائعة على تساؤل التشوق، فلا تقوم القصة على السرد العادي بقدر ما تشارك الطفل بما لديه من مواهب وخيالات طبيعية في مرحلة نموه في هذا الاكتشاف. إنه اكتشاف سردي يشارك فيه الطفل حيث يشعر بتلك المشاركة الشعورية فتصبح قصة هدى الشوا «ماذا يحدث في حديقة البيّارة؟» قصته هو ورحلته هو وهي.


دائرتان


في نهار الحديقة، يلهو الأطفال ويلعبون في الحديقة، حيث السحاسيل والمراجيح والحبل بحركتهم السريعة، وأصوات بهجتهم وغنائهم:

«تسلقوا الأغصان

كالسناجب

والجنادب

وغنوا كالعنادل

والبلابل»

وتلك هي الدائرة الأولى النهارية-الواقعية.

في ليل الحديقة، وهي الدائرة الثانية الليلية-الخيالية، نستمتع بالعالم غير المرئي، ففي ظل هذا السكون والظلام، يبزغ لنا عالم كله حركة وحياة، حيث:«تدبّ الحياة في البيارة من جديد»، وتدبّ معها عجائب الليل، حيث «تستيقظ عجائب المخلوقات من سباتها العميق».

إبداع القصة أنها قامت على إعادة المشهد النهاري، لكن ضمن عالم الليل المتخيّل، حيث تحاكي المخلوقات العجيبة فعل الأطفال في:

«التسلق

كالسناجب

والجنادب

وغنوا كالعنادل

والبلابل»


تكامل إبداعي: النص والرسم


ينسجم مع هذا الإبداع السردي، إبداع رسومات «يارا بامية» حيث تستبدل الرسّامة الأطفال بالمخلوقات التي تلعب كما الأطفال.

في الدائرة الأولى-النهارية، يظهر الأطفال وعالم النهار المرئي في الدائرة الثانية-الليلية، تظهر كائنات الليل، والتي يشعر بها الأطفال، فهم يسمعونها ويرونها أحيانا، بل ويتعلمون شيئا عنها، لكنها بالمجمل كائنات غير مرئية تماما، وغير واضحة، لذلك يخلع عليها الأطفال خيالاتهم، كما يخلع عليها كتّاب أدب الطفل خيالاتهم الإبداعية. وقد برعت الرسامة يارا بامية في رسم المخلوقات على أغصان الشجر وبين الصخور متماهية معها، في وحدة عضوية مكونة من نتوءات الأغصان البارزة وجوها لتلك المخلوقات، حيث، وانسجاما مع عالم الطفل، قامت الرسامة بأنسنة شكلانية ومضمونية لتلك المخلوقات، فهي ذات وجوه وهي أيضا كالأطفال تلعب، بل هي كالسناجب والجنادب في التسلق، وكالعنادل والبلابل في الغناء!

«تسكن عجائب مخلوقات الحديقة في جذوع الشجر، وفي شقوق الحجر… بين أغصان التين والزيتون واللوز…».

في رسومات النهار الزاهية، ظهر العالم الحقيقي المرئي بألوانه البهية الساطعة، وفي رسومات الليل الأسطورية التي اتشحت بالسواد، ظهر العالم الخفي، وظهرت المخلوقات الأسطورية، بما تثيره من تشوّق وإثارة وخوف أيضا. ويظهر إبداع الرسومات حينما تبدأ المخلوقات الليلية لعبها، حيث تواكب الألوان المنسجمة مع لعب الكائنات الليلية، السواد المنسجم مع الليل.

ويتعمّق الإبداع في الرسومات خلال عملية التحوّل النهاري-الليلي، سواد وإضاءة أول الليل ثم سواد مرحلة وصف مخلوقات الليل المختفية، ثم بداية النور-الإضاءة مع بدء الصحو. ثم اتساع الإنارة في لعب الكائنات-مخلوقات الليل وصولا إلى إضاءة كاملة.


في مشهد الاستخدام الكامل لفضاء الحديقة، تم البدء بالسواد مع نهايات الليل-أول الفجر- النهار. وتلك هي الدائرة الثانية بما فيها من سحر وإبداع، لتعود الدائرة الأولى بنورها لتظهر الدائرة الأولى من جديد بألوانها المضيئة وأطفالها، مختتمة برسمة دون كلام، لمخلوقين ليليين يحملان حلوى وبلالين، والتي تذكرنا برسمة البداية، حيث طفل وطفلة يمارسان الفرح نفسه بدون كلام، موحية بالدائرتين النهارية والليلية، من خلال ما يحملان من حلوى وبلالين بشكليهما الدائريّ، لتعمّق معنى الدائرة، بما تحتمل من حديث العوالم والمشاعر، هو والاكتشاف والأمل أيضا بنهار جديد، وفرح جديد واضح تحت أشعة الشمس.

لقد كانت الرسومات عنصرا إبداعيا، فقد حملت إبداع القصة الأدبية، وقد أعلمتنا الكاتبة بأن بعض المخلوقات العجيبة التي رسمتها يارا بامية، هي من وحي كتاب قديم اسمه «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لمؤلفه زكريا بن محمد القزويني 1203م، ومن المخلوقات الغريبة التي وصفها في كتابه «الصناجة والتنين»، وتلك هي ربما الدائرة الثالثة: دائرة التاريخ.


دلالات وعوالم


استجابت القصة لعالم الأطفال السحريّ، فأثارت خيالهم على مستويي السرد والرسومات. وكلاهما تمّا بشكل أسطوريّ، لعله جاء في سياق الإبداع العالميّ الذي استلهم تراث الشعوب في القصّ الفولكلوريّ من جهة، واستخدام الكائنات من جهة أخرى.

في قصة هدى الشوا «ماذا يحدث في حديقة البيّارة» تمثيل درامي، «أدب وفن» لما يحدث في حديقة الفكر والقلب والشعور لدى الطفل. لذلك كان هذا التفاعل ما بين الأطفال والقصة التي بين أيدينا.

وعنصر الإبداع في القصة أنها لم تأت تكرارا تاريخيا ولا أدبيا، بل كانت إبداعا خاصا للكاتبة التي رأت أن الكتابة للطفل مسؤولية كبرى، وأنها وهي تقدّم أدبا للطفل إنما تنطلق من العمق الإنساني والفكري والأدبي، حيث إن الكتابة للأطفال كما ينبغي للإبداع فيها، إنما تأتي من كاتب/ة ذي خبرة.

لذلك ادعي أن «ماذا يحدث في حديقة البيّارة» مثال معاصر لأدب الطفل الذي ينشده النقاد والتربويون وكتاب الطفل والأهالي، وأهم من ذلك وهؤلاء جميعا: الأطفال!

لماذا؟

لأنها قامت على التخيّل والاكتشاف، منذ رسمة الغلاف، في نظرات الطفل المتجه إلى الأعلى تستطلع في تشوّق لما يحدث، بشيء من مشاعر الاكتشاف التي يختلط فيها أكثر من شعور: المتعة والخوف والشوق والسرور والتأمل…

لقد قامت على اكتشاف للموجود-المخفي، للموجود ممثل بالحديقة ليلا، وللخفي ممثل بغير المنظور، غير المرئي.


أما الموجود في الحديقة ليلا بما فيه من كائنات طبيعية من حيوانات وحشرات، في حين أن اكتشاف الخفي هو ما قامت عليه القصة من خيال، حينما أظهرت هذا العالم السحريّ الذي يصبح مرئيا، من خلال الاعتماد على رسومات «أسطرت» الكائنات الطبيعية والحشرات الليلية، مقدمة بضع مشاهد غاية في الخيال والجمال معا، حيث يختلط ما هو حقيقيّ وواقعيّ مع ما هو ما هو خيالي بل وأسطوري أيضا، حيث يتنشط خيال الأطفال، فـ«يؤسطرون» العالم غير الواضح لديهم، فيرسمونه بخيالاتهم، وهذا بيت قصيد رسومات الأطفال الإبداعية. والقصة هنا مثال رائع على ذلك، حيث يتنشّط –من خلال هذا النوع من الأدب-خيال الأطفال وفكرهم لاستجلاء العوالم واكتشافها، خصوصا اكتشاف غير المرئي، وتخيّل اللعب والحركة والألوان في السكون، فيحركونه ويغدو حيويا.

ولعلنا نعرّج قليلا على لغة النص الساردة والسردية، بما فيها من إيحاء وإثارة على مستوى الدلالة، بما فيها من جماليات المستوى الصوتي الذي ظهر في الجناس.

بقي أن نقول: إن إثارة الخيال لدى الطفل، يعمّق الفكر من خلال اللعب على اللاوعي نفسيا واجتماعيا وفكريا، حيث يتعمق لديه أن هناك عوالم أخرى غير عالمه، وأن هناك دوما مجالا للاكتشاف.

وأخيرا فإن القصة إبداع حقيقي في أدب الطفل ينبغي استثمار التجربة لإنتاج قصص أخرى.