تسع دورات من مهرجان الشعر العماني –
تحقيق – عاصم الشيدي –
كان لا بد لمهرجان الشعر العماني أن يثير حوله وبجواره الكثير من النقاش، لأنه ليس مشروع وزارة التراث والثقافة وحدها، بل هو مشروع ثقافي كان يحلم بمثله شعراء عمان منذ سبعينات القرن الماضي، قد لا يكون المشروع اليوم بحجم الطموحات ولكنه خطوة مهمة في طريق تحقيق الحلم وإن كان مر عقد ونصف العقد على الانطلاقة الأولى للمهرجان.
وصاحب إعلان الأسماء المشاركة في الدورة التاسعة من مهرجان الشعر العماني الكثير من الضجيج عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة أن لجنة الفرز استبعدت نصوص مجموعة من الشعراء كانوا يراهنون على وصول نصوصهم إلى منصة التتويج فيما لو أبقى المهرجان على مسابقته.
حاولنا في شرفات أن نقترب من بعض الشعراء المشاركين لمعرفة انطباعاتهم حول المهرجان وحول فكرة إلغاء المسابقة وفكرة فرز النصوص.
هدوء .. ورضا
بدت الأمور أكثر هدوءا مما كنت أعتقد عندما كتبت أسئلة هذا التحقيق، الشعراء يتحدثون بهدوء.. بدوا إلى حد كبير راضين عن وضع المهرجان، ومدافعين عنه، وفي الجانب الآخر رفض الحديث والمشاركة أكثر من أربعة شعراء استبعدت نصوصهم وكتبوا منتقدين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.. حاولت كثيرا ولكني احترمت رفضهم.
لكن رفضهم لا يعني أنهم غير واقعيين في القضايا التي طرحوها، فحلم التطوير يداعب خيال الجميع حتى ممن أشادوا بوضع المهرجان الحالي.. وفي الحقيقة فإن الكثيرين يتحدثون عن وضع المهرجان رغم الجهود التي تبذلها وزارة التراث والثقافة لتطويره، قد تبدو هذه طبيعة الأشياء فلكل شخص زاوية رؤية يرى منها ولكن الحديث عندما يأتي من الشعراء أنفسهم تكون له زاوية على القائمين على المهرجان أن ينظروا من خلالها ولو للمشاركة في الرؤية نفسها.
يتواكب وزمن الشعر
في البداية تحدثت إلى الشاعر خالد المعمري وهو أحد الأصوات الشابة المهمة في القصيدة الحديثة ليتحدث عن رؤيته لوضع المهرجان ورأيه أن المهرجان «دخل في سنواته الأخيرة مرحلة تتواكب وزمنية الشعر الحديث، فاستطاع أن يحتوي الشعراء بمراحلهم المختلفة ومدارس القصيدة على اختلافها وتوجهات كل شاعر في بوتقة واحدة تهتم بالشعر ككيان مستقل في زمن افتقدت الحياة نضارتها وصار الشعر غناء الروح فيها». أما الشاعر عبدالله الكعبي الذي يختفي كثيرا عن الساحة الشعرية ثم يعود بعمل فيصف قفزات المهرجان «بالجميلة» والفعالة في الوقت نفسه فهو يرى أن المهرجان «في تطور والجميل فيه انه لا يقف عند تجربة واحدة بل ينمو بخطى وثابة وواثقة من تجربة إلى أخرى».
في طريقه لبسط ألقه
بل إن الكعبي يتحدث عن تطور المهرجان إخراجيا وفنيا وهو كما يؤكد «في طريقه لبسط ألقه على كافة المحافل الشعرية والقائمين عليه أصبحوا أصحاب خبرة وحنكة اكتسبوها من 18 عاما وأجمل ما يميزهم هو تقبلهم لأي رأي أو مقترح قد يخدم مسيرة المهرجان».
ويضيف الكعبي «هذا ما تلمسناه قولا وفعلا». ويدخل الكعبي مباشرة في حديثه حول فكرة إلغاء المسابقة التي تم اعتمادها هذا العام ليقول إنها «كانت مطروحة بشدة من قبل الشعراء وها هي ذا تحققت هذا العام وربما ما زالت فكرة المسابقة مطروحة وطاغية على المهرجان .حيث إن فكرة تتويج الشاعر مبني على نص واحد فقط وليس على تجربة. وبما أن الهدف هذا العام هو تتويج الشعراء المشاركين فتمنيت لو أن المهرجان استقطب عددا أكبر من النصوص للشاعر الواحد. ويتم تتويج الشاعر على نتاج عدة نصوص لا نص واحد ربما يخفق في اختياره أو ربما لا يستطيع المتذوق الحكم على تجربة شاعر من خلال نص واحد.. بيد أن اختيار مجموعة شعرية أو عدة قصائد يمكن للناقد والقارئ بناء صورة ولو قليلة عن الشاعر». وتبدو فكرة تطور المهرجان في كل دورة مما يصر عليه الشعراء فهذه الشاعرة جوهرة الشريانية تقول إن «المهرجان يبدو بحلة جديدة في كل دورة من دوراته.. بل إنها ترى أن الدورة السابقة والحالية من المهرجان ظهرت بشكل آخر مختلف عما عهدناه سابقا».
وتضيف الشريانية: إن ذلك دليل على سعي العاملين والمنظمين للمهرجان لتقديم ما هو أفضل في الوسط الشعري .. ونحن كشعراء علينا أن ندرك حقيقة هذا المجهود الذي يظهر كشمس لا يحجب إشراقتها شيء.
ليس للطموح سقف
ولا يختلف رأي الدكتورة حصة البادية التي كانت رئيسة لجنة الفرز في المهرجان، لكنها ترى أيضا أن «ليس للطموح والرغبة في التطوير سقف محدد ولا ينبغي أن يوضع له سقف لكن الواقع يقول إن المهرجان يتطور سنويا بشهادة الشعراء أنفسهم من حضروا ومن غابوا ومن عتبوا ومن غضبوا» وتضيف البادية «ما أراه أن اللجنة المنظمة تسعى لاستقراء آراء الشعراء والمهتمين لاستمرار التطوير ولا أدل على ذلك من نسخة هذا العام التي استجابت لرغبة الكثيرين منهم في إلغاء المسابقة وإعطاء الإصغاء مساحة أكبر دون توتر المراكز وترتيبها أثناء المهرجان إضافة إلى إدخال قصيدة النثر للمهرجان بعد استبعادها».
من جانبه يرى الشاعر النبطي حمد البدواوي أن مهرجان الشعر العماني يعد أبرز ظاهرة ثقافية في الوسط الثقافي العماني، ويأتي على رأس اهتمامات كل شاعر في السلطنة من حيث الرغبة في المشاركة والظهور، وتطور كل نسخة من المهرجان عن سابقتها ما هو إلا دليل على السعي المتواصل لتطويره وتلافي سلبيات كل دورة». لكن البدواوي يتحدث مباشرة عما ينقص المهرجان من وجهة نظره فيقول «ما ينقصه فقط هو تكثيف الحضور الإعلامي للمهرجان في وسائل الإعلام التقليدية والإعلام الاجتماعي ليمثل نقلة حقيقية في مساره وحلقة وصل تربط المشارك في المهرجان بالمتلقي والمتابع».
سلاح ذو حدين
ورغم أنها ليست المرة الأولى التي تلغي فيها وزارة التراث والثقافة الجهة المنظمة لمهرجان الشعر العماني فكرة المسابقة، فقد حدث ذلك في دورة 2006، لكن الخبر تلقاه الشعراء بطرق مختلفة رغم أنه يطرح في كل دورة من دورات المهرجان حيث يطالب الكثيرون بأن يكون المهرجان «مهرجانا» وليس مسابقة وللمهرجان تقاليد تختلف عن تقاليد المسابقة.
الشاعر خالد المعمري يرى أن «إلغاء المسابقة سلاح ذو حدين، أحيانا يفقد المهرجان قوته ـ من حيث النصوص المشاركة ـ إذا ابتعد المهرجان عن التنافس، فنجد أنفسنا بحاجة للإعلان عن مسابقة لإيجاد نوع من التنافس الذي يثري الوجود الشعري، وأحيانا قد يفتقد المهرجان الشعري أسماء متحققة – لأسباب لديهم – في حالة تحويل المهرجان للمسابقة» ويقترح المعمري أن يتم «تأطير الفكرة وابتكار آلية جديدة تجمع بين الفكرتين، وتجمع بين شعراء مختلفين يجتمعون في المهرجان للشعر ذاته سواء بين المسابقة أو المشاركة فقط».
أكثر من نص
ورغم أن الشاعر عبدالله الكعبي مع فكرة التطوير إلا أنه لا يطرح تصورا واضحا فيقول «أتمنى أن نجد آلية جديدة في الدورة القادمة..المسألة بحاجة لدراسة وابتكار والإخوة المنظمون حسب ما لمسناه أنهم يبتكرون ما هو جديد وليس لدي شخصيا أي فكرة جديدة سوى مسألة القياس من خلال نص واحد.. هذه الفكرة كما أراها ليست موفقة.. أتمنى تدرس فكرة أن يكون التقييم على عمل متكامل ديوان على سبيل المثال أو مجموعة قصائد للشاعر الواحد.. كما أتمنى عمل قراءات موازية للأعمال المشاركة وليس قراءة انتقاديه بل قراءات إضائية للنص حتى ينشر العمل ويبرز».
أما جوهرة الشريانية فترى أن «للموضوع إيجابياته وسلبياته، فالمسابقات قد تمنح الحافز لمن لم يحالفه الفوز أو تصيبه بالإحباط.. وكذلك الفائز قد تصيبه حالة من الغرور فيخفق في تقديم الأفضل مستقبلا أو يثق بنفسه فيجتهد في الاشتغال على نص أكثر إبداعا وتألقا أما بالنسبة لإلقاء النصوص فهذه الفكرة أعطت المتأهلين الهدوء النفسي، فلا قلق ينتابهم من احتمالية الخسارة.
ومرة أخرى فإن حصة البادي مع رأي الأغلبية فتقول «أنا مع أغلب الشعراء المشاركين في إلغاء المسابقة لسبب فني أولا هو عدم توافقها مع مفهوم كلمة «مهرجان» ثم لسبب موضوعي تفاعلي هو الخروج من حلقات التوتر في المتابعة بغرض معرفة الفائز والانتقال لحالة الاستمتاع بالقراءات على اعتبار المشاركة بحد ذاتها فوز جماعي». لكن الكثيرين أيضا غير حصة البادية يرون أن فكرة «المهرجان» غير كاملة في هذه الدورة فالمشاركون في المهرجان في العادة لا يمرون بلجان فرز وتقييم مبدئي وإنما يدعون مباشرة للمشاركة تدعمهم في ذلك سمعتهم وحضورهم السابق.
على أن الحديث الأبرز الذي سبق هذه الدورة من دورات مهرجان الشعر العماني هي النتيجة التي توصلت إليها لجنة الفرز والتي على إثرها تم استبعاد الكثير من النصوص. ورغم أن الذين تحدثوا وانتقدوا لم يكونوا مطلعين على بقية النصوص على يكون حكمهم منصفا إلا أنهم اتخذوا من نتاج الشاعر السابق مقياسا. على أن جميع هؤلاء رفضوا الحديث عندما دعتهم «شرفات» وكان لكل منهم عذرا نحترمه. أما خالد المعمري الذي شارك في المهرجان فيفضل أن يبتعد عن الحديث عن عمل لجان الحكيم «لا أحب كثيرا التطرق لعمل لجان التحكيم والفرز، فهي في الأخير مهمة أوكلت إليهم وهم على قدر تحمل المسؤولية، ولكن أشير إلى نقاط عدة أولها أن لجان التحكيم تتعامل مع نصوص وليس أسماء والدليل أنهم يقومون بفرز النصوص دون معرفة اسم صاحب النص، ثانيا هم ينظرون للنص من زاوية فنية وليس من زوايا شخصية كما أثير وهذا الأمر راجع لتذوق اللجنة للنص الأدبي وقيمته وفنياته ومدى الاشتغال على النص المقدم».
لم اقرأ النصوص المستبعدة
أما عبدالله الكعبي فيقول لم اقرأ النصوص عندما طرح هذا الحديث حول النصوص المستبعدة حتى استطيع الحكم ولكن وبما أننا في شفافية من الأمر «حبذا نشر كل النصوص المشاركة في مواقع التواصل الاجتماعي مع نشر الملاحظات النقدية ورأي لجنة الفرز ومعاييرها» لكن الكعبي يعود للقول «غالبا وأقولها صراحة الشاعر يعيش سكرة النص ونشوته ولن ينتبه لأخطائه بينما القارئ ينتبه لأنه بحالة وعي وإدراك.. حينما يجلس الشاعر مع اللجنة أو يقرأ النقد والملاحظات سينتبه لكل الملاحظات ويفيق من نشوته. وثق بأن هذا الأمر طبيعي جدا وليس انتقاصا من الشاعر بل هو طبيعي». ويعود الكعبي لطرح فكرة التعدد نفسها في قراءة النصوص «تمنيت قراءة أكثر من نص للشاعر الواحد فقد يكون الشاعر معجبا بنص ولكنه لا يكون جديرا لمسابقة والنص الآخر الأجدر بالمسابقة مهضوم حقه».
أما جوهرة الشريانية فتبدو مختلفة في طرح الرأي وتوجه حديثها للمستبعدة نصوصهم فتقول «إن ظهور الشاعر في الوسط الشعري وتمكنه لا يعني أنه لن يكتب نصا أقل من مستوى نصوصه السابقة ومما تعودنا عليه» وهي ترى أن لجنة الفرز لم يتم اختيارها «عبثا» بل «هم على معرفة وتمكن ودراية كافية لتقييم النصوص لا سيما أن بعضا منهم سبق وأن شارك في تقييم النصوص خلال المهرجانات والملتقيات ولهم حضورهم الذي لا يخفى على أحد».
وتطرح الشريانية الأمر من زاوية أخرى وتقول «السؤال الذي يطرح نفسه.. هناك شعراء وصلوا إلى قائمة شاعر المليون وشعراء آخرين معروفين بتمكنهم الشعري تم استبعادهم من مهرجانات سابقة لكن لم تحدث ضجة كما حدث هذه المرة.. فما الذي أثارهم؟!على الرغم من وجود شعراء آخرين اعتلوا منبر شاعر المليون وتأهلوا إلى هذا المهرجان».
البدواوي أيضا يطرح أفكارا مشابهة لأفكار بقية الشعراء فهو يرى أن الذين «استبعدت نصوصهم لم يطلعوا على النصوص التي تأهلت فكيف استقوا أحكامهم عندما أثاروا تلك الضجة؟! ويكمل البدواوي حديثه «كل النصوص التي تقدمت كانت بدون أسماء ولهذا كان المعيار الأساسي جودة النص المقدم بغض النظر عن اسم الشاعر ومراكزه المتقدمة في مهرجانات ومسابقات سابقة». ويبدو أن الجميع يدافع عن لجنة الفرز ولا يدافعون عن نصوصهم. وللدكتورة حصة البادية عضوة لجنة الفرز رأي في كل الحديث الذي دار حول النصوص المتأهلة فهي ترى أن «إرضاء الجميع صعب غير أني أعول على ارتفاع مستوى الوعي بفكرة الفرز إذ لا يمكن قبول كل نص تقدم به صاحبه ولا بد من معايير يتم من خلالها اختيار النصوص المشاركة والحق أقول: ضمن هذه المعايير الفنية لا توجد أسماء بل قصائد ومن تعبر به قصيدته سيكون ضمن المشاركين وفقا لمبدأ المفاضلة بعد استيفاء الشروط» وترى البادي أنه «بعض الشعراء لا يجيدون اختيار قصيدتهم الأفضل مع كل الثقة بشاعريتهم وبعضهم يعجلُ في إنجاز قصيدة دون تأنٍ ومراجعة مما قد يجعل قصيدته تتراجع مع المفاضلة».
المهرجان يحتاج أن يكون «مهرجانا»
وفيما يرى الكثير من الشعراء أن وزارة التراث والثقافة تبذل الكثير من الجهد من أجل أن يبدوا مهرجان الشعر العماني علامة مضيئة في المشهد العماني يذهب الكثيرون أيضا إلى القول إن المهرجان كان يفترض به أن يكون «مهرجانا»، مهرجانا حقيقيا للشعر وأن تكون المسابقة «مسابقة» لكن بعيدا عن المهرجان. وتحدث الكثير من الشعراء العمانيين الكبار «فضلوا عدم ذكر اسمهم لأنهم كما قال بعضهم تحدثوا وتحدثوا كثيرا» أن عُمان يليق أن يكون لها مهرجان شعري «سنوي» تكون المشاركة فيه حلم كل شاعر عماني وعربي أيضا. يدعى له الشعراء والنقاد من مختلف البلاد العربية على وزن مهرجان جرش ومهرجان المربد ومهرجانات عربية وعالمية أخرى. كما تدعى له وسائل الإعلام العربية ليقف الجميع على المشهد الشعري والثقافي العماني. ثم يتساءل أحدهم: هل يبدو هذا الأمر حلما صعب المنال؟!!


