وفاة المفكر الإسلامي الكبير علي المزروعي.. وزعماء العالم يعزون الأمة برحيله

ابن الشيخ العماني الأمين المزروعي مؤسس جريدة إصلاح –

توفي مساء أمس الأول المفكر الإسلامي علي الأمين المزروعي أحد أبرز المفكرين في العصر الحديث، عن عمر ناهز 81 عاما بعد صراع مع المرض. وبوفاة المزروعي يكون المشهد الفكري في العالم الاسلامي قد فقد أحد أبرز رموزه. وعلي المزروعي وإن كان يحمل الجنسية الكينية إلا أن أصوله عمانية وهو ابن الشيخ الأمين بن علي المزروعي صاحب جريدة إصلاح إحدى الصحف العمانية التي تأسست في المهجر. ويعد المزروعي من بين أبرز 100 مفكر على مستوى العالم وفق تصنيف صحف ومجلات أمريكية. وبعث الكثير من قادة العالم برقيات تعزية في وفاة المزروعي.

لم يقصر علي المزروعي رؤيته وأطروحاته الفكرية على إفريقيا فقط، ولكنه تعدى ذلك إلى نظرته إلى ما يحدث في العالم كله من تطورات سريعة وجذرية.

وكان المزروعي شديد الانتقاد للحدود العشوائية التي قسمت أفريقيا إلى دول، ولذلك كان كثيرا ما يقول لو أنتم مصرين على تقسيم القارة إلى خمسين دولة، فلتقسموها بخطوط رأسية وأفقية فيسهل التعرف عليها، ولن تكون أكثر عشوائية من الحدود الحالية.

ولم يكن المزروعي معجباً بالزعامات التي نشأت في الدول الأفريقية بعد الاستعمار، بل أنه نادى في التسعينات بعد تزايد حالات الدول الفاشلة في أفريقيا بعودة الاستعمار بشكل أو بآخر لتلك الدول.

كان المزروعي يشغل منصب مدير معهد الدراسات الثقافية الدولية بجامعة بنغهامتون، بمدينة نيويورك الأمريكية. ولد علي المزروعي في ممباسا بكينيا عام 1933 وهي منطقة الساحل الشرقي لإفريقيا التي كانت أولى المناطق التي دخلها الإسلام.

درس في جامعة مانشستر ببريطانيا وحصل على درجة الدكتوراة من جامعة أوكسفورد وقام لمدة عشر سنوات بعد ذلك بالتدريس في جامعة ماكريري في أوغندا.

جاب الراحل العالم وألقى محاضرات في دول عديدة في القارات الخمس وخاصة في جامعات الولايات المتحدة التي كان يقيم فيها حيث يرأس معهد «دراسات الثقافة الدولية» في نيويورك. قام بزيارات للعديد من الدول العربية وخصوصًا مصر حيث ألقى محاضرات في عدد من جامعاتها.

وفي الولايات المتحدة لم ينس هويته الإسلامية فهو من أعضاء مجلس إدارة «المجلس الإسلامي الأمريكي» في واشنطن ورئيس مجلس إدارة مركز «دراسات الإسلام والديمقراطية»، ويشارك في مركز التفاهم الإسلامي المسيحي في جامعة جورج تاون بواشنطن.

ألّف المزروعي أكثر من 20 كتابًا أبرزها «نحو تحالف إفريقي» في العام 1967، وكذلك «المفاهيم السياسية للغة الإنجليزية» العام 1975 و»علاقات إفريقيا الدولية»، وله مقالات عديدة في مجلات وجرائد عالمية مثل «النيويورك تايمز» ومجلة «التايم» و»الجارديان».

وكان المزروعي معروفاً بانتقاداته السياسية لحكم الرئيس الكيني»دانيال آراپ موي»، لذا حظر النظام الكيني دخوله للبلاد، ولم يُرفع ذلك الحظر إلا بوفاة «موي».

ومن الجدير بالذكر، أن المزروعي كان له علاقات وطيدة بعدد من الشخصيات الأفريقية والأمريكية البارزة مثل؛ نيلسون مانديلا، و مالكوم إكس، ومحمد علي.

ورغم المكانة التي يحظى بها المزروعي في أمريكا والغرب بشكل عام إلا أنه بقي شبه مجهول في العالم العربي ولا يكاد معروفا إلا في أوساط النخب المشتغلة في الفكر الإسلامي.

وفي جانب اطروحاته الفكرية انتبه المزروعي إلى ظاهرة العولمة وتأثيراتها على قارة مثل إفريقيا. فهو يرى أن إفريقيا في القرن الحادي والعشرين ستكون معقل آخر المواجهات بين قوى العولمة التي ستنتهي إما بالإيجاب أو السلب، فالعولمة لها فائزون وخاسرون. ويرى كذلك أن إفريقيا أصبحت مهمشة عن النسيج العالمي، ويستشهد على ذلك بوجود جامعات في الولايات المتحدة بها أجهزة كمبيوتر يفوق عددها كل الأجهزة التي توجد في دولة إفريقية بأكملها يزيد عدد سكانها على عشرين مليون نسمة. يؤكد المزروعي أن كلمة العولمة في حد ذاتها مصطلح حديث ولو أن المفهوم يرجع إلى قرون عديدة بتفاعل أربع قوى رئيسية هي: الدين والتكنولوجيا والاقتصاد والإمبراطورية. ولذلك فإن عولمة المسيحية، على سبيل المثال، بدأت باعتناق الإمبراطور قسطنتين الأول في روما لهذه الديانة عام 313، ما جعل المسيحية هي الديانة السائدة، ليس فقط في أوروبا ولكن في كثير من المجتمعات التي حكمها الأوروبيون. وعولمة الإسلام لم تبدأ بتحول إمبراطورية قائمة إلى الدين الإسلامي ولكن عن طريق بناء إمبراطورية مترامية الأطراف من لا شيء تقريبا. فالأمويون والعباسيون ربطوا أجزاء من إمبراطوريات شعوب أخرى مثل الإمبراطورية البيزنطية السابقة في مصر وإمبراطورية فارس وأمكنهم بذلك خلق حضارة جديدة تماما. وتصارعت في بعض الأحيان قوى المسيحية والإسلام، وفي إفريقيا فإن الديانتين تتنافسان للحصول على أتباع جدد.

ويصف المزروعي القرن العشرين بأنه القرن الوحيد في تاريخ العالم الذي شهد إنشاء منظمات دولية من عصبة الأمم إلى الأمم المتحدة كما أنه القرن الذي شهد أيضا إنشاء البنك الدولي والإعلان العالمي لحقوق الإنسان بل إقامة أول جامعة دولية هي جامعة الأمم المتحدة في اليابان. بعض هذه المؤسسات أثر على إفريقيا أكثر من غيرها.

وقد ذكر المزروعي لمدير البنك الدولي في إحدى المناسبات أنه – أي مدير البنك – أصبح ملك إفريقيا المتوج (لسلطته الضخمة في منح القروض التي تعتمد عليها الكثير من الدول الإفريقية). وقد رد عليه مدير البنك قائلا إنه سيعتبر أن البنك حقق أكبر إنجازاته حينما تصبح إفريقيا في غير حاجة إليه. ويرى المزروعي أيضا أن هذا القرن شهد خلق أول «بوليس» دولي يتمثل في الولايات المتحدة، في حين أن يوري موسيفيني رئيس أوغندا يرى أن على إفريقيا أن تكون بوليس نفسها، ومن هنا إقدام أوغندا على الانغماس في الحروب التي قامت في منطقة البحيرات العظمى (أعتقد أن المزروعي يتهكم هنا على التدخل العسكري الأوغندي في رواندا والكونغو وجنوب السودان).

وينهي المزروعي تحليلاته بتساؤل آخر وهو أنه في حين أن العالم يدخل في ظاهرة العولمة، فهل أصبح هذا العالم حقيقة على ما يقال بمثابة قرية واحدة؟ هو يعتقد هنا أن الكرة الأرضية لن تصبح أبدا في يوم من الأيام قرية واحدة إلا إذا صاحب تقريب المسافات توزيع عادل للثروات. ولن يتأتى ذلك إلا إذا أصبح الأغنياء أكثر حساسية نحو الفقراء، وعلى الشمال الغني أن يكون أكثر عدلا نحو الجنوب الفقير. على أن المزروعي يؤكد أنه لا مناص لإفريقيا إلا أن تعتمد في المدى الطويل على إمكاناتها الذاتية. وفي هذا الإطار فإن هذه القارة ذات الأربعة والخمسين بلدا شهد ثلثاها منذ استقلالها إما حروبا أو اضطرابات واسعة. ولا يتضمن ذلك تلك الدول التي شهدت انقلابات عسكرية لم ترق فيها الدماء.

ولذلك فهو يدعو إفريقيا إلى أن تتصدى بقوة لظاهرة العنف والحروب إذا ما أرادت التقدم، وينصح الأفارقة بأن يعملوا مع الآخرين على إنقاذ الأمم المتحدة رغم كل عيوبها.