د. رجب بن علي العويسي –
Rajab.2020@hotmail.com –
في ظل تحولات المسألة الأمنية وحالة الاضطراب الفكري التي يمر بها عالمنا المعاصر وفي مرحلة من اللاتوازن تعيشها البشرية نتيجة انحسار منظومة القيم الإنسانية الراقية والتعنت الفكري الناتج كردة فعل للسياسات المزدوجة وعملية الاقصاء للجماعات والفئات وتقويض الهويات؛ تأتي حالة الاستقرار الفكري التي يتناولها مقالنا كأولوية تستدعي القيام بمراجعات فكرية شاملة ومعالجات متزنة تقصي ثقافة توليد العنف وصناعة الارهاب وتعزز في الوقت نفسه المشترك في العمل الانساني النوعي لتشمل كل الأفكار والثقافات والمبادئ والسلوكيات والقناعات التي باتت يتداولها الافراد وتتبناها الجماعات فأصبحت مبادئ تسير عملها وأفكار تروجها وفق خطط وأجندة محددة.
وبالتالي كان من المهم أن ترتكز هذه المراجعات على أسس علمية تستهدف بناء الإنسان المتوازن روحيا وفكريا ومهاريا ، بحيث تتكون لديه مهارات الحياة الراقية المؤصلة للحوار والتواصل والأخوة الإنسانية والوحدة البشرية المؤمنة بقيمة جماليات الحياة وحق العيش ومنهج التعايش والتواصل مع المختلف المعززة بالنقد البناء والبحث والتفكير المتعدد في ظل موجهات عامة يتفق عليها العالم أجمع وما يرتبط بذلك من تعزيز دور التربية ومسؤولية التعليم في تأصيل الثقافة الواعية والأدوات المناسبة والمنهجيات الصحيحة في إكساب الفرد آلية التعامل مع قضايا الحياة والتفاعل مع مستجداتها والنظر إلى الاختلاف البشري كمرتكز للتكامل وتوطين التعاون، منطلقا في تحقيق ذلك من تفعيل دور الأسرة والتربية الوالدية في تعزيز هذا الاستقرار وتوظيف التفاعل والتصالح الأسري في التعريف بثقافة الاختلاف وطريقة ممارستها في الأسرة وتوجيه مصطلحاتها ومفاهيمها الايجابية في قبول الفرد لجانب التغيير من أجل الاستقرار والتنمية، وتعزيز مبدأ القدوات في ظل ممارسة والحوار في ظل تكافؤ والعلم في ظل عمل والتسامح في ظل قوة، ويصبح حوار الشباب والاستفادة من أطروحاتهم وافكارهم وتعزيز تواصلهم والحرص على بناء مناخات اللقاء معم مرتكز آخر لنمو ثقافة الاستقرار الفكري وتقوية أركانه بالمجتمع وتعزيز مكانته بين الأجيال وفق اطر وموجهات عملية قائمة على الاحترام والثقة والمسؤولية والالتزام فهي جميعها محددات بناء الشخصية الإنسانية القادرة على مواجهة الافكار العدائية الدخيلة أو المعتقدات الهدامة التي تروج للفكر المتسع للمذهبيات والفئويات وما يرتبط بها من تمرد على الانظمة والقوانين وشحن أفكار الشباب بالبحث عن المادة والحريات المجهولة والمستقبل الغامض والعداء لسياسات الحكومات وغيرها.
إن هذا الاستقرار الفكري المتكافئ يستدعي مراجعات مقنعة شاملة لكل أطر العمل على مستوى الفرد والمجتمع والدولة والعالم وإعادة صياغة شاملة لكل التراكمات السلبية التي تعيشها البشرية لتستبدل في ظل الاستقرار الفكري بالبحث في أوجه التكامل البشري والتصالح الإنساني وتجاوز الخلافات باعتماد منهجيات الحوار والبدء من مفهوم المشترك كمرتكزات للإصلاح ومحددات للتعاون، وبالتالي فهو مرحلة الشراكة العالمية من أجل تجاوز النمطية في التفكير والفردية في الفكر والفوقية في الممارسة والتطبيق، وبما يؤصل لحوار إنساني يمجد ثقافة التعاون ويعزز منطق الشراكة ويؤصل للثقة وحماية المسؤولية ويرقى بالتكامل العالمي ويعزز بناء الاسرة السليمة ويلغي حاجز الفروقات بين بني البشر على حساب جنس او لون أو مذهب أو شعب، إنها ولادة حياة جديدة وصياغة روحية للفكر والسياسات والتوجهات ومراجعة مهنية موضوعية لما يبث في وسائل الاعلام من افكار مغلوطة ومفاهيم ومصطلحات تؤصل الكراهية وتؤجج للخلاف في المجتمع، وتجديد للخطاب الديني وتقييم لأهداف التعليم وغاياته وأساليب التدريس وتبني الفكر النقدي والتربية على الحقوق والمسؤوليات والواجبات وتعزيز تعليم عالي الجودة وإشاعته وتسهيل موارده وتطوير المناهج وتفعيل دور المعلم وضبط مصادر المعرفة التي يستقي منها الجيل افكاره وتعزيز قدرته التنافسية على البحث والاستقلالية في التفكير والتأمل والتحليل وتعزيز مناخات الانتاج الفكري الرصين والدراسات الاستراتيجية التي تعزز مصداقية المعلومة وفق مؤشرات وتبني مداخل أكبر تأثيرا في ازالة الثقافة السلبية.
إننا في سلطنة عمان وبحمد الله نعيش استقرارا فكريا متوازنا وتصالحا مع الذات والآخر وقناعة بحقه في الحياة والعيش بسلام، ولقد رسمت نهضة عمان المجيدة خيوط هذا التصالح وموجهات هذا الاستقرار ، وأبناء عمان اليوم مدعوون لأن يوطنوا هذا النهج في كل خطوات عملهم ومنهجيات تعاملهم ويحملوا هذا الاستقرار الفكري للعالم المتعطش له في تعاطيهم مع قضاياه وتفاعلهم مع اجندته وتعاملهم مع ثقافاته ورصدهم لأحداثه ومواجهتهم لكل ما يبث من أفكار تستهدف وطنهم من قريب أو بعيد.


