صناعة الفوضى حاضنة الإرهاب

عاطف‏ ‏الغمري -


لقد تصورت السياسة الأمريكية وكانت واهمة – أن في استطاعتها السيطرة على مساحات الفراغ الذي ينشأ عن عمليات هدم الدولة، إلى أن اكتشفت أن الإرهاب لا وطن له، ولا جنسية، ولا ضمير، وأن المنظمات الإرهابية التي انتشرت في ساحات الفوضى في سوريا، وليبيا، والعراق، يتولد عنها نماذج متطورة من التطرف والإرهاب، الذي صار يهدد الغرب في عقر داره.


كان لافتا للنظر، كثافة جهود خبراء ومحللين في الغرب، للتعمق في فهم ما وراء تفشي الإرهاب الدموي، وانتشاره بصورة رديئة تجاوزت جميع الأعراف، وتجردت من الغرائز الإنسانية الفطرية للبشر، واتجاه هذه الجهود نحو البحث عن الجذور الحقيقية التي أنبتت ظاهرة تنظيم داعش، وأشباهه. بعض الدارسين والخبراء أشاروا صراحة إلى ضلوع أمريكا والغرب، في وصول هذه الظاهرة إلى أبشع مراحل السلوك الإرهابي، بنزوعه إلى التفاخر بسفك الدماء، والتمثيل بالجثث، بشكل يستلهم ممارساته من عصور الهمجية البدائية، في أزمان ما قبل وجود الدولة.

بعض أصحاب هذه التحليلات، استخدم تعبير «الفراغ»، الذي يحرص دعاة الفوضى لاقتحامه. التعبير نفسه استخدمه ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا بقوله: «إن أكبر وأعمق تهديد لأمننا القومي، بصورة تفوق ما كنا قد تعرضنا له من قبل، قد نشأ من الفراغ، الذي يوجد الآن في الشرق الأوسط، والذي أوجده رد الغرب غير الحاسم تجاه المنظمات الإرهابية».

أحد الخبراء الأمريكيين المرموقين وهو روجر كوهن كتب مقالا في صحيفة نيويورك تايمز عنوانه «صناعة الكارثة» قال فيه: لا أحد يحب وجود فراغ في العالم العربي، مثل المتطرفين الجهاديين (كما يسمون أنفسهم).

فكيف نشأ الفراغ، ومن المسؤول عنه؟.

هنري كيسنجر في أحدث كتبه النظام العالمي World Order الصادر في عام 2014 يقول: عندما بدأ الربيع العربي، منطلقا من تونس في ديسمبر 2010، أشاع الأمل في وضع نهاية لقوتين، هما الحكم الديكتاتوري، والمتطرفون الجهاديون، اللذان أصبحا غير ذي موضوع، ولا مكان لهما، بعد الموجة الجديدة للإصلاح، لكن الربيع العربي الذي بدأ كعهد جديد من الانتفاضات من أجل الديمقراطية الليبرالية، سرعان ما تعثر وتمزق وتحول إلى فوضى. وظهرت قوى سياسية تنزع إلى التمسح بالدين وتسليح أفرادها، أقوى وأكثر تنظيما من عناصر الطبقة الوسطى، الذين يتظاهرون من أجل مبادئ الديمقراطية في ميدان التحرير.

ثم يقول كيسنجر: إذا لم يتم تثبيت نظام الدولة، فسوف تصبح مناطق واسعة مفتوحة أمام الفوضى، التي ينتشر فيها التطرف.

ولم تتوقف دراسات أمريكية لمعاهد ومراكز بحوث، عن رصد أخطاء الإدارة الأمريكية، التي أسهمت في تنامي هذه الظاهرة الإرهابية، والتي اتفقت على أن استراتيجية أوباما، واصلت السير على نهج سلفه جورج بوش، الذي تم في عهده صك تعبير، تغيير المجتمعات العربية بحكام جدد، استقرت على أن يكونوا الإخوان المسلمين، الذين تمكنهم من الوصول إلى الحكم، في مختلف البلاد العربية، وليس فقط في مصر.

وكانت مؤسسة راند الشهيرة في أمريكا، قد نشرت تقارير موثقة عن العلاقة بين الإخوان والإدارة الأمريكية، وصفتها بالشراكة الإخوانية الأمريكية. بالإضافة إلى مؤلفات أمريكية وأوروبية نشرت تفصيلات العلاقة، وتلاقي الطرفين على هدف تفتيت الدول العربية من داخلها، وهدم الدولة، وهو هدف يمهد لانتشار الفوضى، التي توجد بدورها الفراغ، المهيأ لكي يقتحمه الفوضويون والإرهابيون. وكما قال روجر كوهن في مقاله «صناعة الكارثة»: إن الفراغ الدموي Bloody Vacum هو بالضبط ما سمح به أوباما في سوريا. ولما تنبه إلى ما يحدث هناك، كان الأوان قد فات، بعد تفتيت التماسك المجتمعي في العراق، وانتشار وجود داعش في مدنها، والذي ساعد عليه ضعف مواجهة أمريكا لداعش في سوريا، والتي كانت مصادر تسليحها تتزايد، ويتدفق عليها الإرهابيون الجدد والأموال من الخارج.

ويضيف هنري كيسنجر في كتابه، إلى أخطاء أمريكا، ما وصفه بمواقف أوباما المتشددة من نظام الحكم الجديد في مصر بعد 30 يونيو 2013، وانحيازه للإخوان، وقول كيسنجر: إن الحكومة المصرية بقيادة الرئيس السيسي، تنبهت للدروس المستخلصة من تجربة سقوط سلفه الإخواني، وبادرت بتغيير الاتجاه من التحالف التاريخي مع أمريكا، لصالح حرية أكبر في المناورة.

لقد تصورت السياسة الأمريكية وكانت واهمة – أن في استطاعتها السيطرة على مساحات الفراغ الذي ينشأ عن عمليات هدم الدولة، إلى أن اكتشفت أن الإرهاب لا وطن له، ولا جنسية، ولا ضمير، وأن المنظمات الإرهابية التي انتشرت في ساحات الفوضى في سوريا، وليبيا، والعراق، يتولد عنها نماذج متطورة من التطرف والإرهاب، الذي صار يهدد الغرب في عقر داره.

لكنها تنبهت متأخرة إلى ما وضعته يداها، وباعتراف أصوات من داخلها، بأن أمريكا تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية عن هذه الكارثة.