د. محمد رياض حمزة –
dirwa2000@yayoo.com –
من المتوقع أن تكون وزارات المالية في الدول المصدرة للنفط قد بدأت تعيد النظر في اعتمادها لسعر برميل النفط الخام المصدر في وضع محددات وحجم الإنفاق العام في موازين الإنفاق العام للسنة المالية 2015م ، في الوقت الذي خسر النفط أكثر من 25 %من قيمته منذ يونيو 3014 بفعل وفرة المعروض وبوادر على ضعف نمو الطلب العالمي ومؤشرات على عدم رغبة منتجي النفط الرئيسيين خاصة السعودية في التدخل لدعم الأسعار.
وارتفعت أسعار النفط قليلا عند التسوية يوم امس الأول الجمعة 17/ اكتوبر متعافية من أدنى مستوياتها في نحو أربع سنوات مع عودة المستثمرين للشراء في السوق التي شهدت تراجعا حادا في الأسعار وفي ظل القتال الدائر في العراق الذي زاد من المخاطر السياسية.ومع ذلك فإن هناك تفاؤلا يبديه عدد من وزراء منظمة الدول المصدرة للنفط « أوبك» بعودة ارتفاع الأسعار. كما قالت شركة «غازبروم نفت» رابع اكبر شركة نفط في روسيا – من حيث الإنتاج إنها تتوقع عدم استمرار انخفاض أسعار الخام لفترة طويلة وأن تعود الأسعار إلى مستوى 95-110 دولارات للبرميل. وذكرت الشركة أن مشروعاتها الاستثمارية قائمة على أساس بلوغ سعر النفط 95 دولارا للبرميل . وبالرغم من تصريحات عدد من أعضاء (أوبك) بعدم الحاجة لعقد اجتماع طارىء للمنظمة خلال الشهور الماضية(على اعتبار أن الأسعار ستعاود الصعود ويرتفع الطلب شتاء) إلاّ أن (فنزويلا) دعت إلى عقد اجتماع طارئ لأوبك قبل الاجتماع الدوري التالي للمنظمة في 27 نوفمبر المقيل.
في 16 أكتوبر 2014 تراجع سعر النفط ليصل إلى أدنى مستوياته في أربع سنوات دون 83 دولارا لبرميل مزيج برنت الأوربي مع تزايد المخاوف بشأن الاقتصاد العالمي الذي لا يزال متوعكا من تبعات الأزمة المالية العالمية( 2008) مما أدى إلى استمرار موجة الخسائر التي تعرض لها المنتجون المصدرون التي بدأت منذ يونيو 2014 . وخسر خام برنت أكثر من 28 % منذ يونيو الماضي في ظل تباطؤ الطلب ووفرة المعروض. وتسارعت الخسائر في أكتوبر مع ظهور بوادر على أن منظمة (أوبك) لا تعتزم خفض الإنتاج ونزل سعر مزيج برنت في العقود الآجلة تسليم نوفمبر إلى 82.60 دولار للبرميل مسجلا أدنى مستوى له منذ نوفمبر 2010. وانخفض سعر الخام 93 سنتا إلى 82.85 دولار للبرميل. وتضررت الأصول التي تعتمد على النمو الاقتصادي مثل الأسهم والنفط جراء مجموعة من المؤشرات الضعيفة في أوروبا في وقت تواجه فيه اقتصادات كبرى من بينها الصين واليابان والبرازيل بعض المصاعب.
وكان من بين الأسباب غير المباشرة التي تؤثر على اسعار النفط المخاوف من عودة الركود إلى معظم الاقتصادات العالمية بعد انخفاض معدل تضخم أسعار المستهلكين في الصين إلى أدنى مستوياته في نحو خمس سنوات ونزول أسعار المنتجين في الولايات المتحدة للمرة الأولى في أكثر من عام فيما خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط لعام 2015. ذلك بالرغم من التوترات السياسية وأعمال العنف المتصاعدة في المنطقة العربية، والتي كان أي حدث فيها يؤثر مباشرة على الأسعار.
وتأكد أن التراجع المتواتر للأسعار كان سببه الأهم هو وفرة المعروض في مختلف أسواق العالم مقالب تراجع الطلب وفي الولايات المتحدة الأمريكية وأظهرت بيانات من «معهد البترول الأمريكي» أن مخزونات الخام الأمريكي .
ويرى «ادوارد ماكاليستر» المحلل من وكالة «رويترز» أن المملكة العربية السعودية بدأت فعليا في أكتوبر الجاري العمل على تعديل اتجاه الأسعار في سوق النفط العالمية بهدف التأثير على تسارع الانتاج الأمريكي من الزيت الصخري الذي يعتقد لأن باستكمال مشاريعه ستستغني الولايات المتحدة عن كثير من النفط المستورد من الشرق الأوسط.
كانت التوترات السياسية وتفجر أعمال العنف في أي منطقة في العالم احد أهم الأسباب التي تدفع بأسعار النفط إلى الارتفاع ، والمتتبع لتطور أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية يدرك أن الأسعار تتأثر بمتغيرات منها حقيقية وأخرى مفتعلة تتحكم فيها قوى الطلب وليس المنتجون ، إذ ان معظم الدول المنتجة المصدرة للنفط الخام دولا نامية تعتمد اقتصاداتها بنسبة كبيرة على العوائد المالية من صادراتها من النفط الخام.
وهناك عدد من العوامل المؤثرة في أسعار النفط ومنتجات الطاقة الأخرى يوما بيوم فهناك العوامل الأساسية غير المباشرة وهي:
• الطلب على النفط الخام وعلى المشتقات والأحوال المناخية . وكذلك صناعة وسائل النقل كلما ارتفعت مبيعات وسائل النقل التي تعمل بمنتجات الطاقة مثل السيارات أو الطائرات كلما ازداد الطلب على النفط والعكس صحيح .
• الضرائب التي تفرضها الحكومات على المستورد من النفط الخام والمشتقات النفطية الأخرى الذي يؤثر على البيئة.
•التغيرات البيئية فاستخدام النفط والغاز الطبيعي بمعدلات مرتفعة من أكثر العوامل الضارة بالبيئة والمسببة للتلوث والتغير المناخي . الأمر الذي جعل الاتحاد الأوروبي يفرض ضريبة على المستورد من النفط والغاز الأمر الذي يتسبب بارتفاعها.
• الإنتاج (العرض) : فبالرغم من أن عدد المنتجين للنفط والغاز غير قليل إلا أن منظمة الدول المصدرة للنفط ( أوبك) أصبحت توفر 33.3 % من إنتاج النفط في العالم . هذه الحصة المهمة التي تأتي من مصدر واحد جعلت من أوبك عاملا مؤثرا بدرجة كبيرة في أسعار النفط.
• مستويات الإنتاج والمخزون في الدول المنتجة والمستهلكة الأخرى نفس تأثير أوبك ،لكن بدرجة أقل ، يتأثر إنتاج النفط وأسعاره في الأسواق بمستويات الإنتاج أو مخزون النفط في الدول المنتجة الأخرى ، مثل أعضاء منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ( OECD ) ، روسيا أو الدول التي انشقت عن الاتحاد السوفييتي.
• النضوب الطبيعي : فمنتجات الطاقة لديها فترة عمر محددة لأن النفط والغاز من الموارد الطبيعية الموجودة في باطن الأرض، من الناحية النظرية ، سوف يتلاشى الإنتاج على مر السنين بشكل طبيعي مما يؤدي لارتفاع الأسعار.
أما المتغيرات المباشرة التي تتفاعل في السوق يوما بيوم فهي:
• الأحداث السياسية : الاضطرابات والنزاعات المتأججة وأعمال العنف على الساحة السياسية تؤثر بشدة في أسعار النفط . ومن المؤكد أن أهم الأحداث في الوقت الحالي تتعلق بالحروب في العراق وليبيا والضغوط الاقتصادية على روسيا بسبب الحرب الأهلية في أوكرانيا
• التقرير الأمريكي عن الخزين الاستراتيجي من النفط الخام ومشتقاته الذي يعلن أسبوعيا عن مستوى الخزين ارتفاعا أو تراجعا له تأثير مباشر على الأسعار. فأسعار النفط في الأسواق تتناسب عكسيا مع مستوى الخزين الأمريكي.
• حالة التداول في اسواق الأوراق المالية ( البورصات) ، ومتغيراتها يوما بيوم تؤثر في الطلب اليومي على النفط ، فأسواق الأسهم مرآة تعكس مدى انكماش أو ركود أو نمو الاقتصادات العالمية .
• أسعار صرف العملات ، وتحديدا سعر صرف الدولار الأمريكي الذي يتناسب عكسيا مع اسعار النفط ، فطالما تراجعت أسعار النفط بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار أمام سلة العملات الرئيسة .
• حجم المعروض من النفط الخام ومشتقاته في الأسواق ، ففي الوقت الذي تصل الأسواق العالم كميات تفوق الطلب اليومي تتراجع الاسعار.
المتوقع أن تبقى الأسعار دون مستوى 100 دولار لبرميل نفط برنت القياسي الأوروبي خلال المتبقي من عام 2014م للأسباب الآنفة الذكر، بالرغم من التوترات ، إذ أن مصادر انتاج النفط ومسارات تجارته آمنة بعيدة عن تلك التوترات ، وقد تحدث متغيرات الطقس في الشتاء المقبل بعض الدعم للأسعر.


