النفط بين المنافسة وحرب الأسعار ضمن حروب الربيع العربي

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –

haiderdawood@hotmail.com –

في بداية العام الحالي وبعد طرح الموازنة المالية السنوية للدولة لعام 2014 التي اعتمدت سعر 85 دولارا للبرميل، التقيت بأحد المسؤولين في الحكومة وسألته عن رأيه ماإذا كان يرى بأن السعر المقرر في موازنة الدولة يمكن الاطمئان إليه في وجود الصراع العربي الذي خلفه ما يسمى بـ «الربيع العربي»، فكان جوابه أنه في ظل الأسعار السائدة -التي كانت حينذاك تزيد عن 110 دولارات للبرميل-، فان السعر الذي تم تبنيه في الموازنة العامة للدولة سوف يمكن الاطمئنان إليه باعتبار ان جميع المعطيات وآراء مسؤولي النفط كانت تشير إلى مواصلة السعر في تلك الحدود.

وفي أسوأ الاحتمالات كان التحليلات تشير بألا يتراجع السعر عن 100 دولارا للبرميل، وهو السعر الذي يناسب الطرفين من المنتجين والمستهلكين في العالم.

وهذا كان رأي معظم المسؤولين في السلطنة ودول الخليج وغيرها من الدول الأخرى الذي يعتمدون على آراء وتحليلات الرأي العالمي.

الأمور تغيرت الآن بفعل العديد من العوامل التي تتناولها التحليلات، وتتواصل العقود الآجلة للنفط تراجعها، في الوقت الذي نرى هناك توقعات بأن منظمة «أوبك» ربما تتخذ قراراً بخفض الإنتاج في الاجتماع المقبل له في 27 من شهر نوفمبر المقبل بناء على رغبة بعض الأعضاء، ولكن البعض يستبعد هذه الفكرة نتيجة للصراع الجيو سياسي لبعض الدول العربية مع دول غير عربية أعضاء في هذه المنظمة وخارجها، في الوقت الذي يتباطأ الطلب على النفط بأعلى وتيرة له منذ عام 2009، وتصل الأسعار حاليا إلى أن أدنى مستوى له منذ عام 2010 بحيث تتداول الأسعار بأقل من 80 دولارا للبرميل.

بعض الاحتمالات تشير الى أن دول الخليج باتت مستعدة لقبول انخفاض الأسعار ربما إلى 76 دولارا للبرميل، ولكن يرى البعض بأن ذلك أصبح اليوم من أضغاث أحلام نتيجة لتراجع أسعار النفط بهذه الصورة الدراماتيكية، حيث نرى هذه المرة بأن استطاعت بعض الدول الكبرى التحكم في أسعار النفط بعدما عجزت عن تبنيها لقضية التحكم بأسعار النفط في إطار سياسات منظمة التجارة العالمية قبل عدة سنوات، عندما طالبت بأن يكون سعر النفط خاضع للعرض والطلب كأي سلعة أومنتج أو خدمة آخرى تباع في العالم.أي أنها أرادت أن تقضي على منظمة اوبيك ولم تنجح في ذلك، فاستخدمت اليوم أساليب أخرى ربما تصل لهدفها.

فهل ينجح الاجتماع المقبل بأن يعيد الهيبة لمنظمة أوبك، ويستطيع اعضاء هذه المنظمة العريقة الاتفاق على إجراء تخفيضات عاجلة في الإنتاج لرفع أسعار النفط العالمية مرة أخرى إلى 100 دولار للبرميل على الأقل؟؟ الحلول بيد بعض الأعضاء وخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تؤكد كل من السعودية والكويت بضرورة المحافظة على حصة كل منهما في السوق حتى وإن كلفهما ذلك انخفاض الأسعار، في الوقت الذي أبدت بعض الدول الخليجية موافقتها على أن تتحمل اليوم نفقات تمويل القوى الكبرى التي تحارب ما يسمى بداعش وغيرها من العصابات الأخرى التي خرجت إلى المنطقة في إطار الربيع العربي.

فهل ستعمل على الحفاظ على إنتاجها من النفط لتحصل على أكبر قدر من الأموال للمنافسة مع دول أخرى المنتجة للنفط داخل وخارج اوبك، أم ستنظر إلى مصلحة الجميع والاستثمار في العالم؟؟ الكل منتظر خلال هذه المدة من الشهر بما تسفر عنه اجتماعات أوبك، في الوقت الذي يرى محللون في شؤون النفط بأن المنتجين قد يرون أن العالم لا يحتاج إلى 100 دولارا للبرميل لتنشيط الاقتصاد العالمي، ولكن ما يحتاجه هو أرضية للسعر لمساعدة المنتجين على الاستثمار، في الوقت الذي يؤكد بعض المحللين بأن وصول الأسعار إلى 76 أو 77 دولارا للبرميل- وهي كلفة الإنتاج في الولايات المتحدة وروسيا- سينهي الانحدار الحاصل في الأسعار، وأن اي تغيير في الوقت الحالي غير ممكن، في الوقت الذي يبدو فيه أن الجميع يحافظ على حصته من الانتاج.

الكل أصبح الآن مسوؤلا عن الأسعار سواء أكانت السعودية، أو الكويت او العراق أو إيران أو غيرها، لأن السوق ينتظر مزيدا من تراجع الأسعار، في الوقت الذي يتطلب أيضا من الدول خارج اوبك بأن تكون على قدر من المسؤولية تجاه هذه الأزمة التي تتكرر بين فترة وأخرى، خاصة وأن الجميع كان يأمل بأن تتحسن أسعار النفط في مثل هذه الفترة التي تتميز بالبرودة والشتاء.

فالزيادة الحالية في الانتاج تأتي أيضا من دول كبيرة خارج أوبيك وبالذات من أمريكا وكندا، حيث يرتفع الانتاج من خارج اوبك بواقع 1,5 مليون برميل نفط يوميا بسبب استمرار امريكا في إنتاج النفط الصخري، واستغلال الطلب العالمي على النفط بما يعادل 1.2 مليون برميل يوميا.

وهذه احدى التحديات الاخرى التي تواجه اوبيك في ظل وجود هذا الفائض من النفط في العالم، والمنافسة النفطية التي تشعل اليوم من قبل كل من أمريكا وروسيا في هذا الاطار في ظل وجود النفط الصخري والاكتشافات الاخرى التي يتم تطويرها في هذا الجانب.

فتقرير صندوق النقد الدولي أشار إلى أن ثورة الصخر الزيتي في الولايات المتحدة أدت إلى انخفاض أسعار الغاز بشكل حاد فيها، بالرغم من ارتفاعها مؤخرا في أوروبا واليابان.

وقد حدث هذا لأن الغاز، خلافاً للزيت، لا يمكن نقله بسهولة حول العالم، الأمر الذي يؤدي إلى اختلافات كبيرة في أسعار الطاقة عالميا وتأثرها بتخمة الإمدادات، وتباطؤ نمو الطلب عليها.

فهبوط الأسعار ربما سيظل مستمرا بفعل تلك العوامل حيث يظهر تقرير لمعهد البترول الأمريكي زيادة أكبر بكثير من المتوقع في مخزونات الخام التجارية في أمريكا، واشتعال المنافسة لتعزيز السيطرة على حصصها في الدول الآسيوية التي تعتبر من الدول الكبيرة المستوردة للنفط في العالم.

فقد قفزت المخزونات الامريكية بواقع 10٫2 مليون برميل كما أعلن عنها مؤخرا لتصل إلى 370٫70 مليون برميل، في حين كانت التوقعات تشير إلى زيادة قدرها 2٫8 مليون برميل، الأمر الذي أدى إلى هبوط سعر عقود الخام الأمريكي الخفيف للشهر المقبل.

هناك اليوم آراء عديدة يدليها المحللون العاملون في هذا المجال، حيث يستبعد البعض منهم حدوث حرب الأسعار.

وفي هذا الصدد يؤكد المحلل في شؤون النفط وائل مهدي أن الدول المنتجة وعلى رأسها السعودية، لن تدخل في حرب الأسعار، مشيرا أنها مرت بنفس الأمر في الثمانينيات وانتهى الموضوع بنهاية بشعة على الجميع، وما نراه اليوم هو أقرب للتنافس الشديد، منه لحرب الأسعار والتي ليست من مصلحة أي من الدول المنتجة للنفط داخل وخارج اوبيك.

فأمريكا أيضا لا تريد أن تهوي الأسعار، بصورة تؤثر على صناعتها النفطية واقتصادها أيضا.

هناك بالطبع ستكون أثارا سيئة على اقتصادات الدول التي تعتمد كليا على الانتاج النفطي في ظل التراجع الكبير في أسعار النفط، ولكن ستظل الآثار محدود باعتبار أن الشهور التسعة الأولى من العام الحالي تميزت بأسعار تزيد أو تصل إلى 100 دولار للبرميل، واستطاعت من خلالها زيادة احتياطاتها من الأموال في الصناديق المخصصة للاستقادة منها في مثل هذه الظروف الاستثائية، الأمر الذي يتطلب منها توعية الجميع بأهمية الاستثمار في القطاعات غير النفطية وزيادة الادخارات ليبقى الجميع مطمئنا تجاه السياسات الاقتصادية لدولها، ولا يكون عرضة لمثل هذه الازمات التي سوف تتكرر ان لم يتم وضع استراتيجيات للاستفادة من المصادر والقطاعات الاقتصادية الأخرى.