عماد عريان -
لن تنسى الولايات المتحدة أبدا أن نظام الرئيس السوري بشار الأسد اتهم الإدارة الأمريكية عشية غزو العراق بشن أكبر عملية سطو مسلح في التاريخ، ولذلك وضعته واشنطن في عين العاصفة.
في خضم الأحداث الساخنة التي تلهب ربوع الشرق الأوسط ومنطقتنا العربية على وجه الخصوص في أيامنا تلك، تستدعي الذاكرة جلسة مجلس الأمن الدولي الشهيرة التي عقدت في نيويورك مطلع عام 2003 وحاولت خلالها الولايات المتحدة انتزاع قرار دولي صريح يضفي شرعية دولية على غزوها المزمع للأراضي العراقية، كانت جلسة مشهودة وتاريخية شاركت فيها سوريا كونها عضوا غير دائم وقتها في المجلس الدولي، ومثلها في تلك الجلسة وزير خارجيتها آنذاك فاروق الشرع الذي اعتبر العدوان على العراق عملا غير شرعي ولا مبررقانوني أو أخلاقي له، وأطلق الشرع وصفه الشهير عندما قال إنه إذا كان هناك إصرار أمريكي على غزو العراق فنحن إذن أمام أكبر عملية سطو مسلح في التاريخ.
أغلب الظن أن هذا الوصف قد فاقم من وقتها حالة الضغينة القائمة بالفعل بين الطرفين، ليس لمجرد إحساس نفسي أو شعور أخلاقي بالتطاول المتبادل بينهما إلا أن شواهد عديدة من يومها كانت ترجح أن العلاقات بين البلدين تسير في طريق اللاعودة، فقد تأكدت الولايات المتحدة بما لا يدع مجالا للشك أن نظام الأسد سيبقى بمثابة العقبة الكؤود في طموحاتها ومخططاتها المستقبلية بالمنطقة ومن ثم اعتبرت رحيل النظام السوري عملا محتوما لفتح الطريق أمام التوسعات الأمريكية، ولأن الدول الكبرى والقوى العظمى تمارس سياساتها الخارجية على وجه الخصوص في إطار استراتيجي شامل يتسم بطول النفس والتخطيط على المدى الطويل مهما تبدلت الحكومات، فلم يكن من المتوقع أن يتم خلع نظام الأسد بين عشية وضحاها بعد غزو العراق وسقوط بغداد مباشرة، ولكن لاشك في أن التخطيط قد بدأ من وقتها لهذا اليوم الوعود بتهيئة المسرح الداخلي في سوريا وايجاد الظروف الإقليمية وتهيئة الأجواء الدولية لتمرير مثل هذا المخطط، أما النظام السوري فلاشك في أنه من يومها قد استشعر خطرا جسيما خاصة بعد نجاح ما سمي التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة في اتمام عملية غزو العراق واسقاط الرئيس العراقي صدام حسين وإعدامه بعد ذلك، فقد كان فاروق الشرع يقاوم العدوان الأمريكي المنتظر على العراق عام 2003 لإدراكه جيدا أنه سيتحول إلى نموذج يسهل تكراره في مواقع أخرى بالمنطقة العربية، ومن هذا المنطلق كان الشرع يدافع عن البقاء السوري لعلمه جيدا أنه سيصبح في عين الإعصار الأمريكي في مراحل تالية.
وقد باتت الفرصة مواتية بالفعل مع أحداث وتداعيات «الربيع العربي»خاصة مع غياب ثعلب سوريا الماكر واللاعب الماهر على الساحتين الإقليمية والدولية حافظ الأسد، فأصبح الباب مفتوحا أمام تحولات وتطورات جديدة كان من الصعب منعها من الأساس أو حتى احتواؤها بعد اندلاعها، فقد بدأت مؤشرات قوية على حدوث تصدعات وانشقاقات في النظام السوري كان ابرزها انشقاق نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام وفراره إلى باريس معلنا تمرده وخصومته مع النظام السوري الذي طالما كان واحدا من أقوى أركانه، وعلى الصعيد الداخلي السوري أيضا بدأت بعض مظاهر التمرد والاحتجاجات التي أخذت في بعضها مظاهر طائفية أو عرقية وكان أبرزها على الإطلاق مظاهرات ومصادمات القامشلي عام 2004 في وقت كانت تتحرك فيه الظروف الإقليمية في غير صالح النظام السوري، فبينما أخذت أوراق سوريا في إدارة صراعها مع إسرائيل في التراجع لغير صالحها تعرض النفوذ السوري لأكبر ضربة إقليمية باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري عام 2005 وهي الواقعة التي أدت إلى خروج سوريا نهائيا من لبنان وسحب كافة قواتها في مشهد كلفها بالقطع الكثير من الخسائر السياسية والاستراتيجية ٍ
لتأتي وسط كل هذه التفاعلات أحداث «الربيع العربي»انطلاقا من تونس ومصر، وسواء أكانت أسبابها وتداعياتها نتيجة تراكمات داخلية أو أسباب موضوعية حقيقية في دول المنشأ أو أنها نتيجة ترتيبات عالمية وتدخلات خارجية من جانب بعض القوى والمخابرات الأجنبية التي بادرت بالتدخل إلا أن ما تكشف بعد ذلك يؤكد أن الظروف المستجدة أوجدت تربة خصبة وفرصة سانحة للتدخل وتنفيذ مخططات وضعت قبل سنوات في انتظار الفرصة المواتية التي جاءت بالفعل، ولكن عوامل النجاح في مصر وتونس لم تكن قائمة في دول أخرى استهدفها«الربيع العربي» فبدأت الحرب الأهلية في ليبيا وبلغت ذروتها باعلان قيام تحالف دولي لخلع القذافي ولكن الأموراختلفت تماما عندما وصلت إلى المحطة السورية لظروف داخلية تتعلق بقوة الجيش النظامي السوري وإحكام نظام الأسد سيطرته عليه وعلى الدولة عموما كما أن الموقف الإقليمي كان يصب بقوة في مصلحة النظام بحصوله على دعم قوي جدا من جانب إيران وحزب الله وقد ثبتت أهمية هذا الدعم المسلح في ساحات المعارك مع قوى المعارضة على اختلاف توجهاتها وخاصة في معركة «القصير» التي قاتل فيها حزب الله قتالا مريرا ساهم في هزيمة المعارضة والحيلولة دون فتح الطريق نحو دمشق، وفي هذا السياق أيضا كان الموقف الدولي يتحرك في صالح الأسد إلى حد ما والحديث هنا تحديدا عن الموقفين الروسي والصيني حيث حالا دون تصعيد الموقف الغربي – الآمريكي تجاه دمشق أو تمرير قرار باحالة الملف السوري للجنائية الدولية، مع استمرار تدفق الأسلحة الروسية والإيرانية على النظام السوري.وتحسن الموقف أكثر بموافقة دمشق على تسليم مخزونها من الأسلحة الكيميائية مما بعث برسالة تؤكد رغبة الأسد في التعامل مع المجتمع الدولي، وأدى ذلك أيضا إلى نزع فتيل حرب أمريكية كانت تلوح في الأفق ضد سوريا.
ووسط هذه الظروف الداخلية والإقليمية والدولية التي حالت دون تكرارالتجربة الليبية في سوريا والخلاص من الأسد على طريقة القذافي وصدام حسين، فشلت المعارضة السورية سواء المسلحة منها أو غير المسلحة وفشلت معها بعض القوى الإقليمية التي يبدو أنها تورطت أكثر من اللازم في دعم هذه التنظيمات وأيضا القوى العالمية المعنية في الإطاحة بنظام الأسد الذي تحدى الجميع وأجرى انتخابات رئاسية داخل بلاده وخارجها وفاز فيها بفترة رئاسية جديدة، وإزاء هذا الموقف الشائك والمعقد كان لابد من إيجاد توجهات ومخططات جديدة وطرق بديلة لتحقيق أهداف وطموحات قديمة، وبالتأكيد لم ولن تجد القوى الغربية والولايات المتحدة أفضل من ذريعة الإرهاب كمظلة أخلاقية للتدخل المسلح في المنطقة مجددا، وأتضح أن تنظيم داعش هو الذريعة الجاهزة للتدخل بتحالف دولي تجرجره الولايات المتحدة خلفها.
وفي السياق ذاته تم تحميل النظام السوري مسؤولية تمدد الإرهاب في المنطقة وتوفير البيئة الخصبة لنشاط داعش، وبرغم الرغبة الأكيدة التي أبدتها سوريا وأيضا إيران في المشاركة في العمليات العسكرية ضد داعش مادام الهدف المعلن هو اقتلاع الإرهاب من المنطقة إلا أن واشنطن رفضت ذلك بشكل تام لأنه من الواضح أن داعش وحدها ليست المستهدفة وإنما المطلوب أيضا رأس النظام السوري ولذلك جاءت تصريحات رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون ووزير الخارجية الآمريكي جون كيري التي قالا فيها صراحة أن الخلاص من داعش يبدأ بإسقاط الأسد ونظامه، ولذلك شرعا في حشد قوى إقليمية ودولية ضده بدعم التنظيمات المعارضة المسلحة وتزويدها بالمال والعتاد والتدريب والعمل الاستخباراتي وأيضا بالغارات الجوية المدمرة.
ومن هذه الحقائق التي لا تخطئها عين ربما أمكن التأكيد على أن النتيجة المتوقع حدوثها ضمن تداعيات الحملة العسكرية على داعش هي الوصول إلى دمشق وإسقاط الأسد، أما عن الوسيلة والمدى الزمني لتحقيق هذا الهدف فهذا ما ستكشف عنه الأيام وتطورات الأحداث ولكن الهدف سيتحقق بأي ثمن وبأي خسائر تحقيقا لمخطط قديم ربما يعود إلى تلك الجلسة الشهيرة لمجلس الأمن عشية الغزوالأمريكي للعراق حيث اتهمت واشنطن بشن أكبر عملية سطو مسلح في التاريخ.


