النتائج المنتظرة.. لمثلث إيران – العراق – السعودية

أحمد سيد أحمد -

أصبح خطر تنظيم داعش الإرهابى المصدر الأول لتهديد دول المنطقة خاصة بعد استيلائه على مساحات كبيرة في العراق وسوريا وممارساته الوحشية وإيديولوجيته المتطرفة، التي دفعت إلى تشكيل تحالف دولي للتصدي له والقضاء عليه.


في ظل الجدل وتباين مواقف الدول من التحالف ضد داعش إلا أن العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والعديد من الدول العربية ضد مواقع التنظيم في العراق وسوريا منذ أسابيع تحمل تأثيرات وتداعيات متنوعة على دول المنطقة خاصة السعودية والعراق وإيران. ويمكن القول ان هناك عدة عوامل تحدد بشكل كبير مدى وحدود وحجم هذه التأثيرات لعمليات التحالف الدولي على الدول الثلاث:

أولا: اختلاف وتعارض مواقف وأهداف كل دولة من الدول الثلاث من التحالف الدولي ضد داعش، فإيران تسعى لتوظيف وتحقيق مكتسبات عديدة من وراء الحرب على داعش أولها دعم النظام السوري وحججه بأنه يحارب الإرهاب وليس ثورة سلمية، وبالتالي تبرير الدعم العسكري والاستخباراتي له. وثانيها الدخول في صفقات ومساومات مع الولايات المتحدة لمساعدتها في مقاومة داعش مقابل امتيازات وتسهيلات فيما يتعلق ببرنامجها النووي ورفع العقوبات، كما حدث من قبل في أفغانستان والعراق. وثالثها التركيز على أن مصدر التهديد ينبع من الإسلام السني الراديكالي وليس الإسلام الشيعي الذي تمثله إيران. ورابعا تدعيم نفوذها القوي في العراق، والذي توسع بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وازداد رسوخا بعد الانسحاب الأمريكي عام 2011، وذلك تحت مظلة محاربة الإرهاب.

وفي المقابل فإن السعودية انضمت للتحالف الدولي ضد داعش وشاركت بعض طائراتها في شن غارات على مواقع التنظيم في شرق سوريا خاصة في محافظة الرقة ومنطقة البوكمال، حيث تعتبر أن تنظيم داعش بأفكاره المتطرفة وممارساته الوحشية يمثل خطرا على الإسلام المعتدل الذي تمثله السعودية، كما أن التنظيم يستقطب عناصر من المقاتلين للقتال في صفوفه من بينهم بعض الشباب السعودي، وهو ما دعا المملكة لتجريم ومحاكمة أي شخص يقاتل إلى جانب التنظيم. لكن السعودية تتحفظ على تزايد الدور والنفوذ الإيراني السلبي خاصة في العراق وسوريا، ولذلك لم تكن السعودية مؤيدة لاشتراك إيران في هذا التحالف باعتبار أن طهران – حسب رؤيتها – جزء أساسي من المشكلة وسبب في تنامي قوة هذا التنظيم، فدعم طهران للنظام السوري وقمعه الشديد ضد المعارضة، كذلك دعمها للنظام العراقي الذي يسيطر عليه الشيعة، خاصة في عهد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، وقمعه وتهميشه للسنة في العراق، قد أوجد البيئة التي ساعدت على نمو وازدهار الجماعات المتطرفة ومنها تنظيم داعش وجبهة النصرة وغيرها. وبالتالي تسعى السعودية إلى القضاء على نفوذ وتمدد تنظيم داعش ومنع تسلل عناصره إلى داخل السعودية، وكذلك إسقاط النظام السوري ودعم المعارضة المعتدلة، وتحجيم النفوذ الإيراني.

أما العراق والذي يمثل ساحة للتنافس الإيراني السعودي بشكل او بآخر، حيث تسيطر إيران سياسيا وعسكريا على العراق، فإن انطلاق عمليات التحالف قد ساعدته إلى حد ما في وقف تمدد التنظيم واستيلائه على كثير من المناطق في شرق العراق خاصة في المناطق السنية والكردية، وبات قريبا من بغداد، كما حظيت الحكومة العراقية بأسلحة ومعدات من الدول الغربية لمواجهة التنظيم وتعويض الأسلحة التي فقدها لصالح مقاتلي داعش.

ثانيا: مدى نجاح حملة التحالف الدولي في القضاء على تنظيم داعش في سوريا والعراق والفترة الزمنية التي سيستغرقها في ذلك، فكلما زادت الفترة الزمنية كلما زادت التأثيرات السلبية على الدول الثلاث، خاصة أن الإدارة الأمريكية أعلنت أن القضاء على داعش قد يستغرق سنوات، ومن ناحية أخرى فإن الغارات الجوية لن تنجح وحدها في القضاء على تنظيم داعش الذي يتحصن عناصره داخل المدن والسكان المدنيين ويمارس حرب العصابات وأنه بدون قوات برية فإن التنظيم سيلجأ إلى حرب العصابات واستنزاف قوات التحالف.

ثالثا: مدى تماسك التحالف وتداخل الأبعاد الدينية مع الأبعاد السياسية، فإيران الشيعية تختلف عن السعودية السنية عن العراق الذى يمزج بين السنة والشيعة، ولذلك فإن أحد التأثيرات السلبية لعمليات التحالف هو احتمال تأجيج الصراع السني الشيعي والصراع السني السني بين المعتدلين والمتشددين، وهو ما يؤجج الصراع المذهبي في المنطقة وبشكل خاص في العراق حيث إن كثيرا من المناطق السنية في العراق في محافظات الرمادي وصلاح الدين والأنبار قد أبدت تعاطفها مع تنظيم داعش نتيجة لهيمنة وسيطرة الشيعة على السلطة في العراق وتهميشهم للفئات السنية بدعم إيراني.

وبالتالي تتمثل التأثيرات المحتملة لعمليات التحالف الدولي ضد داعش على الدول الثلاث في:

أولا: مشاركة السعودية عسكريا في التحالف وقيادتها للدول العربية، واستضافتها لمؤتمر دولي حول محاربة داعش، سوف يزيد من الدور السعودي في التفاعلات الإقليمية خاصة في سوريا من خلال دعم المعارضة السورية المعتدلة التي يمثلها الجيش الحر، كما أن مشاركة السعودية سوف يزيد من دورها في العراق وموازنة الدور الإيراني، خاصة بعد رحيل المالكي، ويساعد في تحقيق التوازن بين الفئات العراقية الثلاث وزيادة دور السنة في العملية السياسية، كما أنه سوف يحجم من خطر تنظيم داعش على الأراضي السعودية.

ثانيا: من التأثيرات السلبية لعمليات التحالف هو زيادة الدور الخارجي في العملية السياسية والأمنية في العراق خاصة الدورين الأمريكي والإيراني، فالولايات المتحدة، التي انسحبت عسكريا من العراق، تسعى إلى دحر التنظيم بعد الجرائم التي ارتكبها بحق المسيحيين والازيديين والأكراد والصحفيين الأجانب، لا تريد أن يصبح العراق دولة فاشلة وتفقد نفوذها فيه، ولذلك ضغطت من أجل رحيل المالكي وتعيين حيدر العبادي رئيسا للوزراء لتحقيق التوازن في العملية السياسية وإرضاء السنة، خاصة أنها في حاجة ماسة لدعم العشائر السنية لمقاتلة تنظيم داعش في المناطق السنية، كما حدث في تجربة التحالف مع الصحوات في عامي 2006 و2007 مع رفض الإدارة الأمريكية إرسال قوات برية لمقاتلة التنظيم على الأرض، وهذا يدفع مرة أخرى لأن يقترب العراق كثيرا من الولايات المتحدة، ومن ناحية أخرى فإن عمليات التحالف سوف تزيد من الدور الإيراني خاصة المليشيات الشيعية المسلحة الإيرانية والعراقية لمحاربة التنظيم وهذا بدوره سوف يزيد من الصراع الطائفي في العراق.

ثالثا: يمثل التكالب الغربي لدعم الأكراد بالأسلحة والمعدات لمقاتلة ودحر داعش من المناطق الكردية لغما خطيرا مع مساعي الأكراد المستمرة لفرض سيطرتها على المناطق الكردية وتوظيف تمدد داعش لاكتساب مزيد من الأراضي كما حدث في كركوك تمهيدا لتدعيم الحكم الذاتي للأكراد ومن ثم إعلان استقلال كردستان، وهو ما يهدد بتفتت العراق. كما أن استهداف التحالف لقوات داعش سوف يدفع عناصرها إلى شن عمليات انتقامية وحرب عصابات في المدن العراقية الشيعية والكردية وهو ما سيزيد من حالة عدم الاستقرار الأمني في العراق

رابعا: سوف تؤدي عمليات التحالف الدولي في العراق وسوريا إلى تزايد المساومات بين إيران وحلفائها مثل حزب الله والنظام السوري من جهة، وبين الولايات المتحدة والسعودية من جهة أخرى، وبالتالي تتداخل الحرب على الإرهاب مع الصراع السياسي بين تلك الأطراف مع الأبعاد المذهبية والطائفية، وهو ما يزيد من أمد الحملة الدولية على داعش ويوسع من ساحة المعركة بحيث تتجاوز العراق وسوريا إلى ساحات أخرى في المنطقة بعد أن هدد التنظيم بشن عمليات انتقامية داخل الأراضي الإيرانية وداخل الدول المشاركة في التحالف ضده.

وبالتالي في ظل غياب استراتيجيات واضحة لعمليات التحالف الدولي ضد داعش، وتناقضات هذا التحالف وتباين مواقف وأهداف الأطراف المختلفة من ورائه.

وفي ظل صعوبة القضاء على داعش عبر الغارات الجوية، فإن التأثيرات على السعودية وإيران والعراق من عمليات التحالف الدولي سوف تتباين وتتوقف على قدرة كل طرف على توظيف تلك الحملة لصالح أهدافه ومصالحه، وتوظيف ما لديه من أوراق لدعم نفوذه الإقليمي في مواجهة نفوذ الأطراف الأخرى ومنع التداعيات السلبية لتمدد الحرب على داعش إلى خارج الأراضي السورية والعراقية.