فلسطيني ينافس على منصب عمدة برلين !

سمير عواد –


يبحث الحزب الاشتراكي الألماني في ولاية برلين عن خلف لعمدتها الحاكم كلاوس فوفرايت، الذي يحكم الولاية منذ أكثر من ثلاثة عشر عاما، بعدما أعلن أنه سيتخلى عن منصبه في مطلع ديسمبر القادم، دون أن يعطي أي أسباب، وبذلك تنتهي حقبة فوفرايت، الذي تختلف الآراء حول ما قدمه للولاية، فحين يقول البعض أنه جعلها واحدة من أبرز مدن أوروبا، وقبلة للسياح من كل مكان، يقول البعض الآخر أنه تسبب في زيادة مديونيتها المثقلة بمليارات اليورهات، وخاصة فشله في إتمام بناء مطار برلين الجديد في عام 2013 كما كان مقررا، وتأخير الافتتاح بعد فشل مشروع بناء بعد الآخر، وارتفاع تكاليف بناء المطار. أما من الناحية السياسية، فإن استقالة فوفرايت من منصبه، يدل على عدم وجود طموحات لديه، ليلعب دورا بارزا في قيادة الحزب الاشتراكي وبالتأكيد ليس المنافسة على منصب المستشارية.

وكان فوفرايت قد أثار جدلا واسعا في برلين، بعد استلامه منصبه قبل ثلاثة عشر عاما، بسبب علاقاته العاطفية.وبعد ان اتضح أن فوفرايت سيتخلي عن منصبه في نهاية العام الحالي، بدأ جدل حول خليفته المحتمل، ويلفت الانتباه أن أبرز المنافسين يدعى رائد صالح، وهو فلسطيني الأصل، انتسب إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي في برلين، عام 1995، وعمل في عدة لجان منبثقة عن الحزب، أبرزها لجنة الهجرة، بحكم أنه ابن أسرة مهاجرة، وعلاقاته الوثيقة مع الجاليات الأجنبية بالإضافة إلى أنه يحظى بقبول واسع لدى المواطنين الألمان في برلين. وتجدر الإشارة الى أن رائد صالح من مواليد 10 يونيو عام 1977 في سبسطية/فلسطين، أتى مع أسرته مهاجرا وهو صغير السن، درس حتى الثانوية ثم عمل في أحد مطاعم الهمبورجر في برلين، ثم بدأ يعمل في عدد من الشركات إلى أن أنشأ شركة للاتصالات. وفي عام 2006 فاز بمقعد في برلمان ولاية برلين.

وينافس رائد صالح على منصب عمدة ولاية برلين الحاكم، يان شتوس، قائد الجناح اليساري في الحزب الاشتراكي ببرلين، ووزير تطور المدينة ميشائيل مولر، الذي يرأس برلمان الولاية.

والجدير بالذكر أن ولاية برلين يحكمها ائتلاف بين الاشتراكيين والمسيحيين الديمقراطيين منذ عام 2011، وقبلها تحالف فوفرايت مع حزب اليسار. وسوف يختار أعضاء الحزب في الولاية، واحدا من المتنافسين الثلاثة، لخلافة فوفرايت، وسيتعين على الفائز الحصول على موافقة برلمان الولاية في ديسمبر. وقال الحزب المسيحي الديمقراطي أنه سوف يصوت لصالح المرشح الاشتراكي الذي يؤيد استمرار عمل الحكومة الائتلافية الحالية في ولاية برلين. وهنا يملك رائد صالح فرصة جيدة، ذلك أنه ينتمي إلى الجناح المحافظ في حزبه.

لا أحد يستطيع التنبؤ بفرصة أول عربي فلسطيني في ألمانيا يصل إلى منصب سياسي رفيع، لكن رائد صالح البالغ 37 عاما من العمر، لديه أمل باقتحام الساحة السياسية الألمانية. ففي عام 2011، فاجأ الجميع في برلين عندما حاز على تأييد الأغلبية لمنصب رئيس الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي في ولاية برلين، رغم معارضة فوفرايت. وإذا استطاع الفوز بمنصب عمدة برلين الحاكم، سيكون أول سياسي عربي الأصل وصل لهذا المنصب الذي يعد منصب رئيس وزراء في الولاية المذكورة.

وقصة حياته لا تخلو من الإثارة، فبعد سنوات قليلة على ولادته بالقرب من مدينة نابلس، وكان سادس مولود من أصل تسعة أطفال، هاجر والده مع الأسرة إلى برلين الغربية، حيث ترعرع رائد في حي متواضع، وكان والده يعمل في أحد المخابز، وثابر رائد على الدراسة وحصل على الثانوية العامة، ثم بدأ دراسة الطب، لكنه قطع دراسته ودخل معترك الحياة العملية، وعمل في مطعم همبورجر، ويقول ان امتهانه العمل الصعب، ساعده في بلورة شخصيته وأنه شعر منذا البداية أنه يرغب في العمل السياسي ووجد ضالته في الحزب الاشتراكي الديمقراطي.

ويعلم رائد صالح أن الناخبين في ولاية برلين، ينتمون إلى مختلف التيارات السياسية، وهذا ليس غريبا، في ولاية، متعددة الثقافات، وهو ما فرضه عليها ماضيها، عندما كانت برلين الغربية، عبارة عن جزيرة في ألمانيا الشرقية السابقة، لكنها تابعة لألمانيا الغربية، وبعد استعادة ألمانيا وحدتها في عام 1990، أصبحت بعد وقت قصير من جديد، عاصمة لألمانيا. وتجتذب اليوم أيضا الآلاف من الطلبة والمهاجرين الذين يعتقدون أن برلين، أكثر تحررا من سائر ولايات ألمانيا.

وبحكم تأييده مواقف محافظة، لا يجعله مقبولا عند اليساريين في المدينة، ففي مقال كتبه في واحدة من الصحف البرلينية، طلب احترام شرطة المدينة وبدأ نقاشا حول الاعتداءات التي يتعرض لها عناصر شرطة برلين من قبل جماعات يسارية ألمانية في المدينة. كما أن مواقفه ليست مطابقة لمواقف حزب الخضر المعارض في برلمان الولاية. ويعتقد البعض أنه يتبنى مواقف متشددة.

أما الجالية اليهودية الكبيرة في برلين، فهناك من يؤيد فيها حصول الفلسطيني الأصل رائد صالح على منصب عمدة برلين الحاكم، باعتبار أن ولاية برلين، متعددة الثقافات، ولأول مرة هناك فرصة واقعية بأن يصبح أحد المهاجرين عمدتها الحاكم، بينما يرى البعض أن وصول فلسطيني لهذا المنصب الرفيع، يشكل خطرا على موقف ألمانيا من مسؤوليتها التاريخية تجاه الشعب اليهودي وإسرائيل.

وتجدر الإشارة أن رائد صالح، انتقد بشدة في مناظرة تلفزيونية خلال حرب غزة الأخيرة، إطلاق هتافات في برلين، معادية لليهود، وقال انه يتمنى أن يزور البرلينيون الذين ينحدرون من أصول فلسطينية بالذات، معسكرات الاعتقال التي أقامها النازيون، للتعرف على ما عاشه يهود ألمانيا. لكن مصادر إعلامية أخرى، قالت أن رائد صالح، انتقد العنف المفرط الذي مارسته إسرائيل في غزة.

لكن موقفه من القضية الفلسطينية رغم وجود جالية فلسطينية كبيرة في برلين، لن يلعب دورا في مسعاه للفوز بمنصب عمدة برلين الحاكم، فهو يعتمد أولا وأخيرا على تأييد الناخبين الألمان، ولذلك فإنه يركز في حملته الحالية على الحديث إليهم حول الحلول الأفضل للتغلب على التحديات الكبيرة التي سيتركها كلاوس فوفرايت، العمدة الحاكم المستقيل لخليفته القادم.