هشام منور ichammunawar@gmail.com –
ثارت تساؤلات عدة حول مدى قدرة تنظيم « داعش « على التمدد في مناطق أخرى، وعلى التحالف مع تيارات متشددة جديدة، لا سيما بعد حالة الانقسام التي بدت عليها الأخيرة تجاه السياسات والأهداف التي يتبناها التنظيم، حيث رفض بعضها تلك السياسات، وأعلن تمرده عليها، فيما أيدها البعض الآخر، خاصة فيما يتعلق بإعادة إحياء «الخلافة الإسلامية»، وذلك بعد التوسع الملحوظ لتنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في العراق وسوريا، خاصة بعد إعلانه قيام «الخلافة الإسلامية»، وتنصيب قائده أبو بكر البغدادي «خليفة للمسلمين».
لقد أعلنت بعض التنظيمات المنتشرة في المنطقة تأييدها لتنظيم «داعش» من دون الانضمام إليه على غرار تنظيم «القاعدة في اليمن»، وبعض المجموعات التي تنتمي لتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، حيث أعلن أبو عبد الله عثمان العاصمي، قاضي المنطقة الوسطى في التنظيم الأخير، أن رفاقه يعلنون «نصرتهم» لمن سماهم «المجاهدين» في تنظيم «داعش» بالعراق، مشيرًا إلى أنهم «يريدون وصل حبل الود بيننا وبينكم»، وموجهًا في الوقت نفسه انتقادات قوية للتنظيمات الأخرى، لا سيما تنظيم «القاعدة»، بسبب عدم تأييدها لـ»داعش».
كما أعلن مؤخرًا تنظيم «جند الخلافة» انشقاقه عن تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» ومبايعته لـ»داعش»، وأشار قائد التنظيم خالد أبو سليمان إلى أن «تنظيم القاعدة الأم وفرعها في المغرب حادا عن جادة الصواب».
تنظيمات محلية في المنطقة أعلنت تأييدها لـ»داعش» وأصبحت تقدم له الدعم، مثل تنظيم «لواء أحرار السنة» في لبنان، الذي يعتبر نفسه امتدادًا لـ»داعش» في لبنان، وتنظيم «مجلس شورى أنصار الشريعة» بالأردن، الذي يقوم بالحشد الدعوي والمعنوي من أجل مناصرة «داعش». ويمكن القول إن هذه التنظيمات التي أعلنت تأييدها لـ»داعش» ربما تتحول إلى أذرع للتنظيم في الفترة القادمة، لأن التعاطف والتأييد في أوساط هذه التنظيمات سرعان ما يتحول إلى تعاون ثم إلى مبايعة، على غرار ما حدث مع تنظيم «القاعدة» بعد تأسيسه.
عوامل عدة ساهمت في دعم هذا التمدد «الداعشي» في المنطقة منها، إنجازات تنظيم «داعش» غير المسبوقة، حيث نجح في السيطرة على مناطق مترامية الأطراف عبر حدود دولتين- العراق وسوريا – وأعلن عن قيام دولة «الخلافة الإسلامية»، وبذلك يكون التنظيم قد حقق، خلال وقت وجيز، ما عجزت عنه التيارات الإسلامية على مدار أكثر من ثلاثين عامًا، وهو ما جعل بعض التنظيمات ترى أن هذا التنظيم أحق بالتأييد والنُصرة أكثر من غيره من التنظيمات الأخرى التي لم تحقق إنجازات مماثلة على أرض الواقع. كما لعب تراجع التنظيمات المنافسة في المنطقة دوراً في تنامي شعبية تنظيم داعش، وعلى رأسها تنظيم «القاعدة» بقيادة أيمن الظواهري، والذي ضعف تأثيره على التنظيمات التابعة له في المنطقة، ما أدى إلى تقلص قدرته على التأثير في مجريات الأحداث، والتحول إلى رقم مهم في المشهد الإقليمي كما يفعل تنظيم «داعش».
ولا يمكن في هذا السياق إنكار ما قدمه إعلان قيام «الخلافة الإسلامية»، من دور في تعزيز شعبية التنظيم بين بعض التيارات والحركات الإسلامية، بشكل دفعها إلى تأييد تنظيم «داعش» والانشقاق عن بعض التنظيمات الأخرى التي لم تتمكن من تحقيق الهدف ذاته.
مما لاشك فيه أن تمدد تنظيم «داعش» في المنطقة، من خلال التحاق بعض التنظيمات الإسلامية به، وتأييد بعض التنظيمات الأخرى له، سوف يفرض بعض التداعيات المختلفة، منها المساهمة في توفير التمويل والمقاتلين للتنظيم بشكل فعال، إضافة إلى إيجاد حالة من التعبئة في أوساط «الجهاديين» بحسب التصنيف الغربي، في المنطقة من أجل مناصرة التنظيم وتقديم الدعم المعنوي له في مواجهة التحالف الدولي الذي تشكل لوقف تقدمه، وهو ما سوف يستفيد منه التنظيم على المدى القصير، أما على المدى البعيد، فإن التنظيم، من خلال هذا التأييد، سيحظى بنفوذ واسع في المنطقة، يمكن أن يستخدمه في المستقبل، في حالة دخوله في صراع مع العديد من الأنظمة السياسية في المنطقة، وهو ما سوف يحوله إلى خطر عابر للحدود خلال المرحلة القادمة.
من تداعيات تمدد تنظيم داعش أيضاً، سيطرة التنظيم على خريطة التيارات الجهادية المنتشرة في أنحاء مختلفة من العالم، لا سيما بعد تحول توجهاته إلى المرجعية الفكرية لمعظم التنظيمات الجهادية في العالم، خاصة أنه التنظيم الجهادي الأقوى والأكثر قدرة على تنفيذ سياساته وهو الذي يفرض أفكاره ومفاهيمه على التنظيمات الأخرى.
كما سيؤدي ذلك إلى تشكل نوع من «الحزام الجهادي» في المنطقة، بشكل يمكن أن يهدد العديد من الأنظمة السياسية إذا ما استمر تمدد «داعش» داخل المنطقة بهذه الصورة الحالية، لا سيما أنه سيشجع التنظيمات الموالية له، على تكثيف هجماتها ضد الدول التي تقيم فيها، من أجل إسقاط الأنظمة السياسية التي تنظر إليها على أنها نظم علمانية تعادي الإسلام، وبالتالي يجب القضاء عليها.
تمدد تنظيم «داعش» في المنطقة ونجاحه في السيطرة على مناطق أخرى، سيؤدي أيضاً إلى تزايد أعداد التنظيمات «الجهادية» المناصرة له، وهو ما سوف يدعم من احتمالات اندلاع موجة جديدة من العنف، خاصة أن غالبية تلك التنظيمات سوف تسعى إلى الالتزام بتوجهاته العنيفة باعتباره التنظيم الأكثر قدرة على تنفيذ أهدافه، لا سيما بعد إعلانه قيام «الخلافة الإسلامية».
هذه التداعيات التي يغلب عليها الطابع الإقليمي والعالمي سوف يستخدمها التحالف الدولي الجديد لضم المزيد من الانظمة والدول إلى صفوفه، واستنزاف المزيد من الموارد المالية لها، وإقحام المنطقة في دوامة صراعات لا متناهية ضمن النسيج الاجتماعي الواحد، ما يعني ضرورة التنبه إلى الجانب الفكري في التنظيم والعمل على مواجهته بالتوازي مع الجانب العسكري والميداني، فالتنظيم حتى الآن لا يمتلك تراثاً كبيراً من الأدبيات المتعلقة باستقطاب المؤيدين ولا يزال يعتمد على أدبيات تنظيم القاعدة الذي تضاءلت شعبيته رويداً رويداً، والفكرة الوحيدة التي يحاول تسويق نفسه بها هي فكرة إعلان الخلافة، فهل تلتقط الدول العربية والإسلامية ذلك لمواجهة التنظيم في الجانب الأكثر ضعفاً في بنيته وتركيبته لا سيما ان التحالف الدولي الجديد لم يراع ذلك في خضم بناء تحالفاته الجديدة؟!


