«الراحل على غير هدى» شعر وفلسفة عرب ما قبل الإسلام

د. إبراهيم بن حمود الصبحي –


اراد سلام أن يستخلص لنا هذه المعاني الجميلة بدراسة بحثية استقصائية فلسفية للنص فان المتخصصين في النقد الأدبي أو الفلسفي هم وحدهم القادرون على فهم هذه المعاني الجميلة. إنه كتاب لصفوة الادباء المشتغلين بهذا الفن الراقي المتحررين من الخوف والانهزامية ومن الروتينية التي غلفت كتابات أدبائنا السابقين.ان فلسفة النص اقوى من فلسفة المفردة.

هو الأديب والمفكر العماني عبدالسلام بن سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي وعندما تذكر كندة فيكفي شرفاً لمنتسبها وفخراً. هم بيت العلم والكرم والفقه والأدب والشعر على امتداد الزمان والمكان هم انوار عمان والعرب المتلألئة قلما خلا عصر من كواكبهم النوارة التي عطرت كتب التاريخ في عمان وغيرها. وعبدالسلام الذي تسمى بـ(سلام) تبسيطاً للنطق الميسر باللغة الاجنبية والفرنسية على وجه الخصوص حيث آثر أن يقيم بها ردحاً من الزمن وكديدن العلماء والادباء العرب الذين هاجروا لفرنسا عاصمة الثقافة ومستودع العلم الحر المتطور التي ما ضاقت يوماً بأحد توجه اليها لينهل من علومها، ذات الظلال الوارفة والأفنية الواسعة.

وربما هذا ما يميز كتاب سلام ((الراحل على غير هدى)). لا أريد أن أشبهه بأحد من نوابغ العروبة فلكل أديب ومفكر أسلوبه وفكره وشخصيته وأميزه بأنه أديب المهجر العماني لأنه وان اقام جسداً في عمان فهو عقل وروح وفكر دائم التطلع إلى باريس حيث درس على أيدي علمائها وفلاسفتها وأقول ذلك لا محاباة أو انجرافاً لشخص وانما استنباط من محتويات كتابه الذي ذاع صيته في فرنسا وتناقلته الصحافة العربية والأجنبية وتلقفته وسائل الاعلام في كثير من الدول وخبا أواره وقدحه في بلده لسبب بسيط وهو أنه كتبه ليخاطب به العقلية الفرنسية المنفتحة التي انجبت قبله المفكراحمد أمين وعميد الأدب العربي طه حسين والعلامة رفاعة رافع الطهطاوي وما زالت تمد العالم بصفوة علمائها.العقلية العربية التي هزمت في عقر فكرها وصدمت بأبنائها الذين ينحرون العقل خوفاً منه لا خوفاً عليه.

(الراحل على غير هدى) كنت اتمنى لو أن سلاماً قال: شعر وفلسفة العرب قبل الإسلام. فالعرب هم العرب قبل أو بعد الإسلام اما مسألة فلسفة العرب فان مفهوم الفلسفة في النقد لم يظهر إلا في سنوات لاحقه للإسلام فان هذا الكتاب انما يعنى بالشعر أساساً والظروف التي أحاطت به وان كنا نحن اليوم نود أن نفلسف مضامين هذا الشعر.فذاك باب ولجه سلام. الاديب عبدالسلام والمفكر سلام والفيلسوف تربع على هذا العرش والا لما حظي بتقدمة البروفيسور (ألان باديو) استاذ الفلسفة بجامعة باريس سأنقلها حرفياً من الكتاب الذي أهداني نسخة منه الأديب سلام وإهداؤه الظريف اللطيف وسأنقله بالحرف مخافة اللغط الكلامي.

إن سلام الكندي لو خلعنا عليه التقدير والاكبار لهذه الجرأة والشجاعة التي أبانها ألان بأديو فى الصفحة (12) الفقرة الثانية من الكتاب. فاننا حري بنا أن نحتفي به كما احتفى به الفرنسيون الذين انصف الكثير منهم العرب وما خلفوه من تراث ثقافي والاسلام وما تركه من ذخائر في الأندلس أذهلت الكثير من علماء الغرب لاحقاً.

إن المعلقات السبع أو العشر ستبقى سجلاً حافلاً لقوة اللغة العربية واصالتها والتي نزل بها القرآن الكريم واختارها الله سبحانه كتاباً يمثل آخر دياناته على الأرض معجزة اللغة هذه تجلت في معجزة أستاذها وعالمها وحاملها النبي الأمي محمد بن عبدالله القرشي الكناني المضري الأبطحي اليتيم اماً وأباً الغني علما ورسالة.معجزة المعلقات خصوصاً والشعر العربي في القرنين الرابع والخامس الميلاديين انها نبعت من البيئة الهادئة البسيطة فأتت جماليتها من بساطتها وهدوئها ومن قوة مفرداتها وكل مترادفة فيها وكذلك من استعصائها على غير من عاش خارج تلك البيئة وذلك الزمان. جميل من سلام ان يأتينا بلغة اماطت عنا جهلنا بتراثنا ونكراننا لأدبنا وتنطعنا بفكر دخيل علينا واهدارنا لفحولة عقولنا.

الراحل على غير هدى يضرب اطناب الصحراء ويطوي فيافيها وقفارها الموحشة المجدبة لا ليعثر على طلل تركت له حبيبته أو يتنسم عبيرها، إنه جهاز اعلامي متنقل يمثل قبيلته وعروبته ليحفر ذلك فى ذاكرة التاريخ المنسي اليوم.الطلل والمنزل والدمنة والأثر ليس الا تجسيد خالد لحب العربي لوطنه منزله أو خيمته أو حفنة تراب يلوكها كلما ألمَّ به جوع الحياة أو الاستكبار على واقعه.

عنترة العبسي فارس ترجل عن فرسه وتمرد على واقعه وقلب موازين المفاهيم السائدة بين العرب (العبودية) المملوكية لكل شيء حتى البشر.

سلام الكندي كما قال عنه الان باديو: (في اطار هذا المشروع البحثي يعتمد سلام الكندي على المعلقات بعد تخليصها من صفة الجاهلية). الجاهلية التي ذكرها الاسلام فى كتابه القرآن المعجزة هي سلوك ليس كلياً بل جزئياً جاء الدين ليزيل تلك الشوائب ويحارب بعضها كالخمر والميسر والقسم بالانصاب والازلام والزنا ووأد البنات لكنه ابقى على الشرف والكرم والشجاعة والاعتدال والاستقامة.

والاّ لما وقف النبي محمد صلى الله عليه وسلم والذي اتهمه المشركون بأنه شاعر وقف ليحيي كعب بن زهير بن ابي سلمى ويخلع عليه بردته:


بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

متيم اثرها لم يجز مكبول

وما سعاد غداة اليين اذ برزت

الا أغنّ غضيض الطرف مكحول

*******


نبئت أن رسول الله أوعدني

والعفو عند رسول الله مأمول

لا تأخذني بأقوال الوشاة

ولم اذنب ولو كثرت فيّ الأقاويل


ان من القول لحكمة وان من البيان لشعراً. شعر العرب ليس كله توقف عند الاطلال أو تذكر للمنازل لكنه مليء بالحكم:

ومن يغترب يحسب عدواً صديقه ومن لا يكرم نفسه لم يكرم

ومن يك ذا مالٍ فيبخل بفضله على قومه يستغنى عنه ويندم

وليس كل اشعار العرب قبل الاسلام كفراً والحاداً.انها قرب من الله الواحد الأحد.


فلا تكتمن الله مافي نفوسكم

ليخفى ومهما يكتم الله يعلم

يؤخر فيوضع في كتاب الله فيدخر

ليوم الحساب أو يعجل فينقم

ومن هاب اسباب المنايا ينلنه

وان يرق اسباب السماء بسلم


اذا كان هذا الشعر قمة الأدب العربي قد احتوى على هذه المعاني السامية وغيرها وحلق بنا إلى سماء الطهارة الفكرية فان احداً لن يستطيع ان يأتي بمثله هذه الايام ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. اراد سلام أن يستخلص لنا هذه المعاني الجميلة بدراسة بحثية استقصائية فلسفية للنص فان المتخصصين في النقد الأدبي أو الفلسفي هم وحدهم القادرون على فهم هذه المعاني الجميلة. إنه كتاب لصفوة الادباء المشتغلين بهذا الفن الراقي المتحررين من الخوف والانهزامية ومن الروتينية التي غلفت كتابات أدبائنا السابقين.ان فلسفة النص اقوى من فلسفة المفردة.

أما ترجمة الكتاب فان اللغة المستخدمة هي لغة عربية رصينة لا مجادلة لكنها لغة اخواننا واشقائنا في المغرب العربي، الأقرب إلى الطبيعة الفرنسية ومفرداتهم اللغوية ونحن عرب المشرق العربي لنا مفرداتنا الذائعة الشائعة بيننا. شكراً لأخي الاديب الفيلسوف سلام الكندي على هذا الجهد الكبير الذي حّملنا عبأه فناءت كواهلنا بحمله وعجزت عقولنا عن فهمه لم نمنحه ما يستحقه من تكريم واكرام واقلها ان نهتم بدراسة مضامينه وشرحها لطلابنا في جامعاتنا الفتية. انكفأ سلام على نفسه مؤثراً السكينة وقبع في عقر داره العامرات التي اسماها جده بهذا الاسم من قبل وان كان لي من رجاء أن يعاد لهذا الاديب مكانته والاحتفاء بعمله كما فعلت مصر من قبل مع عميد الادب العربي طه حسين فإن لم يبصر هو بعينيه أبصر بعقله وبأدبه وثقافته فالشعوب التي لا تحتفي بأدبائها ستبقى رهينة الجهل بهم وبأدبهم.

فلا نكون كالذين يحملون في عقولهم ولا يعون أو ينتابهم الحسد القاتل فيخفون مشاعرهم. أدعو كل من احب عمان وادباءها أن يخلع أثواب التكريم لسلام وأمثاله حتى لايضار أحد على هذه الارض التي انجبت عظماء التاريخ والتراث الأدبي الرائع والا نشخصن علاقاتنا الأدبية والثقافية بسوء قراءتنا وبسوء تفسيراتنا لهذه القراءة.

دعوة لجمعية الأدباء والكتاب أن يقرأوا الكتاب ويمنحوه ما يستحقه من تكريم ودعوة لأديبنا المفكر عبدالسلام الكندي ليواصل مشواره الأدبي ويتحفنا بنادرة من نوادر كندة الأفذاذ:


ومن هاب اسباب المنايا ينلنه

وان يرقى اسباب السماء بسلم


عليّ طِلاب العزّ من مستقره

ولا ذنب لي إن خالفتني المقادر