تربية إيمانية: الحوار الهادف

هلال اللواتيا -

لنرجع إلى الآية المباركة التي بها ختمنا الحلقة السابقة لننظر في معطياتها العملية الجميلة في عالم الاجتماع.

قال تعالى:« قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ «.

فنجد هنا أن النبي شعيب عليه السلام بين لهم العلل من وراء عدم إمكانية تنفيذ خياراتهم، وأن عليهم أن يفكروا في فكرته وأطروحته بشكل جدي، لأنهم أمام خيار القبول لما هو يدعو إليه، وإما أنهم أمام مصير خطير في حياتهم، وكان ما ذكره النبي شعيب عليه السلام هو:

الأول: أن قبوله لخياراتهم يؤدي به إلى الوقوع في الكذب على الله تعالى.

بدلالة أن الخروج من طريقة سيرهم في الحياة لا يؤدي إلا إلى الهلاك ، وأما الدخول في ساحة القدس الإلهية يؤدي إلى النجاة، فإن اختيار الرجوع إلى إليهم يؤدي إلى تكذيب ما وعدهم الله تعالى من النجاة والخير، صدور مثل هذا الأمر من النبي شعيب ومن أتباعه لأمر محال، قال تعالى:« قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا «.

الثاني: إن ما هو يدعو إليه من الصلاح ليس من الأمور التي ينبغي أن تكون ردة الفعل تجاهها هو التهديد بالتهجير، بل إن عملية الحوار الهادف مفتوحة، وأن الوصول إلى الحق مبذول، فإن الأحكام العقلية لا تقبل ازدواجية الحكم، فهي واحدة، فإما أنا على حق وإما هم، فهل عدم الوفاء بالمكيال أمر يقبله العقل والعرف فضلا عن الشرع، وهو بخس الناس أشياءهم من المستهجنات العقلية والعرفية أم لا؟

إذن لقد كانت دعوة النبي شعيب عليه السلام إلى إحكام منطق العقل والشرع والعرف.

المعطى الرابع: أن وجود أهل مدين أنفسهم أمام منطق قوة الفكر عمدوا إلى تغيير مسار الحوار وبشكل ذكي ولبق، قال تعالى:« قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ «.

فإنهم عمدوا إلى تغيير مسار الحوار العقلي إلى أربعة محاور:

المحور الأول: إتهام الطقوس الدينية بأنها تقود صاحبها إلى أعمال الشغب في المجتمع.

المحور الثاني: الاستشهاد على موقفهم من الذي وصفه النبي شعيب عليه السلام بالفساد بطريقة عمل السلف من الأباء.

المحور الثالث: عدم قدرة التصور على أن يكون هناك شيء يقيد الإنسان من التصرف في أمواله الخاصة، أو من أسلوب الاكتساب، فبنظرهم أن هناك حرية مطلقة.

المحور الرابع: محاولة استمالة النبي شعيب بمدحه والاطراء عليه.

فظن هؤلاء أن النبي شعيبا عليه السلام سوف تنطلي عليه الحيلة، وبهذا سوف يغير اسلوب الحوار، فبدلاً عن الدخول في نقدهم فسوف يتحول حواره إلى الدفاع عن مقدساته، وإلى الاستحياء من المضي في نقدهم لأن القوم مدحوه.

فإذا بهم يتفاجأون برد عقلي منطقي علمي متين أشد مما سبقه من الكلام العقلي المنطقي العلمي، قال تعالى:« قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ «.