إن حق التعليم والثقافة مباح لجميع الناس ، ولقد ظهر في التاريخ الإسلامي علماء من الموالي والعبيد وأهل البلاد التي فتحت من قبل المسلمين ، فلم يحرمهم الإسلام من العلم بسبب لونهم أو جنسهم ، فبرزوا في مجالات العلم وفروعه ، فنأخذ مثلا الطبري المفسر الكبير من طبرستان والليث بن سعد من الفرس من أصبهان وابن حنبل من مرو ،وابن جريج رومي المنبت وسيبوبة فارسي الأصل وغيرهم الكثير .فلقد سوى الإسلام بين الناس جميعا، فأعطى كل فرد الحق في أن ينال العلم والثقافة ما يشاء ، بل جعل طلب العلم فريضة وفضيلة عظيمة، ومرتبة شريفة لا يوازيها عمل ،فهو الذي يصقل شخصية الإنسان ويبدد ظلمات النفس وينتشلها من قاع الجهل إلى نور المعرفة ويضع أمامها السراج المنير لتهتدي به في مسيرة الحياة.
ومن هذا المنطلق كان حرص الإسلام الشديد على أن تقوم دعائمه الأساسية على العلم ، يقول الدكتور حسن حسن منصور في كتابه « منهج الإسلام في تربية الشباب» :كانت أول كلمة في إرسال السماء على الأرض نزل بها الروح الأمين جبريل عليه السلام من رب العالمين على قلب خير الأنام محمد صلى الله عليه وسلم وهي :{ اقرأ باسم ربك الذي خلق .خلق الإنسان من علق .اقرأ وربك الأكرم .الذي علم بالقلم .علم الإنسان ما لم يعلم } إنها الآيات الخمس الأولى من سورة العلق ، بل ومن القرآن الكريم كله ، وقد وضعت المدخل إلى دين الله الإسلام العظيم.
ومن جهة أخرى أوضح الدكتور محمد نجيب أحمد أبو عجوة في كتابه«المجتمع الإسلامي دعائمه وآدابه في ضوء القرآن الكريم»: أن القرآن دعا في كثير من آياته إلى العلم والحث عليه قال تعالى :{وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} سورة التوبة الآية122. وفي الآية وجوب طلب العلم والتفقه في القرآن والسنة، وهو فرض على الكفاية لا على الأعيان بدليل قوله تعالى :{ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} .
فالإسلام حث على طلب العلم، سواء كان العلم الدنيوي النافع، أم العلم الديني المجزى عليه بالثواب الدال على الحق والصواب.قال تعالى: { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}، وقال صلى الله عليه وسلم :« من يرد الله به خيرا يفقه في الدين» وهذا الحث بمثابة دفعه للمسلمين إلى ميادين العلم ليبدعوا ويجتهدوا فيه وينتشروا في بقاع الأرض لإنشاء المعاهد والجامعات،يؤلفون الكتب المفيدة لمصلحة الإنسانية.
ويضيف الدكتور حسن منصور جعل الإسلام طلب العلم فريضة على المسلم كسائر الفرائض التي افترضها عليه فقال الرسول المعلم العظيم عليه الصلاة والسلام :« طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة «. كما جعل العلم يسمو إلى مرتبة الجهاد في سبيل الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم « من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع» ، وقال «إذا جاء الموت طالب العلم وهو يتعلم مات شهيدا» ، وفي ذات الوقت جعله قرينا بالإيمان إذ قال الله تعالى في قرآنه الكريم: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } سورة المجادلة الآية12.
كما أن القرآن المجيد هو أساس العلم ومصدر الخشية من الله ومن يخشونه سبحانه هم العلماء لقوله المحكم :{ إنما يخشى الله من عبادة العلماء} سورة فاطر الآية28. والقرآن معين العلماء الذي لا ينضب ومن ابتغى العلم من غيره تخبط في تيه الجهالة ، وقد جاء بعلوم الدنيا مع علوم الدين، وعلى كل طالب للعلم لابد وأن يولي وجهه شطر كتاب الله لينهل من فيض علومه الكثيرة والمتعددة.
وأيضا العلم يعتبر مشعلا يضيء طريق حياة الإنسان ويظل كذلك حتى بعد رحيله عن الدنيا ويحمل ذكراه طالما كان علما نافعا يستفيد منه الآخرون لقول رسولنا الكريم :« إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له » .
أوجب الإسلام على ضرورة السعى في مناكب الأرض بحثا عن العلم وذلك تلبية لأمر معلمنا الأول صلى الله عليه وسلم في قوله الشريف:« اطلبوا العلم ولو في الصين». كما رواه الإمام النووي في رياض الصالحين عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم -يقول : « من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا لما صنع، وأن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب ، وأن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذ أخذ بحظ وافر».
فتاريخ العلم في الإسلام يشهد على أن المجتمع الإسلامي يتسع لدراسة كل فلسفة ومذهب وعقيدة ورأى، وثار النقاش في أرجائه، واتسعت الخلافات والمذاهب، ولم يكن في ذلك حرج على العقيدة الإسلامية ولا بأس على المجتمع.
فاستطاع المجتمع أن يرفع ويحتفظ بمشعل الثقافة الإنسانية، حتى ما نراه من تحضر في الحضارة الغربية للمجتمع الإسلامي السبق والفضل في أثره، وما نريد أن نصل إليه أن لكل فرد في المجتمع الإسلامي الحرية في أن يختار أي نوع من الثقافة، وأن يفكر بأخذه من العلوم ما يريد، على ألا يكون ذلك مسخ للثقافة الإسلامية وألا تكون ثقافة هدامة لا يقرها الإسلام، إذ يجب أن يكون العلم علما نافعا،غير العلم الضار كالسحر أو غيره.


