نوافـذ – ما تبقى لنا من مساحة

أحمد بن سالم الفلاحي -

Dreemlife11@yahoo.com -

تبقى الشواطئ دائما متنفسا جميلا، ورائعا لجميع الفئات العمرية، حيث يجدون فيها ذلك الأفق الجميل للبحث عن الجمال، والمتعة، ولو من خلال أمواج البحر التي تعزف سيمفونية الخلود، فكيف اذا ربط ذلك اما بإشراقة الشمس مبشرة بيوم جديد، او بمعانقتها المغيب، حيث تودع نهارا كان جميلا عند كثير من الناس، على اقل تقدير، هذه الصورة الطبيعية المستوحاة من مفهوم البحر، وهذه الصورة الطبيعية المرسومة في الذاكرة تجاه البحر، والشمس، وهناك من يذهب بعيدا في العمق عندما يربط حركة البحر، والشمس، والقمر بعمليات الزمن الممتدة ما بين الليل والنهار، وتوالي الأيام، ذلك كله يحدث ما بين هذه المكونات الثلاثة والدائمة بديمومة السنين والأيام.

الا انه ما يأسرنا أكثر كزائرين للبحر، ذلك الالتقاء المادي المباشر بيننا وبين الماء، حيث تجدد الحياة، وتشرق النفس، فالماء سر الحياة، والماء حياة كل الكائنات على اختلاف مشاربها، وتنوعها، كما هو معلوم بالضرورة، وللبحر مساحة ممتدة من الذكريات يرويها كبار السن الذين جابوا الأقاصي، والبقاع باحثين عن الرزق، فكانت لهم مع البحر ألف قصة وقصة ما بين معاناة، من أثر الأمواج الهادرة التي لا تدع لهدوء المسافرين ان يستقر، فكم من الناس فقدوا غاليهم، وكم فقدوا ممتلكاتهم، وكم فقدوا “تحويشة” العمر، وقد كانت لي فرصة اجراء حوار صحفي في منتصف التسعينات مع احد الربابنة الكبار في ولاية صور عن احدى السفن المشهورة، والتي وضعت عنها بعض المعلومات في المتحف البحري في ولاية صور، وذكر قصة هذه السفينة التي فقدت بجميع ركابها قبل ان تصل الى مرساها في ولاية صور، وذلك عند قدومها من شرق افريقيا، وغيرها من القصص الكثيرة التي تروى.

وقد ذكر لي والدي – رحمه الله – معاناة سفرهم الى تنزانيا في مطلع الخمسينات من القرن العشرين المنصرم، و”البانوراما” الجميلة التي رواها لي وهم في طريق الذهاب الى تلك الديار، وفي طريق العودة أيضا عندما رجعوا في منتصف الستينات، وكم كانت المفارقة كبيرة بين رحلتي السفر والإياب، حيث العودة الى الوطن، ومجموع المفارقات والمشاهدات التي حدثت في الرحلتين، وكيف ان تلك المشاهد كلها اوجدت فيهم الصبر، والتحمل، حيث يقتضي الامر قطع مسافة زمنية لا تقل عن شهرين في الاتجاه الواحد.

اليوم لا يمثل لنا البحر سوى مجموعة أمواج ينتهي عنفوانها على ضفاف الشواطئ، اما جل اسرار هذا البحر لن نعلم عنه شيئا، ولن تتاح لنا فرصة معرفتها، ما دامت كل أسفارنا بالطائرة للأماكن البعيدة، او بالسيارة للأماكن القريبة، وبالتالي لن نستطيع ان ننقل صورة معينة من صور البحر لمن يأتي بعدنا، هذا المفهوم العملاق لأحد معاني الحياة، وحتى هذه الفرصة القصيرة التي نعيش فيها وجدا صادقا في علاقتنا بالبحر على ما يبدو في لحظة زيارة عابرة، فالممارسات التي تحدث على الشواطئ من قبل الكثيرين، هي ما تنغص علاقتنا الودودة مع البحر، هذا بغض النظر عن مجموع الاستحواذات التي تتم من خلال اقتطاع أجزاء من شواطئ البحر تحت مسميات الاستثمار، وطبعا على حساب المتنفسات الطبيعية للناس جميعا.