الوائلي: الحج عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام وكمال الدين والبر

أداؤها تعظيم لله تعالى بالاستجابة لندائه وتطبيق أوامره -

أجرى اللقاء: سيف بن سالم الفضيلي -

«الحج عبادة العمر وختام الأمر وتمام الإسلام وكمال الدين والبر» هذا ما أكده الشيخ الدكتور سعيد الوائلي الاستاذ بكلية العلوم الشرعية في لقائنا معه حول هذه الركن الأساسي من أركان الإسلام.

مشيراً الى ان هذه الشعيرة تشتمل على صفات العبادات المختلفة «البدنية والمالية والقولية والفعلية» يؤديها كل إنسان عن نفسه لكن مشتركاً مع بقية المسلمين.

مضيفا، أداؤها تعظيم لله تعالى بالاستجابة لندائه وتطبيق أوامره.

ودعا الوائلي الى الالتزام بالأخلاق الفاضلة ومكارمها وهي من أهم آدابه.. وإلى ما جاء في اللقاء.


حول محور «الحج وأهميته في حقيقة الإيمان لدى المسلم» يقول الوائلي: إن الحجّ إلى بيت الله الحرام من الأركان التي بُني عليها الإسلام، كما بين ذلك النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله: «بني الإسلام على خمس»، وذكر منها (وحج البيت من استطاع إليه سبيلا)، فهو خاتمة الأركان الأساسية للدين الإسلامي، جعله الله تعالى في صورة لقاء سنوي عالمي، يجمع الناس من شتى بقاع الأرض، على اختلاف ألوانهم وألسنتهم وطبقاتهم، يأتلفون في وحدة زمانية ومكانية، لتنصهر كل الخلافات بين الناس تحت مبادئ الأخوة الدينية.

وعندما نمعن النظر في نصّ الحديث الشريف ندرك أهمية هذا الركن في حقيقة الإيمان وما له من أثر على المسلم، حيث يبني إسلامه على تلك الأركان الأساسية من الدين، فإن لم يقمها عند استطاعته إليها فإن الأثر على دينه يكون سلبياً، وكأن الدين غير قائم البنيان، حسب دلالة النص، وإذا حافظ على إقامة البناء بأساسه وأركانه فإن الدين لا يكون قائما فحسب، بل يكون مكتملاً راسياً ثابتاً.

وعندما نتأمل كيفية أداء هذه العبادة، نلاحظ أنها تشتمل على أعمال كثيرة، وهي التي تعرف في الفقه بالمناسك، تلك المناسك التعبدية منها البدنية، ومنها المالية، منها القولية ومنها الفعلية، يؤديها كل إنسان عن نفسه لكن مشتركاً مع بقية المسلمين، مما يجعل لهذه الشعيرة أهمية في اشتمالها على صفات العبادات المختلفة، وقد أكد هذه الأهمية ما ذكره الله تعالى من أمر خليله إبراهيم عليه السلام ليؤذن في الناس بالحج: «وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ».

وإذا نظرنا إلى نص آخر من القرآن الكريم سوف يزيدنا تأكيدا على أهمية هذا الركن العظيم، وهو قوله تعالى: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).


لمبتغي الحج..


وعن الآداب والتنبيهات والإرشادات لمبتغي الحج يبيّن الشيخ الدكتور سعيد الوائلي، لا يخفى على أحد أن مريد الحجّ يؤمر بجملة أوامر حال استعداده للتوجه لأداء تلكم العبادة، وفي حقيقة الأمر أن تلك الأمور يطالب بها الإنسان على أي حال.. ولا يقتصر الأمر على مريد الحج فقط، وإن كان في مقام الحج يبالغ في تأكيدها عليه.. ذلك أنّ الحجّ هو القصد إلى تعظيم الله تعالى بالاستجابة لندائه وتطبيق أوامره، والمسلم أينما كان ولو لم يتوجه إلى مكة ويقصد فجاجها تأدية للمناسك يؤمر أن يديم التوجه إلى الله في قصده..

ويؤمر الحاج بصفة خاصة بالتزود بالتقوى وهو خير زاد، وآيات الحج تشير إلى ذلك (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب).. فإن الناس جميعا بصفة عامّة مأمورون بالتزام صفة التقوى على كل حال، وآيات الكتاب العزيز في بيان ذلك متعددة، فعلى المسلم بصفة عامة والمتلبس بالعبادة بصفة خاصة والقاصد لأداء الحج بصفة أخص أن يلتزم صفة التقوى في القول والعمل والتعامل والسلوك، وفي السر والعلن، قدر وسعه وطاقته.

وكذلك يؤمر الحاج أن يتخلص من كل ما تعلق بذمته من حقوق الآخرين: من الديون والأمانات وغيرها.. والله تعالى يخاطب كل المكلفين بقوله: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها).. وبيّن خطورة الأمانة وعظمها بقوله: (إنّا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)، فعليه أن يؤدي الحقوق إلى أصحابها، ويوفي ديونه التي عليه للآخرين، ليلقى ربه متخلصا من كل تبعة، ولا يتعلق بذمته شيء من حقوق غيره، وإن لم يستطع أن يوفيها في الحال فليوكل من يقضي عنه إن كان في المسألة سعة وأجل.

ويضيف، ولكي يفد الحاج إلى ربه بقلب سليم ونفس نقية، يؤمر بالتوبة الخالصة والإنابة الصادقة والرجوع إلى الله تعالى بانكسار وخضوع.. والتخلص مما علق بذمته من حق العبادات والفرائض لله تعالى إن كان في ذمته شيء من قضاء وكفارات وغيرها، ودين الله أحق بالقضاء، وليجتهد كذلك في حسن الوفاء بما عليه لله تعالى كما يجتهد في وفاء حقوق العباد، واضعا نصب عينيه قوله عزّ وجلّ: (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون).. وقوله: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا).

ويؤكد، وفي استعداد الإنسان للحج يؤمر بالإخلاص في نيته وقصده، ويحذر بالغ التحذير من الرياء والسمعة.. مع أن هذا الأمر يشمل الناس جميعا في جميع أحوالهم (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة).. وجاء في الحديث: «الرياء يحبط العمل كما يحبطه الشرك».. والإخلاص روح العمل فليجتهد مريد الحج لتحقيقه في أداء عبادته، ولا يفتح بابا لمداخل الرياء والمباهاة، لأن الشيطان يتصيد ذهاب الأعمال وإحباطها على كل مسلم.

ومما يؤمر الحاج به التماس الرفيق الصالح المحب للخير والمعين عليه.. ومشوار العبادة للحج مشوار حياة، يختار فيه الصديق الصالح والجار الحسن والجليس الفاضل، ليكون خير معين في حسن الأداء للعمل.. وقد بيّن عليه الصلاة والسلام مثل الجليس الصالح وجليس السوء، لينعكس أثر ذلك على من يريد الرفيق في الدرب.

وكذلك التزام الأخلاق الفاضلة ومكارمها.. على المسلم أن يحافظ عليها في طريقه إلى الحج.. وفي طريق حياته التي يعبرها إلى مصيره في الدار الآخرة.. ولله در القائل:


صلاح أمرك للأخلاق مرجعه

فقوم النفس بالأخلاق تستقم


إضافة الى العلم بكيفية الأداء للعبادة، فذلك من العلم الواجب على كل مسلم، حيث إن الله جلّ وعلا لا يعبد عن جهل.. فلابد للمسلم أن يدرك كيفية أداء العبادة التي يتقرب بها إلى مولاه، رغبةً في نيل مرضاته وخوفا من أليم عقابه، فكيف بالحج الذي يقطع الإنسان فيه المسافات ويصرف فيه الأموال ويقضي فيه جانبا من العمر والحال، فلكي لا يضيع عمله عليه أن يعرف كيفية أداء قربة لله تعالى.

وهكذا، نجد فيما أمر به الحاج إبان استعداده للحج وما بعده في العموم.. نجدها أمورا فاضلة مهمة، هي من مبادئ الدين القويم التي يدعا الإنسان إلى الالتزام بها في حياته الإيمانية.


أهمية التعجل


وفي جانب أهمية التعجل في أداء فريضة الحج يقول الوائلي، على الرغم من أن الحج فرض في العمر مرة واحدة، إلا أن الشرع الشريف قد حث على أدائه فور الاستطاعة ورغب في المسارعة إلى خيره وبره، وحذر من تأخيره بدون عذر أو حاجة، وقد جاء في الأثر: «من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة»، وجاء عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قوله: «مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ فَسَوَاءٌ عَلَيْهِ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا»، ومع أن في المسألة خلاف بين أهل العلم، بمعنى: هل الحج واجب على الفور أم على التراخي، غير أن الإنسان يدعى على كل حال أن يبادر إلى الخير، وفي ذلك خير له بلا شك، هذا فضلا عن أهل التحقيق من العلماء يرون أن فرضه على الفور أرجح، حسب ما تشير إليه الأدلة، وحسب ما تقتضيه الأهمية، كونه من أركان البناء لدين الإنسان.


تعظيم..


وفي محور «كيف يعظم الحاج شعائر الله» يوضح الوائلي، على الإنسان أن يعظم ما عظمه ربه تعالى، ويتصل بما حوله من خلال ما يحمله من مبادئ الدين وتصورات اليقين، ومن منطلق توجيه الآية الكريمة: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)، فإن شعائر الله المعظمة إنما يكون تعظيمها من أجل المولى عز وجل، فيكون معنى الآية حسب ما جاء في التفسير: فإن تعظيمها من تقوى القلوب. حيث يتحلى المسلم بالتقوى وتحل التقوى قلبه بتعظيم الشعائر، لأن ذلك التعظيم لها من تقوى القلوب. وإضافة كلمة (تقوى) إلى القلوب لأنّ تعظيم الشعائر اعتقاد قلبي ينشأ عنه العمل.

وسواء أريد بالشعائر كل ما أمر الله به بزيارته أو بفعل يوقع فيه من شعائر الحج والعمرة، أي مما أشعر الله الناس وقرره وشهره. وهي: الكعبة، والصفا والمروة، وعرفة، والمشعر الحرام، ونحوها من المعالم. أو أريد بها البدنة من الهدي في النسك، حيث تطلق الشعيرة أيضاً على بدنة الهدى. قال تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) لأنهم يجعلون فيها شِعاراً، فعلى كل المعاني يكون التعظيم للشعائر علامة على تقوى القلوب ومن مقتضيات ذلك.

وختاما: لابد أن ندرك أن الحج من بين أركان الإسلام ومبانيه: هو عبادة العمر وختام الأمر، وتمام الإسلام وكمال الدين والبر.. يقول تعالى: (وأتموا الحجّ والعمرة لله).

ثمّ إنّ عبادة الحج لابدّ من فهم مقاصدها وإدراك معانيها، لتنعكس في الناس أنوار الروحانية منها، وقد أنعم الله عزّ وجلّ على هذه الأمّة بأن جعل الحجّ من شعائر دينهم، فشرف البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه تعالى، ونصبه مقصداً لعباده، وجعل ما حواليه حرماً لبيته تفخيماً لأمره، وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره، وجعله مقصداً للزوار من كلّ فجّ عميق ومن كلّ أوب سحيق، شعثاً غبراً متواضعين لرب البيت ومستكينين له، خضوعاً لجلاله واستكانة لعزه.. مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يحويه بيت أو يكتنفه بلد، ليكون ذلك أبلغ في رقهم وعبوديتهم، وأتمّ في إذعانهم وانقيادهم.

من أجل ذلك شرع لمريد الحجّ: التنزه عن الشهوات والكف عن اللذات والاقتصار على الضرورات في تلك الرحلة الربانية، بالإضافة للتجرد لله سبحانه وتعالى في جميع الحركات والسكنات أثناء أدائها.

أيها المسلمون، وإن إشعاعات نور الروحانية في هذه العبادة لتنطلق في المقام الأول من إدراك مكانتها وتعظيم شعائرها، حيث تبدأ روحانية المؤمن في تعلقه بربه من إيمان قلبه والتزام تقواه.. فتسبح روحه في معاني العبودية لله وهو يتقرب إليه بأداء المناسك.. تلك المناسك التي لا حظّ للنفس الإنسانية فيها ولا مطمع للشهوة الدنية فيها.. بل ولا اهتداء للعقل إلى معانيها، إلا تحقيق معاني العبودية في أعلى معانيها وأبلغ مقصدٍ لها.

و في هذه الرحلة الروحية لا بدّ من عزم صادق ابتغاء مرضاة الله تعالى وحده.. فلا يعلق المسلم همّه في تلك الرحلة الربانية بالأغراض الزائلة والمنافع الدنيوية، فثمة أناس يخرجون إلى الديار المقدسة بنوايا قاصرة وأهداف هزيلة: منهم من يريد النزهة والتمتع، ومنهم من كان قصده التجارة والتبضع، ومنهم من جعله رياء وسمعة ليفتخر، ومنهم دون ذلك..

فكيف يفارق الإنسان الأهل والأوطان، ويهجر الشهوات واللذات، متوجهاً إلى زيارة بيت الله الحرام بهذه النية التي لا تبلغه أي منال. مع أنه عزم على أمرٍ رفيعٍ شأنه، خطيرٍ أمره، عظيمٍ أجره.