تطهير الألسنة من انتقاص الصحابة.. ترفع المشاحنات والعداوات

الحرص على جمع الكلمة ووحدة الصف.. ضرورة دينية ودنيوية -

متابعة-سالم بن حمدان الحسيني -

حذر فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة من الخوض في الروايات التي يكثر فيها الخلاف ويزكي كل مذهب فيها نفسه للانتقاص من الآخرين.. مؤكداً أن توقير الصحابة وتطهير الألسنة من الانتقاص من أقدارهم كفيلة برفع المشاحنات والعداوات السائدة بين المسلمين اليوم.

وأشار إلى أن الأولى بالمحبة والتوقير هم أهل بيت رسول الله رضوان الله عليهم منوها إلى أن ذلك لا يعني تقديسهم أو بخسهم حقهم وإنما الاعتدال والوسطية بالنسبة لهم ولعموم الصحابة رضوان الله عليهم.

وأكد الخروصي على ضرورة السعي إلى ما يقرب شتات المسلمين والبحث عن الجوامع المشتركة بينهم، منوها إلى استقاء فهم ما دار بين الصحابة من الروايات الثابتة البعيدة عن المغالاة التي تجلب النزاع والخلاف. وأن الأجدر بالمسلمين اليوم تطهير ألسنتهم من كل ما يسيء أو ينتقص من قدرهم.. جاء ذلك في ثنايا رده على الاستفسار عن حقيقة قصة سيدنا عمر وأبو بكر مع السيدة فاطمة في موضوع إرث السيدة فاطمة من الرسول الكريم وقصة تهديد سيدنا عمر لحرق بيت فاطمة الزهراء وذلك في برنامج سؤال أهل الذكر الذي يعده ويقدمه الدكتور سيف بن سالم الهادي.. نتابع نص جواب فضيلته في السطور التالية:


يقول فضيلته: هذه الروايات فيها الكثير من الخلاف وكل مذهب وحزب وطائفة يروي فيها آثاراً ينتقص فيها من الآخرين ويزكي فيها نفسه وبين هؤلاء وأولئك تضيع الحقيقة.. وأوضح أن قضية إرث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصة السقيفة وقضية حرق بيت السيدة فاطمة تلك أحداث مضت ومرت عليها قرون من الزمان، ولن ندخل في تفاصيل القضية إذ ليس من مصلحة أحد أن نستدعي تلك الأحداث بل نقول: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، فينبغي بل يجب على المسلمين اليوم أن يكونوا أحرص ما يكونون على جمع كلمتهم وعلى تآلف قلوبهم.


الحقيقة الغائبة


وأضاف: نحن نرى اليوم في أحداثنا المعاصرة التي تجري من حولنا اليوم من الفتن السياسية ومن الأحداث المتصلة بالحكم وبقضايا ذات طابع عام نجد أنه يصعب لا على البعيد فقط مع توفر وسائل الاتصال العالية اليوم بل حتى على القريب المشاهد لها الداخل فيها يصعب عليه أن يصل إلى كنه حقيقة ما يجري والى معرفة ما لدى المتحزبين فيها حتى يمكن له بعد ذلك ان يخرج بتصور وأن يسعى فيه إلى إصلاح ذات البين فكيف بنا بأحداث مضت عليها قرون من الزمان، وما استلهامنا لها إلا من خلال ما ورد من كتب السير وكتب التاريخ والتراجم التي ذكرت عن هؤلاء السلف.

وأشار إلى أن هناك قواعد عامة لو أن المسلمين اليوم تمكسوا به لأغنتهم عن كثير من المشاحنات والعداوات السائدة الجارية بينهم اليوم من بينها أهمية توقير صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رضوان الله تعالى عليهم، فلابد من أن يعلي المسلمون اليوم من شأن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وان يطهروا ألسنتهم من أن ينتقصوا من أقدارهم ومنازلهم فضلاً من أن يخوضوا فيهم من سباب أو لعن أو غير ذلك.. لابد من توقير صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأنهم خير القرون وشهد لهم القرآن الكريم لاسيما للسابقين من المهاجرين والأنصار ولأصحاب بيعة الرضوان ولأهل بدر، ومن لمن كانت لهم المواقف المشهود لها في كتاب الله عزَّ وجل، وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحيحة الثابتة وهذا لا يؤثر فيه وجود بعض الأفراد الذين ارتكبوا بعض الأخطاء في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو في عهد الخلفاء الراشدين من بعده فان هذا لا يؤثر على منزلة عمومهم، على المنزلة الإجمالية لصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا على خيرية ذلك القرن الذي كانوا فيه.


تقدير لا تقديس


وأوضح أن الأولى بالتوقير لا ريب هم أهل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أزواجه رضوان الله عليه ومن قرابته هم أولى الناس بالمحبة والتقدير والتوقير إلا أن المحبة لا تعني التقديس كما لا تعني بخسهم حقوقهم بل لابد من الاعتدال والوسطية وكذا الحال بالنسبة لعموم صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا من المبادئ العامة التي لابد من التقيد بها. والمبدأ الآخر هو أن نسعى إلى ما يقرب شتات المسلمين اليوم.. وأن نبحث عن الجوامع المشتركة، وأن نبحث عن القدر الأدنى ان لم يتسن لنا الحظ الأوفر فلا أقل من أن نتفق على الحد الأدنى على الأرضية المشتركة كما يقال اليوم من التفاهم حول تلك الأحداث التي جرت.

وقال: ما أجمل أن نستقي فهم ما دار بين صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الروايات الثابتة والتي فيها بعد عن مغالاة طرف على طرف آخر بحيث نأخذ منها القدر المشترك وأن نترك بعد ذلك الحواشي والهوامش التي تجلب الكثير من النزاعات والخلافات إن لم يكن بد من استدعاء تلك الأحداث وإلا فان المبدأ التالي هو ما قرره عمر بن عبدالعزيز رضوان الله تعالى عليه حينما قال: (تلك دماء طهر الله منها سيوفنا، لنطهر منها ألسنتنا).. فما أجدر المسلمين اليوم أن يطهروا ألسنتهم من السباب واللعن، ومن انتقاص ذلكم القرن وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأشار إلى أننا نجد في تراثنا اليوم، في تراث الإباضية أن وفداً من الإباضية ذهبوا إلى عمر بن عبدالعزيز وطلبوا منه ان يأمر الخطباء في الجمع بكف ألسنتهم عن الخوض في الفتنة التي كانت بين صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وان يكفوا عن لعن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعجبه رأيهم وكتب إلى الخطباء وإلى الأئمة ومنذ ذلك اليوم استبدل بما كان من سباب ولعن آية من كتاب الله عزَّ وجل ما زال الخطباء يقرأونها إلى اليوم وهي قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فلا يصح لمن كان متخذاً موقفاً ما أن يعمم العداوة وان يبسط لسانه بالسوء والفحش فان هذا ليس من شأن المسلمين.


التقوى هي الأساس


وقال: كذلك لابد من مبدأ آخر وهو مراعاة تقوى الله سبحانه وتعالى، لابد أن نتقي الله عزَّ وجل في بعضنا البعض وان نحرص على أن نكون منصفين للآخرين من أنفسنا قبل أن نطالبهم بإنصافنا منهم لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بذلك، حتى في السياق الذي أمرنا فيها بتآلف القلوب وبوحدة الكلمة قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) فقبل أن يأمرنا سبحانه بالاعتصام بكتابه وقبل أن ينهانا عن التفرق أمرنا بالتقوى وأن تكون تقوانا له حق التقوى أي غاية التقوى وأكملها، فيجب على المسلمين اليوم أن يتحروا تقوى الله سبحانه وتعالى حتى في خصوماتهم وحتى في معاداتهم للآخرين فكيف اذا كانوا ينتسبون إلى أمة واحدة وفيها من مقومات الالتقاء وجمع الكلمة والمشتركات ما لا يتوفر في أمم أخرى، كيف والله سبحانه وتعالى ينهاهم أيضا عن التنازع، وهنا حتى لو تحدثنا بلغة المصالح فان مصلحة المسلمين اليوم أن تجتمع كلمتهم إذ لا شوكة لهم قوة، ولا منعة يمكن أن تتحصل لهم الا باجتماع كلمتهم، ولذلك فان الله سبحانه وتعالى يقول: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) فلذلك حتى على لغة المصالح كما قلت عندنا من المصالح الداعية إلى أن ننبذ أسباب الفرق والشقاق والنزاع ما لا يتوفر عند غيرنا، فمن اللائق في حقنا، ومن اللازم علينا أن نتوجه صوب تلك المقومات التي تجمع الكلمة وترأب الصدع وتؤلف بين القلوب.

وأوضح انه فيما يتصل بالروايتين فاختصار شديد فيهما كلام كثير ينبغي ان يكون فهمهما من الموقفين فيم يتصل بميراث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفيما يتصل بحديث مبايعة أبي بكر الصديق وموقف بعض صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منها ينبغي أن يحمل الجميع على حسن الظن وأن يكون هناك احترام للآراء وتقدير للمبادئ المتقدمة ذكرها. والله تعالى أعلم.


خطوات عملية


وتساءل مقدم البرنامج قائلاً: إكمالاً لهذا الخطاب الراقي الذي يتوجه إلى الأمة الإسلامية كي تبتعد عن مواطن النزاع والفتنة.. هل يكفي أن يكون خطاباً عاماً أم لابد من برنامج عملي تتفق عليه الأمة لتسدل الستار على ذلك التاريخ الذي أصبح يفرّق ولا يجمّع؟

أجاب فضيلته: لا ريب أنه لابد من خطوات عملية بحيث تكون كفيلة بتحقيق هذه المآرب النبيلة وبلوغ المسلمين هذه المقاصد الحسنة إلا أن هذه البرامج أو الخطوات العملية لابد لها من أساس، ومن خلال تتبع جملة من الأدلة الشرعية أظن أن الذي تقدم من مبادئ يمكن أن يمثل الحد الأدنى؛ لأنه قدر متفق عليه قد نختلف أحيانا في بعض التفاصيل والتفريعات لكننا لو التزمنا لأنها كلها مستمدة من كتاب الله عزَّ وجل ومن هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولنقارن أيضا بأحوالنا اليوم، إذا كنا في هذه الأحداث التي تحيط بنا وفي حولنا وواقعنا المعاصر لا يمكن لنا أن نصل إلى حقائق الأمور والى فهم صحيح وتصور شامل لحقيقة ما يجري فكيف بأحداث جرت في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتناولها الكتاب والمؤرخون وكتاب السير والمحدثون وصناع الروايات والقصاص وهذا أيضا لا ينسينا أن هناك أعداءً يتربصون بنا الدوائر ولا مبالغة في ذلك.

وأشار في سياق حديثه إلى استطراد عن الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك ففي قصة كعب بن مالك كما عند الإمام مسلم، وعند غيره انه حينما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صحابته الكرام بهجر كعب بن مالك وصاحبيه، اشتد به الحال وضاق ذرعا بذلك، وفي ذلك الوقت علمت به الروم فارسلوا بواسطة ملك غسان رسالة إلى كعب بن مالك هكذا هي في الرواية.

مضيفا: إننا أحياناً نحن نقرأ ولا ننتبه أنهم يتربصون الدوائر وهذا في وقت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجاء بها من نبط أهل الشام فسأل عن كعب بن مالك فأشاروا إليه فذهب إلى كعب وسلمه الكتاب وكان قارئا فإذا فيه أما بعد: فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله تعالى في أرض مضيعة فاقبل إلينا نكرم وفادتك، يعني هذا في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والرجل في وضع نفسي بالغ الصعوبة ولولا لطف الله عزَّ وجل وصدق إيمانه ومحبته لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت النتيجة غير النتيجة، ولذلك فانه قال: إن هذا لبلاء آخر ثم أخذ الصحيفة فسجرها في النار.


ردود أفعال


وقال الخروصي: تحدثنا استطراداً عن موقف بعض المتعالمين الذين يبنون مواقفهم على ردود أفعال، وكأن غايتهم فقط التشفي من المجتمع أو من بعض أهل العلم أو التشفي من فئة من أهل العلم أو أهل الديانة في المجتمع ولو على حساب المصالح العامة لمجتمعهم أو المصالح الكبرى لدينهم ولأمتهم.

واختتم فضيلته قائلاً: فليتأملوا في موقف كعب بن مالك ليس من السهولة وهو في ذلك الوضع ويجد هجرانا بعدها أمر حتى أن يعتزل أهل بيته، أن يعتزل امرأته، وهي أقرب الناس إليه لم يكن يكلمه ومع ذلك نجد أن أعداء هذه الأمة يتربصون الدوائر، وفي وقت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحاولون انتزاع بعض أفراد هذه الأمة لكي يكونوا في صفوفهم ثم يستغلونهم بعد ذلك في القضاء على مصالح هذه الأمة.