أوراق : حكايات المطر ..

علي بن خلفان الحبسي -

قديماً كنا لا نملك الوسائل المتطورة التي تمكننا من معرفة أوقات الأمطار والمنخفضات والعواصف وتوابعها لأننا لا نملك سوى قناة أرضية تنتهي برامجها في العاشرة مساء، وتأتي الأمطار وتهطل فجأة وتبدأ عندها الاستعدادات لإصلاح مرازيب البيت ووضع الطين على تشققات سقف المنزل ووضع الأغطية على التمور في المساطيح والدعون، وعندما يهطل المطر فان بعض البيوت تصبح أشبه بمسابح مفتوحة ترى خرير المياه هنا وهناك وشلالاتها تخرج حتى من الحجرات ودهاليزها وأفنيتها ويبتل كل شيء، ولا تجري الناس لمشاهدة الوادي لأن الطرقات كلها أودية وبرك ومستنقعات، وسيارات “البيكاب واللاندروفر” وحمير الحارة تجتاز أودية القرية دون حوادث، ويهم المزارع لتقسيم الفلج المختلط بالوادي بين حقول النخيل، ويتبادل الأهالي والجيران التهاني فيما بينهم بعبارة (انتم والرحمة) و(رحمة بادة) وبضعة أيام معدودة وتعود الحياة إلى سابقتها.

مشهد يتكرر في كل موعد يدق فيه ناقوس الرعد صوته المدوي ووميض البروق في كل مكان وذكريات الطفولة تسجلها قطرات المطر التي تعتبر اليوم جزءا من ذكريات لا تنسى تسجلها ذاكرة جرفة السبعين.

في أيامنا الحديثة القنوات الفضائية وشبكات الإنترنت وخبراء الأرصاد الجوية وشائعات الواتساب وغيرها تطارد السحب من أقصى العالم حتى تصلنا وخبراء الطقس يلونون خرائطنا قبل قدوم المطر بأسابيع وتبدأ استعداداتنا وتكثر التحذيرات خوفا من الرحمة القادمة التي تحملها قطرات المطر وحبات البرد وتتلاشى السحب من هول الفرط في المبالغة كقدوم سحب الماماتوس وأشباهها وأعصاير مدمرة وغيرها.

ورغم أننا أمام رحمة المطر المرسل ليسقي الأرض والعباد إلا أننا عقب المطر بحكم عجرفة البعض تنجرف عشرات المركبات وتذهب عشرات الأرواح معها حتى تصل لحجم العائلة لمن هم من فئة المتحدين للطبيعة وقبل أن تصلنا الإحصائيات المسجلة من الجهات المختصة بكميات المطر المسجلة تصلنا إحصائيات المفقودين والمتوفين.

من هنا لا بد أن يكون هناك وعي يدعو إلى المحافظة على الأرواح وعدم المجازفة في الأودية الجارفة حفاظا على السلامة العامة كما يجب على مروجي الشائعات عبر مختلف الوسائل والمحللين أن يتركوا أمر المطر ومتابعته على الجهات المختصة بعيدا عن التهويل والصور القاتمة التي تخلفها هذه الرسائل والصور ولنكن أكثر وعيا من أي وقت مضى.

أخيرا ..

أخاف أن تمطر الدنيا ولست معي، فمنذ رحت وعندي عقدة المطر، كان الشتاء يغطيني بمعطفه فلا أفكر في برد ولا ضجر.

(نزار قباني)